وكان من أصحاب النبي ﷺ
مرفوعا.
وقال الحاكم: " صحيح ".
ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
٤٩ - " خلق الله آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمنى، فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر،
وضرب كتفه اليسرى، فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم، فقال للذي في يمينه:
إلى الجنة ولا أبالي وقال للذي في كتفه اليسرى: إلى النار ولا أبالي ".
رواه أحمد وابنه في زوائد " المسند " (٦ / ٤٤١) وابن عساكر في
" تاريخ دمشق " (ج ١٥ / ١٣٦ / ١) .
قلت: وإسناده صحيح.
٥٠ - " إن الله ﵎ قبض قبضة بيمينه فقال: هذه لهذه ولا أبالي وقبض
قبضة أخرى، يعني: بيده الأخرى، فقال: هذه لهذه ولا أبالي ".
رواه أحمد (٥٥ / ٦٨) عن أبي نضرة قال:
" مرض رجل من أصحاب رسول الله ﷺ، فدخل عليه أصحابه يعودونه،
فبكى، فقيل له: ما يبكيك يا عبد الله! ألم يقل لك رسول الله صلى الله عليه
وسلم: خذ من شاربك
[ ١ / ١١٤ ]
ثم أقره حتى تلقاني؟ قال: بلى، ولكني سمعت رسول الله
ﷺ يقول: (فذكره، وقال في آخره:) فلا أدري في أي
القبضتين أنا ".
وإسناده صحيح.
وفي الباب عن أبي موسى وأبي سعيد وغيرهما فليراجعها من شاء في " مجمع
الزوائد " (٦ / ١٨٦ - ١٨٧) .
وحديث أبي موسى في " حديث لوين " (٢٦ / ١) وفيه روح بن المسيب وهو صويلح
كما قال ابن معين.
واعلم أن الباعث على تخريج هذا الحديث وذكر طرقه أمران:
الأول: أن أحد أهل العلم وهو الشيخ محمد طاهر الفتني الهندي أورده في كتابه
" تذكرة الموضوعات " (ص ١٢) وقال فيه: " مضطرب الإسناد "! ولا أدري ما
وجه ذلك فالحديث صحيح من طرق كما رأيت، ولا اضطراب فيه، إلا أن يكون اشتبه
عليه بحديث آخر مضطرب أو عنى طريقا أخرى من طرقه، ثم لم يتتبع هذه الطرق
الصحيحة له. والله أعلم.
والثاني: أن كثيرا من الناس يتوهمون أن هذه الأحاديث - ونحوها أحاديث كثيرة
- تفيد أن الإنسان مجبور على أعماله الاختيارية، ما دام أنه حكم عليه منذ
القديم وقبل أن يخلق بالجنة أو النار، وقد يتوهم آخرون أن الأمر فوضى أو حظ
فمن وقع في القبضة اليمنى كان من أهل السعادة، ومن كان من القبضة الأخرى كان
من أهل الشقاوة، فيجب أن يعلم هؤلاء جميعا أن الله (ليس كمثله شيء) لا في
ذاته ولا
[ ١ / ١١٥ ]
في صفاته، فإذا قبض قبضة فهي بعلمه وعدله وحكمته، فهو تعالى قبض
باليمنى على من علم أنه سيطيعه حين يؤمر بطاعته، وقبض بالأخرى على من سبق في
علمه تعالى أنه سيعصيه حين يؤمر بطاعته، ويستحيل على عدل الله تعالى أن يقبض
باليمنى على من هو مستحق أن يكون من أهل القبضة الأخرى، والعكس بالعكس، كيف
والله ﷿ يقول: (أفنجعل المسلمين. كالمجرمين. ما لكم كيف تحكمون) .
ثم إن كلا من القبضتين ليس فيها إجبار لأصحابهما أن يكونوا من أهل الجنة أو من
أهل النار، بل هو حكم من الله ﵎ عليهم بما سيصدر منهم من إيمان
يستلزم الجنة، أو كفر يقتضي النار والعياذ بالله تعالى منها، وكل من
الإيمان أو الكفر أمران اختياريان، لا يكره الله ﵎ أحدا من خلقه
على واحد منهما (فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر)، وهذا مشاهد معلوم
بالضرورة، ولولا ذلك لكان الثواب والعقاب عبثا، والله منزه عن ذلك.
ومن المؤسف حقا أن نسمع من كثير من الناس حتى من بعض المشايخ التصريح بأن
الإنسان مجبور لا إرادة له! وبذلك يلزمون أنفسهم القول بأن الله يجوز له أن
يظلم الناس! مع تصريحه تعالى بأنه لا يظلمهم مثقال ذرة، وإعلانه بأنه قادر
على الظلم ولكنه نزه نفسه عنه كما في الحديث القدسي المشهور:
" يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي " وإذا جوبهوا بهذه الحقيقة، بادروا
إلى الاحتجاج بقوله تعالى: (لا يسأل عما يفعل)، مصرين بذلك على أن الله
تعالى قد يظلم ولكنه لا يسأل عن ذلك!
[ ١ / ١١٦ ]