بتمامها، أما وهو ليس كذلك كما بينا، فالحمل المذكور مردود،
ويبقى النفي المذكور سالما من التقييد. وبالتالي تبقى دلالته على عدم
مشروعية قيام الليل كله قائمة، خلافا لما ذهب إليه الشيخ عبد الحي في كتابه
المذكور. وفيه كثير من المؤاخذات التي لا مجال لذكرها الآن.
وإنما أقول: إن طابعه تساهل في سرد الروايات المؤيدة لوجهة نظره، من أحاديث
مرفوعة، وآثار موقوفة، وحسبك مثالا على هذا أنه ذهب إلى تحسين حديث "
أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " تقليدا منه لبعض المتأخرين.
دون أن ينظر في دعواهم، هل هي تطابق الحقيقة، وتوافق القواعد العلمية؟
مع ما في التحسين المذكور من المخالفة لنصوص الأئمة المتقدمين كما بينته في
" الأحاديث الضعيفة " (٥٢) فراجعه لتزداد بصيرة بما ذكرنا.
٦٩ - " مثل القائم على حدود الله والواقع (وفي رواية: والراتع) فيها
والمدهن فيها كمثل قوم استهموا على سفينة في البحر فأصاب بعضهم أعلاها
وأصاب بعضهم أسفلها (وأوعرها) فكان الذي (وفي رواية: الذين) في أسفلها
إذا استقوا من الماء فمروا على من فوقهم فتأذوا به (وفي رواية: فكان الذين
في أسفلها يصعدون فيستقون الماء فيصبون على الذين في أعلاه فقال الذين في
أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا)، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا
فاستقينا منه ولم نؤذ من فوقنا (وفي رواية: ولم نمر على أصحابنا فنؤذيهم)
فأخذ فأسا فجعل ينقر أسفل السفينة،
[ ١ / ١٤٩ ]
فأتوه فقالوا: مالك؟ قال: تأذيتم بي
ولابد لي من الماء. فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم
نجوا وأنجوا جميعا ".
رواه البخاري (٢ / ١١١، ١٦٤) والترمذي (٢ / ٢٦) والبيهقي (١٠ / ٢٨٨)
وأحمد (٤ / ٢٦٨، ٢٧٠، ٢٧٣) من طريق زكريا بن أبي زائدة والأعمش عن الشعبي
عن النعمان بن بشير عن النبي ﷺ قال: فذكره.
وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ".
وقد تابعهما مجالد بن سعيد عند أحمد (٤ / ٢٧٣) وهو ضعيف وفي سياقه زيادة
" مثل ثلاثة ركبوا في سفينة فصار لأحدهم أسفلها وأوعرها ".
وتابعهما غيره فقال ابن المبارك في " الزاهد " (ق ٢١٩ / ٢): أنا الأجلح عن
الشعبي به ولفظه:
" إن قوما ركبوا سفينة فاقتسموها، فأصاب كل رجل منهم مكانا، فأخذ رجل منهم
الفأس فنقر مكانه، قالوا: ما تصنع؟ فقال مكاني أصنع به ما شئت! فإن أخذوا
على يديه نجوا ونجا، وإن تركوه غرق وغرقوا، فخذوا على أيدي سفهائكم قبل
أن تهلكوا ".
وأخرجه ابن المبارك في " حديثه " أيضا (ج ٢ / ١٠٧ / ٢) ومن طريقه ابن أبي
الدنيا في " الأمر بالمعروف " (ق ٢٧ / ٢) .
لكن الأجلح هذا - وهو ابن عبد الله أبو حجية الكندي - فيه ضعف، لاسيما عن
الشعبي،
[ ١ / ١٥٠ ]