وغيره- ممن عزاه إليهم في الموضع الأول- فالطبراني قد رواه من ثلاثة طرق عن محمد بن سابق. فهل الجهالة التي أشار إليها هي في محمد بن سابق فمن فوقه - وهذا ما لا يتصور صدوره من الحافظ؛ بل ولا ممن دونه-، أم هي في الطرق الثلاث؟ وهذا كالذي قبله؛ فإنها لو كانت كلها مجهولة لم يجز إعلال الحديث بها لتضافرها، فكيف واثنان منها- على الأقل- صحيحان؟! فكيف وقد رواه أحمد عن محمد بن سابق مباشرة؟! لا شك أن ذلك صدر من الحافظ سهوًا وغفلة. وكلنا ذاك الرجل: (ربنا لاتؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) *
٣٠٨٩- (إذا بُويعَ لِخلِيفتينِ؛ فاقتُلُوا الآخِرَ مِنْهُما) .
جاء من حديث أبي سعيد، وأبي هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان، وأنس بن مالك، وعبد الله بن مسعود.
١- أما حديث أبي سعيد؛ فله عنه طريقان:
الأولى: عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ - فذكره
أخرجه مسلم (٦/٢٣)، وأبو عوانة (٤/ ٤٦٠)، والبيهقي في "السنن " (٨/١٤٤) .
والأخرى: عن بشر بن حرب أن ابن عمر أتى أبا سعيد الخدري فقال: يا أبا سعيد! ألم أخبر أنك بايعت أميرين من قبل أن يجتمع الناس على أمير واحد؟ قال: نعم بايعت ابن الزبير، فجاء أهل الشام فساقوني إلى حبيش بن دلجة (١) فبايعته. فقال ابن عمر: إياها كنت أخاف، إياها كنت أخاف! ومد بها (حماد) صوته.
_________________
(١) انظر" تاريخ دمشق" (١٢/٨٦) لابن عساكر. (الناشر)
[ ٧ / ٢٣٥ ]
قال أبو سعيد: يا أبا عبد الرحمن! أولم تسمع أن النبي - ﷺ - قال:
"من استطاع أن لا ينام نومًا، ولا يصبح صباحًا، ولا يمسي مساءً؛ إلا وعليه أمير "؟! قال: نعم، ولكني أكره أن يبايع أميرين من قبل أن يجتمع الناس على أمير واحد.
أخرجه أحمد (٣/٢٩- ٣٠) .
قلت: وبشر بن حرب هذا ضعفه الأكثر، وقال الذهبي في "الكاشف ": "ضعيف ". وقال الحافظ:
"صدوق فيه لين ".
٢- وأما حديث أبي هريرة؛ فيرويه أبو هلال عن قتادة عن سعيد عنه مثل حديث الترجمة.
أخرجه البزار في "مسنده " (٢/٢٣٥/١٥٩٥)، والطبراني في "المعجم الأوسط " (٤/٣٢٠/ ٢٥٣٤- مجمع البحرين)، وابن عدي في "الكامل " (٦/٢١٣) .
وأبو هلال هو محمد بن سليم الراسبي، صدوق فيه لين؛ لكنه قد خولف في إسناده. فأخرجه ابن عدي من طريق أبي الوليد عن همام عن قتادة عن سعيد بن المسيب به مرسلًا. وذكر ابن عدي عن أبي موسى محمد بن المثنى- الراوي له عن أبي الوليد- أنه قال:
"قلت لأبي الوليد: فإن أبا هلال حدث عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -! قال لي أبو الوليد: يا أبا موسى! إن أبا هلال لا يحتمل هذا".
[ ٧ / ٢٣٦ ]
قلت: يشير إلى ضعف أبي هلال وأنه ليس من القوة بحيث يحتمل منه إسناده إياه عن أبي هريرة. ولكنه على كل شاهد مرسل قوي. وأما الهيثمي فقال (٥/١٩٨):
"رواه البزار، وفيه أبو هلال، وهو ثقة، والطبراني في (الأوسط) "!
٣- وأما حديث معاوية؛ فيرويه الهيثم بن مروان: ثنا زيد بن يحيى بن عبيد: ثنا سعيد بن بشير عن أبي بشر جعفر بن إياس عن سعيد بن جبير أن عبد الله بن الزبير قال لمعاوية في الكلام الذي جرى بينهما في بيعة يزيد بن معاوية:
وأنت يا معاوية! حدثتني أن رسول الله - ﷺ - قال:
"إذا كان في الأرض خليفتان؛ فاقتلوا آخرهما".
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٩/٣١٤/٧١٠)، وفي "الأوسط " (٤/ ٣٢٠/٢٥٣٥- مجمع البحرين)، وقال:
"لم يروه عن ابن الزبير إلا سعيد، ولا عنه إلا أبو بشر، ولا عنه إلا سعيد بن بشير، تفرد به [زيد بن] يحيى".
قلت: وهو ثقة؛ وكذلك سائر الرجال؛ غير سعيد بن بشير؛ ففيه ضعف لا يمنع من الاستشهاد به؛ وأما الهيثمي؛ فتساهل فيه فقال:
"رواه الطبراني في " الكبير" و" الأوسط "، ورجاله ثقات "!
٤- وأما حديث أنس؛ فيرويه عمار بن هارون: حدثنا فضالة بن دينار الشحام: حدثنا ثابت عن أنس.
أخرجه العقيلي في "الضعفاء" (٣/٤٥٧)، والخطيب في "التاريخ " (١/٢٣٩)، وقال العقيلي:
[ ٧ / ٢٣٧ ]
"فضالة بن دينار منكر الحديث، والرواية في هذا الباب غير ثابتة" (١) .
كذا قال، وأقره الذهبي في "الميزان "، وتعقبه الحافظ في "اللسان " فقال:
"وهذا هو العجب العجاب! كيف يقول المؤلف هذا ويقر عليه؛ والحديث في "صحيح مسلم "، وإن كان من غير هذا الوجه؟! وقد راجعت كلام العقيلي فلم أر هذا الكلام فيه ".
فأقول: إن كان يعني بالنص فمسلم. وإن كان يعني مطلقًا ولو بالمعنى؛ فهو مردود بما نقلته عن العقيلي آنفًا. ويأتي عنه نحوه في الحديث التالي.
٥- وأما حديث ابن مسعود؛ فعلقه العقيلي في ترجمة (الحكم بن ظهير) (١/٢٥٩) عن عاصم عن زر عنه به. وقال:
"الحكم بن ظهير؛ قال البخاري: منكر الحديث ".
ثم قال العقيلي:
"ولا يصح في هذا المتن عن النبي - ﷺ - شيء من وجه ثابت"
قلت: وهذا نص آخر يؤيد ثبوت كلام العقيلي السابق والذي استنكره الحافظ ونفاه عن العقيلي، أما الاستنكار فلا شك فيه، وأما النفي فهو مردود بهذين النصين. ولعل مستند العقيلي في ذلك قول أحمد: "إن هذا الحديث من غرائب الجريري"؛ كما نقله الذهبي في ترجمة (الجريري) من "السير" (٦/١٥٥) .
ولكن من المعلوم أن الغرابة قد تجامع الصحة، فإذا كان الراوي ثقة فلا يضر
_________________
(١) وفي "الميزان " نقلًا عن العقيلي: "ولم يصح في هذا حديث ". فالظاهر أنه نقله بالمعنى، أو هو من إختلاف النساخ.
[ ٧ / ٢٣٨ ]