أبو عوانة (٤/٤٠٨) من طرق أخرى عن أبي أسامة به.
وأخرجه هو والشيخان وغيرهما من طريق حميد بن هلال عن أبي بردة به مختصرًا، وفيه قصة. وكذلك رواه أحمد (٤/٤٠٩) .
ثم رواه هو (٤/٤١٧)، وأبو عوانة من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه به، وزاد:
"قال أبو موسى: فاعتذرت مما قالوا، وأني لم أعلم حاجتهم ".
وقد روي بإسناد آخر عن أبي بردة به بلفظ آخر، وفي إسناده مجهولان واختلاف، ولذلك خرجته في "الضعيفة " (٦٠٩٠) . *
٣٠٩٣- (ما من أحد يسمع بي من هذه الأمة، ولا يهودي، ولا نصراني، فلا يؤمن بي، إلا دخل النار) .
هو من حديث سعيد بن جبير رحمه الله تعالى؛ وقد اختلف عليه في إسناده على وجوه ثلاثة:
الأول ك عنه مرسلًا؛ قال: قال رسول الله - ﷺ - فذكره؛ وزاد: فجعلت أقول: أين مصداقها في كتاب الله؟ ! قال: وقلما سمعت حديثًا عن النبي - ﷺ - إلا وجدت له تصديقًا في القرآن؛ حتى وجدت هذه الآية: (ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده): الملل كلها
أخرجه الطبري في" تفسيره" (١٢/١٣): حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور عن معمر قال: ثني أيوب عنه.
وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات.
[ ٧ / ٢٤٥ ]
وتابعه ابن علية عند الطبري، وعبد الوهاب الثقفي عند ابن أبي حاتم في "تفسيره " (ق ١٥٧/١) .
الثاني: عنه عن ابن عباس قال: قال رسول اللهﷺ - فذكره بتمامه.
أخرجه الحاكم (٢/٣٤٢) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أبي عمرو البصري عنه. وقال:
"صحيح على شرط الشيخين "! ووافقه الذهبي!
قلت: وهذا من أوهامهما، فإن أبا عمرو هذا ليس من رجال الشيخين، ولا روى له أحد من بقية الستة. وترجم له البخاري وابن أبي حاتم، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقد ذكره ابن حبان في "الثقات " (٥/١٥٦)، وقد روى عنه ثقتان آخران: أمية بن شبل، وعبد العزيز بن أبي رواد.
الثالث: عنه عن أبي موسى مرفوعًا.
أخرجه الطيالسي في "مسنده " (٥٠٩): حدثنا شعبة عن أبي بشر عنه.
ومن طريق الطيالسي أخرجه البزار (١/١٦/١٦- الكشف) .
وتابعه محمد بن جعفر وعفان عند أحمد (٤/٣٩٦ و٣٩٨)، والروياني في "مسنده " (١/١٠٩/ ١)، وابن المبارك عند الطبري.
وتابعهم أبو الوليد: حدثنا شعبة به.
أخرجه ابن حبان في "صحيحه " (٤٨٦٠- الإحسان)؛ لكن سقطت منه بعض الألفاظ ولم يبق منه إلا ما أفسد المعنى:
"من سمع يهوديًا أو نصرانيًا دخل النار"!
[ ٧ / ٢٤٦ ]
ويبدو أن الرواية هكذا وقعت له، ولذلك ترجم لها بقوله: "ذكر إيجاب النار لمن أسمع أهل الكتاب ما يكرهونه "! وقال البزار عقب الحديث:
" لا نعلم أحدًا رواه عن النبي - ﷺ - إلا أبو موسى بهذا الإسناد، ولا أحسب سمع سعيد من أبي موسى".
قلت: وذلك لأن أبا موسى توفي سنة (٥٣) على أكثر ما قيل، وسعيد بن جبير ولد سنة (٤٦)؛ فلم يدرك من حياة أبي موسى إلا ست سنين على أكثر تقدير. وهذا مما فات العلائي؛ فلم يذكره في "جامع التحصيل "! فليستدرك.
والحديث أخرجه النسائي في "التفسير" من "السنن الكبرى" (٦/٣٦٣- ٣٦٤) من طريق خالد عن شعبة به.
وأورده الهيثمي في "المجمع " (٨/٢٦١- ٢٦٢) بتمامه؛ لكنه لم يذكر:
" الملل كلها ". وقال:
"رواه الطبراني- واللفظ له-، وأحمد نحوه، ورجال أحمد رجال "الصحيح "، والبزار أيضًا باختصار".
قلت: لكن أحمد ليس عنده إلا المرفوع منه فقط.
ونستخلص من هذا التخريج والتحقيق: أن الأصح من هذه الوجوه الثلاثة: الأول؛ لاتفاق أيوب والثقفي عليه، ولا يقاومهما اتفاق شعبة وأبي عمرو البصري على وصله؛ لاختلافهما، فجعله الأول من مسند أبي موسى والآخر من مسند ابن عباس. أما شعبة؛ فلأنه مع وصله إياه؛ فإنه منقطع بين سعيد وأبي موسى كما تقدم. وأما أبو عمرو؛ فقد عرفت من ترجمته أنه ليس بالمشهور؛ فلا يحتج بما خالف فيه الثقات.
[ ٧ / ٢٤٧ ]
على أنه من الممكن أن يقال: يحتمل أن يكون بين سعيد وأبي موسى: أبو بردة بن أبي موسى؛ فإن سعيدًا كان كتب لأبي بردة حين كان هذا على قضاء الكوفة. والله أعلم.
لكن الحديث على كل حال صحيح؛ فإن له شاهدًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا نحوه، وقد مضى لفظه وتخريجه من رواية مسلم وغيره من طريقين عنه برقم (١٥٧) .
وأزيد هنا فأقول: قد أخرجه أبو عوانة أيضًا (١/١٠٤) من الطريقين، وكذا أحمد (٢/٣١٧ و٣٥٠)، والبغوي في "شرح السنن " (١/١٠٥) من أحدهما.
(تنبيه): وقعت أوهام عجيبة حول هذا الحديث يحسن ذكرها:
١- عزاه الحافظ ابن كثير لـ "صحيح مسلم "، عن أبي موسى الأشعري! وقلده الحلبيان في "مختصريهما"، وزاد الصابوني على بَلَدِيَّهِ، فقال في الحاشية: "أخرجه مسلم عن أبي موسى الأشعري "! فأوهم القراء- كما هي عادته- أن التخريج من علمه! تشبعًا منه بما لم يعط أولًا. ثم وقع في الخطأ بجهله تقليدًا لغيره ثانيًا. ثم زاد ضغثًا على إبالة، فجعل التخريج منه مكان قول ابن كثير: "وفي صحيح مسلم.. "؛ مع أنه- أعني الصابوني- كان اختصر هذا القول في المتن بقوله: "في الصحيح "، فهذا هو اللائق بالمختصر، وأما الحاشية؛ فهي بلا شك من التشبع، وهذا لو كان صوابًا. فاللهم هداك!
ولو أنه كان من أهل العلم بالتخريج؛ لكانت حاشيته تنبيهًا على هذا الخطأ، وبيانًا؛ لكون الصواب أن مسلمًا إنما رواه من حديث أبي هريرة كما تقدم.
٢- وعلى العكس من ذلك؛ فقد أورد الهيثمي حديث أبي هريرة في "مجمع
[ ٧ / ٢٤٨ ]
الزوائد" (٨/٢٦٢) برواية أحمد، وليس ذلك من شرط كتابه؛ لأنه في "صحيح مسلم "! وادعى أن لفظه غير لفظ أحمد.
٣- وعلى النقيض من ذلك؛ اقتصر السيوطي في " الدر المنثور" (٣/٣٢٥) في عزو حديث أبي هريرة على ابن مردويه فقط! مع أنه عزاه في "الجامعين " لأحمد ومسلم!
٤- قول المعلق على حديث أبي موسى في "الإحسان " (١١/٢٣٨- طبع المؤسسة):
"إسناده صحيح على شرط الشيخين وهذا الحديث لم أجده عند غير المؤلف "!
فغفل عن الانقطاع الذي بين سعيد بن جبير وأبي موسى، وعن السقط الذي وقع في رواية المؤلف، فأضله عن معرفة الصواب في متن الحديث الذي تقدم بيانه، وحمله على تفسير الحديث المبتور بتفسير باطل؛ فقال:
"وقوله: "من سمع " يقال: سمعت بالرجل تسميعًا وتسمعة: إذا شهرته ونددت به ".
فهذا التفسير باطل رواية ولغة وشرعًا.
١- أما الرواية؛ فظاهر من النظر في نص الحديث المذكور أعلاه، ولفظه عند أحمد وغيره من طريق شعبة التي عند ابن حبان:
"من سمع بي من أمتي، أو يهودي، أو نصراني، ثم لم يؤمن بي؛ دخل النار".
٢- وأما اللغة؛ فلا يتفق المعنى الذي ذكره من لفظ الحديث المبتور؛ إلا لو كان بلفظ: "من سمع بيهودي أونصراني "، وإنما هو بلفظ: "من سمع يهوديًا.. "،
[ ٧ / ٢٤٩ ]
فهذا من (الإسماع)؛ وما ذكره من (التسميع)، وشتان ما بينهما!
٣- ثم إن معنى (التنديد) المذكور في تفسيره إنما هو كناية عن فضح اليهودي أو النصراني وإذاعة عيوبه؛ فهل هذا موجب لدخول النار المذكور في الحديث؟ ! فاللهم هداك!
لقد كان يكفي ذاك المعلق بأن يتأمل فيما ترجم به المؤلف ابن حبان للحديث؛ ليتبين خطأ تفسيره إياه أولًا؛ وخطأ الترجمة المبنية على الحديث المختصر اختصارًا مخلًا ثانيًا؛ فإنه قال كما تقدم:
".. لمن أسمع أهل الكتاب ما يكرهونه "!
فما قال: " سمع بأهل الكتاب "!
وبهذه المناسبة أقول: لقد أفادني أحد الإخوان- جزاه الله خيرًا- أن الحافظ السخاوي قد سبقني إلى التنبيه على الخطأ الذي وقع فيه ابن حبان؛ وذلك في كتابه "فتح المغيث " (٢/٢٢١) - تحت فصل الاقتصار في الرواية على بعض الحديث -؛ فقال:
"هذا الإمام أبو حاتم بن حبان- وناهيك به- قد ترجم في "صحيحه ": (إيجاب دخول النار لمن أسمع أهل الكتاب مايكرهونه)، وساق فيه حديث أبي موسى الأشعري بلفظ: "من سمع يهوديًا أونصرانيًا دخل النار". وتبعه غيره فاستدل به على تحريم غيبة الذمي! وكل هذا خطأ، فلفظ الحديث: (من سمع بي من أمتي، أو يهودي أو نصراني فلم يؤمن بي؛ دخل النار) ".
فإن قيل: هذا الاختصار المخل؛ هل هو من ابن حبان، أم من أحد رواته؟
[ ٧ / ٢٥٠ ]