أخرجه البخاري (٣٦٢٤ و٦٢٨٦)، ومسلم (٧/١٤٢ـ١٤٤)؛ وأحمد (٦/٢٨٢)، وابن سعد (٢/٢٤٧- ٢٤٨ و٨/٢٦- ٢٧) . واستدركه الحاكم (٣/١٥٦) فوهم! والغريب أنه اقتصر على تصحيحه فقط؛ ولم يقل: "على شرط الشيخين "! وقد مضى بتمامه برقم (٢٩٤٨) .
وقد أجاب عن التعارض؛ ووفق بين الحديثين الإمام ابن خزيمة ﵀ فيما رواه عنه الحاكم عقب حديث الترجمة بقوله:
" معناه، أي: من أفضل بناتي.. وقد أمليت من هذا الجنس: أن العرب قد تقول: أفضل؛ تريد: من أفضل، وفي كتبي ما فيه الغنية والكفاية إن شاء الله ﷿ "
ثم ذكر الحاكم- من رأيه- وجهًا آخر في التوفيق، فليراجعه من شاء.
وبعد تخريجه بسنين، رأيت الحافظ في "مختصر الزوائد" (٢/٣٥٩) قد سبقني إلى تصحيحه. فالحمد الله على توفيقه، وأسأله المزيد من فضله. *
٣٠٧٢ - (يكونُ في آخرِ أمتي خليفةٌ يَحْثُو المالَ حَثْوًا؛ لا يَعُدُّهُ عَدًّا) .
أخرجه أحمد (٣/٣١٧): ثنا إسماعيل- هو ابن عُلَيَّة- عن الجُرَيري عن أبي
نضرة قال: كنا عند جابر بن عبد الله قال:
يوشك أهل العراق أن لا يُجبى إليهم قَفِيز ولا درهم.
قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قِبَل العجم يمنعون ذاك.
ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينارًا ولا مُدَّ
[ ٧ / ١٩٦ ]
قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قِبَل الروم يمنعون ذاك.
قال: ثم أمسك هُنَيَّةً، ثم قال: قال رسول الله - ﷺ - فذكره.
وأخرجه مسلم (٨/١٨٥)، وابن حبان (٦٦٤٧) من طرق عن إسماعيل ابن علية به
وأخرجه أبو عمرو الداني في "الفتن " (ق ١١٥/٢) دون حديث الترجمة.
وتابعه عبد الوهاب، بن عطاء: أنبأ سعيد بن إياس الجريري به.
أخرجه الحاكم (٤/ ٤٥٤) بزيادات في المتن وقال:
"صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه بهذه السياقة! إنما أخرج مسلم حديث داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن النبي - ﷺ -: " يكون في آخر الزمان خليفة يعطي المال ولا يعده عدًا ". وهذا له علة.. ".
ثم ساقه من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد- وهو الثقفي- (وفي الأصل: عبد الحميد، وهو تصحيف): ثنا داود بن أبي هند به؛ لكنه قال:
" عن جابر أو أبي سعيد.. " على الشك.
وأقول: لي على هذا الكلام ملاحظات:
الأولى: أنه أوهم أن مسلمًا لم يخرج حديث الجريري مطلقًا، وليس كذلك كما ترى.
الثانية: أن العلة التي أشار إليها ليست قادحة؛ لأن مسلمًا قد أخرج الحديث من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث: حدثنا أبي: حدثنا داود به؛ إلا أنه قال:
"عن أبي سعيد وجابر بن عبد الله قالا.. "، هكذا بدون شك.
[ ٧ / ١٩٧ ]
وكذلك أخرجه أحمد (٣/٣٣٣) .
وهذا أصح، لأن عبد الوارث والد عبد الصمد ثقة ثبت؛ بخلاف عبد الوهاب ابن عبد المجيد (وفي الأصل: عبد الحميد، وهو خطأ مطبعي)؛ ففيه ما يأتي.
الثالثة: أن عبد الوهاب هذا- وإن كان ثقة من رجال الشيخين؛ فإنه- مذكور فيمن كان اختلط، فلا يعل بروايته ما رواه الثقة الثبت عبد الوارث.
ثم إن الحديث قد أورده السيوطي في "الجامع الكبير" مفرقًا من حديث جابر دون جملة الشام، وعزا الجملة الأولى المتعلقة بالعراق لأحمد وأبي عوانة وابن عساكر، وعزا حديث الترجمة لأحمد ومسلم فقط، وفي ذكره للجملة الأولى فيه - مع كونها موقوفة- إشارة منه إلى أنها في حكم المرفوع، وذلك لأنها من الأمور الغيبية التي لا تقال بالرأي والاجتهاد.
وأيضًا، فإنه يشهد له حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ:
" منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مُدْيَها ودينارها، ومنعت مصر إِرْدَبًّها ودينارها.. " الحديث.
رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (٢٦٧٩)، وأخرجه البيهقي (١٩/١٣٧)، وابن عبد البر في "التمهيد" (٦/٤٥٧) .
(فائدة): قال النووي ﵀ في "شرح مسلم ":
"وفي معنى " منعت العراق " وغيرها قولان مشهوران:
أحدهما: لإسلامهم، فتسقط عنهم الجزية، وهذا قد وُجد.
والثاني: أن العجم والروم يستولون على البلاد في آخر الزمان؛ فيمنعون
[ ٧ / ١٩٨ ]
حصول ذلك للمسلمين. وقد روى مسلم عن جابر: " يوشك أن لا يجبى إليهم قفيز " فذكر الحديث، قال النووي:
" وهذا قد وجد في زماننا في العراق، وهو الآن موجود.
وقيل: لأنهم يرتدون في آخر الزمان؛ فيمنعون ما لزمهم من الزكاة وغيرها.
وقيل: معناه أن الكفار الذين عليهم الجزية تقوى شوكتهم في آخر الزمان؛ فيمتنعون مما كانوا يؤدونه من الجزية والخراج وغير ذلك ".
قلت: وهذا المعنى هو الظاهر المتبادر من لفظ "المنع "؛ بخلاف المعنى الأول، فهو عنه بعيد جدًا؛ لأن من أسلم وسقطت عنه الجزية لا يصح أن يقال فيه: امتنع من أداء ما عليه؛ كما هو ظاهر بين.
ولقد كان الداعي إلى تخريج هذا الحديث؛ وبيان أن الموقوف منه في حكم المرفوع؛ وبيان معناه؛ أن بعض الناس اليوم ظنوا أن لهذا الحديث علاقة بالفتنة العمياء التي حلت على المسلمين بسبب اجتياح الجيش العراقي لدولة الكويت، ما فرض على العراق من الحصار البري والبحري والجوي؛ لمنع وصول المؤن والأرزاق إليها من البلاد المسالمة لها!
فكثر السؤال عن هذا الحديث بهذه المناسبة، وهل له علاقة أو ارتباط بهذا الحصار للعراق؟
فأجبت بالنفي، وبينت لهم معناه بنحو ما تقدم نقله عن الإمام النووي - ﵀ -.
كتبت هذا نهار الأربعاء: ١ صفر سنة ١٤١١هـ. كفى الله المسلمين شر الفتن ماظهر منها وما بطن. *
[ ٧ / ١٩٩ ]