"إسناده صحيح؛ عبد الملك بن سعيد بن جبير ثقة؛ أخرج له.."
فتكلم حول هذا الثقة، وكان يكفي منه الاشارة إلى ذلك، وأعرض عن الكلام في الليث بن أبي سليم. ولله في خلقه شؤون.
والشطر الثاني من الحديث قد جاء عن جمع من الصحابة بألفاظ متقاربة في " الصحيحين " وغيرهما.
وأما قوله: "أنا فرطكم على الحوض "؛ فهو متواتر عن النبي - ﷺ -، وقد خرج الكثير الطيب منها الحافط ابن أبي عاصم في أول الجزء الثاني من "كتاب السنة"، فليراجعها من شاء.
(تنبيه): عرفت مما سبق اختلاف ألفاظ الحديث عند مخرجيه: أحمد والبزار والطبراني في "معجميه "، واختلاف أحد طريقي "المعجم الكبير" عن الطريق الأخرى عندهم. فمن سوء الكلام والتخريج لهذا الحديث: ما وقع فيه الشيخ الأعظمي في تعليقه على "كشف الأستار"؛ فإنه لم يبين الفرق بين رواياتهم والاختلاف الذي فيها طولًا وقصرًا، فأوهم أن اللفظ الذي عند أحمد هو لفظ البزار؛ كما أنه أوهم أنه ليس له طريق آخر غير طريق الليث، والواقع خلافه كما سبق بيانه. *
٣٠٨٨- (كان بعث الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط إلى بني المُصطَلِقِ ليأخذ منهم الصدقات، وأنه لما أتاهم الخبرُ فرحوا، وخرجوا ليتلقَّوا رسولَ رسولِ الله - ﷺ -، وأنَّه لَمَّا حُدِّثَ الوليدُ أنهم خرجوا يَتَلَقَّوْنَهُ رجع إلى رسول الله - ﷺ -؛ فقال:
يا رسول الله! إن بني المصطلق قد مَنَعُوا الصدقة.
[ ٧ / ٢٣٠ ]
فَغَضِبَ رسول الله - ﷺ - من ذلك غضبًا شديدًا، فبينما هو يُحَدِّثُ نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد، فقالوا:
يا رسول الله! إنا حُدِّثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق، وإنّا خشينا أن يكون إنما رّدَّهُ كتابٌ جاءه منك لغضبٍ غَضِبتَهُ علينا، وإنا نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله! وأن رسول الله اسْتَعْتَبَهُم (!) وهَمَّ بهم، فأنزل الله ﷿ عُذرَهُم في الكتاب: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) [الحجرات/٦]
أخرجه ابن جرير الطبري في "التفسير" (٢٥/٧٨)، والبيهقي في "سننه " (٩/٥٤- ٥٥) - والسياق له- من طريق عطية بن سعد عن ابن عباس ﵄ قال فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف عطية وبعض من دونه؛ لكن له شواهد تدل على صحته:
أولًا: ما رواه موسى بن عبيدة عن ثابت مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت:
"بعث رسول الله - ﷺ - رجلًا في صدقات بني المصطلق.. " الحديث نحوه.
أخرجه ابن جرير
وموسى بن عبيدة ضعيف.
ثانيًا: ما روى يعقوب بن حميد: ثنا عيسى بن الحضرمي بن كلثوم بن علقمة بن ناجية بن الحارث الخزاعي عن جده كلثوم عن أبيه علقمة قال:
[ ٧ / ٢٣١ ]
"بعث إلينا رسول الله - ﷺالوليد بن عقبة بن أبي معيط يُصَدِّقُ أموالنا.. " الحديث نحوه، وفيه:
"وذلك بعد وقعة (المريسيع)، وفيه:
"فقبل منهم الفرائض.. فرجعوا إلى أهليهم، وبعث إليهم من يقبض بقية صدقاتهم "
أخرجه ابن أبي عاصم في "الأفراد" (٤/٣٠٩- ٣١٠)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٨/٦- ٧) .
قلت: وهذا إسناد حسن؛ كما سيأتي بيانه في حديث آخر برقم (٣٢٣٢) . وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد" (٧/ ١١٠):
"رواه الطبراني بإسنادين؛ في أحدهما يعقوب بن حميد بن كاسب، وثقه ابن حبان، وضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات ".
قلت: الراجح في يعقوب هذا أنه حسن الحديث؛ كما بينت هناك، وأما الإسناد الآخر الذي أشار إليه الهيثمي؛ ففيه يعقوب بن محمد الزهري؛ فهو ضعيف. ثم إن متنه مختصر جدًا؛ مع زيادة فيه غريبة، ولفظه برقم (٥):
عن أبيه: أنه كان في وفد بني المصطلق إلى رسول الله - ﷺ - في أمر الوليد بن عقبة: أن رسول اللهﷺ - قال:
"انصرفوا غير محبوسين ولا محصورين ".
ثالثًا: قال عيسى بن دينار: ثنا أبي أنه سمع الحارث بن ضرار الخزاعي قال:
قدمت على رسول الله - ﷺ - فدعاني إلى الإسلام، فدخلت فيه وأقررت به،
[ ٧ / ٢٣٢ ]
فدعاني إلى الزكاة فأقررت بها، وقلت: يا رسول الله! أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة، فمن استجاب لي جمعت زكاته، فيرسل إلي رسول الله - ﷺ - رسولًا إبان كذا وكذا، ليأتيك ما جمعت من الزكاة.
فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له، وبلغ (الإبان) الذي أراد رسول الله - ﷺ - أن يبعث إليه، احتبس عليه الرسول فلم يأته؛ فظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من الله ﷿ ورسوله، فدعا بسرواتِ قومِهِ فقال لهم:
إن رسول الله - ﷺكان وَقَّتَ لي وَقْتًا يُرسلُ إليَّ رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله - ﷺ - الخُلْفُ؛ ولا أرى حبس رسوله إلا من سُخطةٍ كانت؛ فانطلقوا فنأتي رسول اللهﷺ -.
وبعث رسولﷺ - الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فَرِقَ، فرجع فأتى رسول اللهﷺ - وقال:
يا رسول الله! إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي! فضرب رسول الله - ﷺ - البعث إلى الحارث.
فأقبل الحارث بأصحابه.
حتى إذا استقبل البعث وفصل من المدينة؛ لقيهم الحارث، فقالوا: هذا الحارث! فلما غشيهم قال لهم: إلى من بُعِثتُم؟ قالوا: إليك! قال: ولم؟! قالوا: إن رسول الله - ﷺ - كان بعث إليك الوليد بن عقبة، فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله! قال: لا والذي بعث محمدًا بالحق! ما رأيتُهُ بَتَّةَّ ولا أتاني.
فلما دخل الحارث على رسول الله - ﷺ - قال:
[ ٧ / ٢٣٣ ]
"منعت الزكاة وأردت قتل رسولي؟! ".
قال: لا والذي بعثك بالحق! ما رأيته ولا أتاني، وما أقبلت إلا حين احتبس عليَّ رسولَ رسولِ الله - ﷺ -؛ خشيت أن تكون كانت سُخطة من الله ﷿ ورسوله، قال: فنزلت (الحجرات): (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) إلى هذا المكان: (فضلًا من الله ونعمة والله عليم حكيم)
أخرجه أحمد (٤/٢٧٩)، وابن أبي عاصم في "الأفراد" (٤/٣٢٢/٢٣٥٣)، والطبراني في "الكبير" (٣/٣١٠- ٣١١) من طريق محمد بن سابق: ثنا عيسى ابن دينار به.
قلت: وهذا إسناد صحيح؛ رجاله كلهم ثقات مترجمون في "التهذيب ". ولذلك قال الحافظ ابن كثير في "التفسير":
"إنه من أحسن طرق الحديث ". وقال السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٨٧):
"سنده جيد".
وسكت الحافظ عنه في ترجمة (الحارث) من "الإصابة".
وأما في ترجمة (الوليد بن عقبة)؛ فإنه- بعد أن أخرج القصة من وجوه مرسلة- قال:
"أخرجها الطبراني موصولة عن الحارث بن أبي ضرار المصطلقي مطولة، وفي السند من لا يعرف "!
كذا قال ﵀! فإنه مع تقصيره في اقتصاره على الطبراني دون أحمد
[ ٧ / ٢٣٤ ]