وقد صححه الضياء المقدسي فأخرجه في " المختارة "
(٢٢٠ / ٢ - ٢٢١ / ٢) من هذا الوجه. ورواه ابن حبان في " صحيحه " (٢٠٩١)
عن ابن وهيب أنبأنا نافع بن يزيد.
وهذا الحديث مما يدل على بطلان الحديث الذي في " الجامع الصغير " بلفظ:
" أبى الله أن يجعل للبلاء سلطانا على عبده المؤمن ".
وسيأتي تحقيق الكلام عليه في " الأحاديث الضعيفة " إن شاء الله تعالى.
١٨ - " حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار ".
رواه الطبراني (١ / ١٩ / ١) حدثنا علي بن عبد العزيز أنبأنا محمد بن أبي نعيم
الواسطي أنبأنا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه قال:
جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إن أبي كان يصل الرحم وكان
وكان فأين هو؟ قال: في النار، فكأن الأعرابي وجد من ذلك فقال: يا رسول
الله فأين أبوك؟ قال: فذكره.
قال: فأسلم الأعرابي بعد ذلك، فقال: لقد كلفني رسول الله ﷺ
تعبا: ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار.
قلت: وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات معروفون، وطرح ابن معين لمحمد
ابن أبي نعيم لا يتلفت إليه بعد توثيق أحمد وأبي حاتم إياه، لاسيما وقد
توبع في إسناده، أخرجه الضياء في " المختارة " (١ / ٣٣٣) من طريقين عن زيد
بن أخزم حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا إبراهيم بن سعد به وقال:
[ ١ / ٥٥ ]
" سئل الدارقطني عنه فقال: يرويه محمد بن أبي نعيم والوليد بن عطاء بن الأغر
عن إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عامر بن سعد، وغيره يرويه عن إبراهيم بن سعد
عن الزهري مرسلا، وهو الصواب.
قلت: وهذه الرواية التي رويناها تقوي المتصل ".
قلت: وزيد بن أخزم ثقة حافظ وكذلك شيخه يزيد بن هارون، فهي متابعة قوية
لابن أبي نعيم الواسطي تشهد لصدقه وضبطه، لكن قد خولف زيد بن أخزم في إسناده
فقال ابن ماجه (رقم ١٥٧٣): حدثنا محمد بن إسماعيل بن البختري الواسطي:
حدثنا يزيد بن هارون عن إبراهيم بن سعد عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: جاء
أعرابي. الحديث بتمامه.
وهذا ظاهره الصحة، ولذلك قال في " الزوائد " (ق ٩٧ / ٢): " إسناده صحيح
رجاله ثقات، محمد بن إسماعيل وثقه ابن حبان والدارقطني والذهبي، وباقي
رجال الإسناد على شرط الشيخين ".
قلت: لكن قال الذهبي فيه: " لكنه غلط غلطة ضخمة ". ثم ساق له حديثا صحيحا
زاد فيه " الرمي عن النساء " وهي زيادة منكرة وقد رواه غيره من الثقات فلم
يذكر فيه هذه الزيادة. وأقره الحافظ ابن حجر على ذلك.
قلت: فالظاهر أنه أخطأ في إسناد هذا الحديث أيضا فقال فيه.. عن سالم عن أبيه
والصواب عن عامر بن سعد عن أبيه كما في رواية ابن أخزم وغيره، وقد قال
الهيثمي في " المجمع " (١ / ١١٧ - ١١٨) بعد أن ساقه من حديث سعد:
" رواه البزار والطبراني في " الكبير " ورجاله رجال الصحيح ".
من فقه الحديث:
[ ١ / ٥٦ ]
وفي هذا الحديث فائدة هامة أغفلتها عامة كتب الفقه، ألا وهي مشروعية تبشير
الكافر بالنار إذا مر بقبره. ولا يخفى ما في هذا التشريع من إيقاظ المؤمن
وتذكيره بخطورة جرم هذا الكافر حيث ارتكب ذنبا عظيما تهون ذنوب الدنيا كلها
تجاهه ولو اجتمعت، وهو الكفر بالله ﷿ والإشراك به الذي أبان الله
تعالى عن شدة مقته إياه حين استثناه من المغفرة فقال: (إن الله لا يغفر أن
يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، ولهذا قال ﷺ:
" أكبر الكبائر أن تجعل لله ندا وقد خلقك " متفق عليه.
وإن الجهل بهذه الفائدة مما أودى ببعض المسلمين إلى الوقوع في خلاف ما أراد
الشارع الحكيم منها، فإننا نعلم أن كثيرا من المسلمين يأتون بلاد الكفر لقضاء
بعض المصالح الخاصة أو العامة، فلا يكتفون بذلك حتى يقصدوا زيارة بعض قبور من
يسمونهم بعظماء الرجال من الكفار ويضعون على قبورهم الأزهار والأكاليل
ويقفون أمامها خاشعين محزونين، مما يشعر برضاهم عنهم وعدم مقتهم إياهم،
مع أن الأسوة الحسنة بالأنبياء ﵈ تقضي خلاف ذلك كما في هذا الحديث
الصحيح واسمع قول الله ﷿: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين
معه إذ قالوا لقومهم إنا برءآؤ منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا
بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا) الآية،
[ ١ / ٥٧ ]