وأما محمد - وهو ابن القاسم كما في حديث آخر قبله عند ابن عدي -؛ فلم أعرفه.
وللحديث طريق أخرى بلفظ آخر عن سالم به، وقد مضى برقم (٦٧٤)، وقد أخرجه البزار أيضًا، وأشار إليه الهيثمي عقب هذا المتن، وقال (٨/١٤٨):
"رواه البزار بإسنادين رجالهما ثقات ". *
٣١٠٠- (مَن قال عليّ ما لم أَقُلْ؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مقعده من النار) .
ورد من حديث جمع من الصحابة ﵃ بهذا اللفظ، وأنا سائق ما تيسر لي الوقوف عليه من الطرق عنهم مما يحتج أو يستشهد به.
الأول: عثمان ﵁؛ يرويه عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت عثمان بن عفان ﵁ يقول:
ما يمنعني أن أحدث عن رسول اللهﷺ - أن لا أكون أوعى أصحابه عنه، ولكني أشهد لسمعته يقول فذكره.
أخرجه البخاري في " التاريخ " (٣/٢/٢٠٩)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (١/١٦٦)، وأحمد (١/٦٥)، والبزار (١/١١٣/٢٠٥) .
قلت: وهذا إسناد حسن للخلاف المعروف في عبد الرحمن بن أبي الزناد، وصححه الشيخ أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على "المسند" (١/٣٦٣) .
الثاني: أبو هريرة ﵁؛ وله عنه طرق:
الأولى: عن محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو سلمة عن أبى هريرة عن رسول اللهﷺ - قال فذكره.
أخرجه ابن ماجه (٣٤)، وابن حبان (رقم ٢٨- الإحسان) .
[ ٧ / ٢٦٧ ]
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات، على الخلاف المعروف في محمد بن عمرو، وقد خولف في إسناده، فقال حصن: حدثني أبو سلمة:
حدثتني عائشة أن رسول الله - ﷺ - قال فذكره.
أخرجه الطحاوي في "المشكل " (١/١٦٨)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق " (٥/١٤٥) من طريق بشر بن بكر: حدثنا الأوزاعي: حدثنا حصن به.
قلت: ورجاله ثقات؛ غير حصن هذا؛ قال ابن القطان:
"لا يعرف حاله ".
قلت: فلا يعتد بمخالفته.
الثانية: عن بكر بن عمرو عن أبي عثمان مسلم بن يسار عن أبي هريرة به
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف " (٨/٧٦٢)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٢٥٩)، والطحاوي (١/١٧١)، والحاكم (١/١٠٢)، ومن طريقه البيهقي (١٠/١١٢)، وأحمد (٢/٣٢١) من طريق سعيد بن أبي أيوب عنه به. كلهم أخرجوه من طريق عبد الله بن يزيد أبي عبد الرحمن، وزاد أحمد: "من كتابه ".
وزاد زيادة أخرى؛ وهي أنه أدخل بين بكر بن عمرو وأبي عثمان: عمرو بن أبي نعيمة، وهي رواية الحاكم؛ لكن من رواية ابن وهب عن سعيد بن أبي أيوب، وقال الحاكم عقبها:
" تابعه يحيى بن أيوب عن بكر بن عمرو ".
ثم وصله هو والبيهقي والطحاوي من طريقين عن يحيى عن بكر عن عمرو ابن أبي نعيمة به.
وتابعه رشدين: حدثني بكر بن عمرو به
[ ٧ / ٢٦٨ ]
أخرجه أحمد (٢/٣٦٥) .
وبهاتين المتابعتين تترجح رواية أحمد من كتاب عبد الله بن يزيد التي فيها زيادة عمرو بن أبي نعيمة في الإسناد، وبذلك ينكشف لي أن الإسناد ضعيف؛ خلافًا لما كنت ذهبت إليه قديمًا في بعض التعليقات، وذلك لأن عمرو بن أبي نعيمة قال الدارقطني فيه:
" مصري مجهول، يترك ".
وأما ابن حبان، فذكره في "الثقات " (٧/٢٢٩) على القاعدة!
وإذا علمت ذلك؛ ففي حديث ابن أبي نعيمة هذا زيادة عند البخاري وغيره:
" ومن استشاره أخوه المسلم؛ فأشار عليه بغير رشد؛ فقد خانه؛ ومن أفتى فتيا بغير تثبت؛ فإثمه على من أفتاه ".
وهذه الزيادة عند أبي داود (٣٦٥٧)؛ وللدارمي الجملة الثانية منها (١/٥٧٠)؛ ولم يذكر في إسناده ابن أبي نعيمة؛ وهو إحدى روايتي أبي داود. وقد قال الذهبي في ترجمته من " الكاشف":
" لا يصح خبره "
يشير إلى هذا الحديث بهذه الزيادة، وإلا؛ فالجملة الأولى منه صحيحة؛ لما لها من الشواهد والطرق كما تقدم ويأتي.
على أن هذه الجملة قد صحت من طريق أخرى عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ:
" من كذب علي متعمدًا؛ فليتبوأ.. ".
[ ٧ / ٢٦٩ ]
أخرجه البخاري (رقم ١١٠)، ومسلم (١/٧- ٨) وغيرهما.
ولحديثه طريق أخرى بلفظ الترجمة في مقدمة "موضوعات ابن الجوزي " (١/٦٢) فيها عمر بن صالح برواية خالد بن مخلد عنه.
وعمر هذا أورده ابن أبي حاتم (٣/١/١١٦) بهذه الرواية وقال:
"سألت أبي عنه؟ فقال: ليس بقوي ".
وأما ابن حبان؛ فذكره في "الثقات " (٨/٤٤٣)، وانظر تعليقي عليه في "التيسير".
الثالث: عبد الله بن عمرو؛ رواه يزيد بن أبي حبيب عن عمرو بن الوليد عنه قال: سمعت رسول اللهﷺ - يقول فذكره.
أخرجه أحمد (٢/١٥٨ و١٧١) .
قلت: وهذا إسناد حسن.
الرابع: عن عقبة بن عامر؛ يرويه أبو عشانة: أنه سمع عقبة بن عامر يقول فذكره مرفوعا ً.
أخرجه أحمد (٤/١٥٩ و٢٠١)، والطبراني في "الكبير" (١٧/ ٣٠١ و٣٠٥/ ٨٣٢ و٨٤٣) من طريقين عنه.
قلت: وإسناده صحيح، وأبو عُشّانة اسمه حي بن يؤمن، وهو ثقة، وقال الهيثمي (١/ ١٤٤): " رواه أحمد، والبزار، والطبراني في " الكبير"، ورجاله ثقات ".
الخامس: الزبير بن العوام؛ يرويه عتيق بن يعقوب: حدثنا أبي: حدثني الزبير بن خبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير عن هشام بن عروة عن أبيه قال:
[ ٧ / ٢٧٠ ]
قال ابن الزبير لأبيه: يا أبت! حدثني عن رسول الله - ﷺ - حتى أحدث عنك؛ فإن كل أبناء الصحابة يحدث عن أبيه، قال:
يا بني! ما من أحد صحب النبي - ﷺ - بصحبة إلا وقد صحبته بمثلها أو أفضل، ولقد علمت يا بني! أن أمك أسماء بنت أبي بكر كانت تحتي، ولقد علمت أن عائشة بنت أبي بكر خالتك، ولقد علمت أن أمي صفية بنت عبد المطلب، وأن أخوالي حمزة وأبو طالب والعباس، وأن رسول الله - ﷺ - ابن خالي، ولقد علمت أن عمتي خديجة بنت خويلد كانت تحته، وأن ابنتها فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - ولقد علمت أن أمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، وأن أم صفية وحمزة: هالة بنت وهب، ولقد صحبته بأحسن صُحْبَةٍ والحمد الله، ولقد سمعته يقول فذكر الحديث.
أخرجه ابن حبان (٦٩٨٢- المؤسسة)، والحاكم (٣/٣٦١)، وسكت عنه هو والذهبي، وأقول:
إسناده ضعيف؛ لجهالة - أو ضعف - الزبير بن خبيب - بالخاء المعجمة كما في "الإكمال "، ووقع في "الكامل " و"الميزان " و"اللسان " وغيرها بالحاء المهملة! - لم يرو عنه غير اثنين، وقال الذهبي:
"فيه لين ". وانظر "الضعيفة" رقم (٦١٠٠) فقد رجحت فيه أنه صدوق.
ويعقوب - هو ابن صديق بن موسى الزبيري المدني - والد عتيق، ولم أجد له ترجمة، وأما ابنه عتيق فهو ثقة، وثقه الدارقطني، وروى عنه أبو زرعة، وذكره ابن حبان في "الثقات " (٨/٥٢٧)، وترجم قبله لآخر (٨/٢٢٥)، وسمى أباه "محمدًا"، فظن الحافظ في " اللسان " أن ابن حبان لم يعرف نسبه، وهو وهم من
[ ٧ / ٢٧١ ]
الحافظ؛ خفي عليه الترجمة الأولى التي ساق فيها نسبه، ولكنه جعلهما اثنين وهما واحد؛ كما حققته في " التيسير".
والحديث في "صحيح البخاري " (رقم ١٠٧) من طريق عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: قلت للزبير: إني لا أسمعك تحدث عن رسول اللهﷺ - كما يحدث فلان وفلان؟ قال: أما إني لم أفارقه، ولكن سمعته يقول فذكره بلفظ:
"من كذب علي؛ فليتبوأ.. " الحديث، وهو بهذا اللفظ متواتر كما في " الجامع الصغير" وغيره، وزاد فيه أحمد، وأبو يعلى (رقم ٦٦٧):
" متعمدًا "
وهي زيادة محفوظة فيه؛ وإن كان الرواة اختلفوا فيه على شعبة؛ كما أفاده الحافظ (١/٢٠٠- ٢٠١)، وأيده الشيخ أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على "المسند" (٣/٧- ٨)، ولا ينافي الاختلاف المذكور أن الزيادة صحت في الحديث عن غير شعبة؛ كما توهم المعلق على "مسند أبي يعلى" (٢/٣١)، فأخرجها أبو داود في "سننه " (٣٦٥١) من طريق أخرى عن عامر بن عبد الله به؛ كما سنحققه إن شاء الله تعالى في "صحيح أبي داود".
وقد ثبتت في رواية جمع آخر من الصحابة ﵃؛ منهم أبو هريرة في رواية الشيخين كما تقدم؛ ومنهم ابن عمرو، وأبو سعيد، وغيرهم، وقد خرجت بعضها في "الروض النضير" (٥٨٢)، ولذلك فإنكار بعض الكتاب لهذه الزيادة- كصاحب "أضواء على السنة المحمدية"- جهل وضلال؛ كما كنت ذكرت ذلك في مقدمة "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (١/٤٩- طبعة مكتبة المعارف)، و(١٠١١) أيضًا، وبينت أن من ضلالهم أن الزيادة لو فرض عدم ثبوتها في الحديث؛ فمعناها لابُدَّ من تقديره؛ وإلا؛ فهو وأمثاله أول من يشملهم وعيد
[ ٧ / ٢٧٢ ]
الحديث؛ لأنه لا بد أنهم يخطئون في روايتهم الأحاديث أكثر من غيرهم؛ لجهلهم بالسنة وعدم اعتنائهم بها.
السادس: سلمة بن الأكوع، يرويه يزيد بن أبي عبيد عنه قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول:
"من يَقُلْ عليّ " الحديث.
رواه البخاري (١٠٩): حدثنا مكي بن إبراهيم قال: حدثنا يزيد بن أبي عُبيد.
قلت: وهذا إسناد ثلاثي صحيح.
السابع: ابن عمر ﵄؛ يرويه عبد الله بن دينار عنه في حديث له بلفظ:
"ومن أفرى الفرى من قال علي ما لم أقل ".
وتقدم تخريجه تحت الحديث (٣٠٦٣) .
الثامن: واثلة بن الأسقع؛ يرويه عبد الواحد بن عبد الله النَّصْري عنه مرفوعًا مثله.
أخرجه البخاري (٣٥٠٩)، والطبراني في "مسند الشاميين " (ص ٢١١ و٣٦٩ - ٣٧٠)؛ وتقدم أيضًا هناك.
التاسع: أبو موسى الغافقي؛ يرويه عنه وداعة الحمدي، وعنه يحيى بن ميمون الحضرمي، وعن هذا عمرو بن الحارث، واختلف الرواة عليه؛ فمنهم من لم يذكر فيه (وداعة)، وهو مجهول لم يوثقه غير ابن حبان، وفيه لفظة غريبة - كما قال الحاكم-، ومن أجلها خرجته في "الضعيفة" (٦٤٠٦) . *
[ ٧ / ٢٧٣ ]