٣٠٩٧- (إنْ بُيِّتُّمْ فَلْيَكُنْ شِعارُكُم: (حم) لا يُنْصَرُونَ) .
هو من حديث البراء بن عازب ﵁، يرويه أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، وقد اختلف عليه في إسناده على وجوه:
الأول: سفيان عنه عن المهلب بن أبي صفرة: أخبرني من سمع النبيﷺ - يقول فذكره.
أخرجه أبو داود (٢٥٩٧)، والترمذي (١٦٨٢)، وابن الجارود في " المنتقى " (٣٥٥/١٠٦٣)، والحاكم (٢/١٠٧) وقال:
"وهكذا رواه زهير بن محمد عن أبي إسحاق، حدثناه.. "
ثم ساق إسناده من طريق أحمد بن يونس: ثنا زهير به. وقال:
"صحيح الإسناد على شرط الشيخين؛ إلا أن فيه إرسالًا، فإذا الرجل الذي لم يسمه المهلب بن أبي صفرة: البراء بن عازب ".
ثم ساقه من طريق شريك الآتية، والإرسال الذي يشير إليه إنما هو بالنسبة لرواية زهير عنده؛ فإنها بلفظ: "عن الملهب.. قال: سمعت من يحدث عن النبي - ﷺ - " بخلاف رواية سفيان المتقدمة؛ فإنها صريحة في الاتصال؛ لقول المهلب: " أخبرني من سمع النبيﷺ - ".
لكن قد خولف أحمد بن يونس في إسناده، فأخرجه ابن سعد في "الطبقات " (٢/٧٢) قال: أخبرنا الحسن بن موسى: أخبرنا زهير به؛ إلا أنه لم يذكر: " قال: سمعت من يحدث ". فهو مرسل.
وقد توبع الحسن؛ فقال النسائي في "عمل اليوم والليلة" (٣٩٩/٦١٨): أخبرني هلال بن العلاء قال: حدثنا حسين قال: حدثنا زهير به.
[ ٧ / ٢٥٩ ]
قلت: وحسين هو ابن عياش، وهو ثقة، ومثله الحسن بن موسى - وهو الأشيب-، فروايتهما مقدمة على رواية أحمد بن يونس؛ وإن كانت رواية هذا أرجح بالنظر لرواية سفيان المتقدمة وما يأتي.
فقال عبد الرزاق في "المصنف " (٥/٢٣٣/٩٤٦٧): عن معمر والثوري عن أبي إسحاق قال: سمعت المهلب بن أبي صفرة يقول: أخبرني من سمع النبي - ﷺ - يقول فذكره
وتابعهما شريك عن أبي إسحاق عن المهلب بن أبي صفرة قال: حدثني رجل من أصحاب النبيﷺ - قال: قال النبي - ﷺ - ليلة الخندق:
"إني لا أرى القوم إلا مُبَيِّتِيكم [الليلة]؛ فإن شعاركم: (حم) لا ينصرون "
أخرجه ابن سعد، والنسائي، وأحمد (٥/٣٧٧)، والحاكم أيضًا؛ إلا أنه قال: عن أبي إسحاق قال: سمعت المهلب بن أبى صفرة يذكر عن البراء بن عازب أن رسول الله - ﷺ - قال:
"إنكم تلقون عدوكم غدًا؛ فليكن شعاركم: (حم) لا ينصرون ".
وقال الحاكم:
"وقد قيل: عن أبي إسحاق عن البراء".
قلت: وهذا من الخلاف المشار إليه في مطلع هذا البحث، وهو:
الوجه الثاني: شيبان عن أبي إسحاق عن البراء أن رسول اللهﷺ - قال:
"إنكم تلقون عدوكم غدًا.. " الحديث، وزاد: " دعوة نبيكم ".
أخرجه النسائي (٦١٥): أخبرنا هشام بن عمار عن الوليد عن شيبان..
[ ٧ / ٢٦٠ ]
قلت: وشيبان هو ابن عبد الرحمن التميمي مولاهم النحوي، وهو ثقة من رجال الشيخين.
والوليد هو ابن مسلم الدمشقي، وهو ثقة أيضًا؛ لكنه كان يدلس تدليس التسوية، فيمكن أن يكون هو الذي أسقط المهلب بين أبي إسحاق والبراء؛ إن لم يكن ذلك من أبي إسحاق نفسه؛ فإنه كان مدلسًا، ولعله يؤيد ذلك أنه تابع شيبان الأجلح؛ فقال: عن أبي إسحاق عن البراء.
أخرجه النسائي (٦١٦)، والحاكم، وابن أبي شيبة في "المصنف " (١٢/٥٠٤)، وأحمد (٤/٢٨٩)، وابن عدي في "الكامل " (١/٤١٧- ٤١٨) من طرق عن الأجلح به مثل رواية شيبان دون الزيادة.
وسقط من مطبوعة ابن عدي لفظ: "إنكم "، ووقع فيها أخطاء أخرى نبهت عليها في "فهرس الكامل " الذي أنا في صدد وضعه، يسر الله لي إتمامه، وفي هذه الأثناء من العمل فيه قد اكتشفت مئات الأخطاء العلمية والمطبعية؛ التي تدل دلالة قاطعة على أن القائمين على تصحيح الكتاب ليسوا من العلماء ولا من طلاب العلم الأقوياء! وقد أعادوا طبع الكتاب طبعة ثالثة؛ وزعموا أنهم صححوا فيها الأخطاء التي كانت في الطبعة الأولى! وهذا الحديث من الأدلة الكثيرة على بطلان زعمهم؛ فإنه في الطبعة الأولى هكذا:
[تلقوا العدو إن شاء الله غدوة..] !
وهكذا وقع في الطبعة الثالثة أيضًا (١/٤٢٧)؛ مع خطأ جديد وهو:
[تلقوا ص العدو إن شاء الله غدوة..] !!.
هذا؛ والأجلح هو ابن عبد الله أبو حجية الكندي؛ فيه كلام من قبل حفظه،
[ ٧ / ٢٦١ ]
وقد حكى ابن عدي بعض ما قيل فيه من التضعيف والتوثيق، ثم ساق له أحاديث هذا أحدها، ثم قال:
" له أحاديث صالحة غير ما ذكرت، ولم أجد له شيئًا منكرًا مجاوزًا الحد؛ لا إسنادًا ولا متنًا " إلا أنه يعد في شيعة الكوفة، وهو عندي مستقيم الحديث صدوق ".
الوجه الثالث: قال زهير: حدثنا أبو إسحاق عن المهلب بن أبي صفرة قال - وهو يخاف أن تبيته الحرورية -: إن رسول الله - ﷺ - حفر الخندق، وهو يخاف أن يبيته أبو سفيان:
"إن بيتم.. " الحديث.
أخرجه النسائي- كما تقدم- مع ذكر مخالف له في الوجه الأول، وترجيح رواية النسائي هذه عن زهير.
ويبدو لي- والله أعلم- أن هذا الاختلاف في إسناده إنما هو من أبي إسحاق نفسه؛ فإنه كان مختلطًا يدلس، فكان تارة يسنده بذكر الصحابي فيه ولا يسميه؛ وتارة يسميه، وتارة يرسله، وتارة يذكر المهلب بن أبي صفرة بينه وبين الصحابي، وتارة يدلسه.
وان مما لا شك فيه عندي؛ أن الوجه الأول هو الصواب؛ لأنه من رواية سفيان - وهو الثوري-، وهو أحفظ المختلفين على أبي إسحاق من جهة؛ ثم إنه روى عنه قبل اختلاطه من جهة ثانية، وصرح بسماعه من المهلب في رواية عبد الرزاق والحاكم أيضًا، فأمنا بذلك شر تدليسه واختلاطه، وتابعه معمر على ذلك من جهة ثالثة. ولعله لذلك جزم الحافظ ابن كثير بقوله في "التفسير" (٤/٦٩) عقب رواية الثوري:
"وهذا إسناد صحيح ".
[ ٧ / ٢٦٢ ]