كان يقول: إسناده جيد".
(تنبيه): محمد بن عبد الرحيم شيخ الطبراني في هذا الحديث هو الديباجي التستري، ولم أقف له الآن على ترجمة، ويظهر لي أنه من مشايخه المعروفين، فقد روى له في "معجمه الأوسط " نحو عشرين حديثًا (٢/١٤٨/٢- ١٥٠/ ١)، ولحديثه تتمة تراها في المكان المشار إليه من "الترغيب ".
هذا، ولآخر الحديث شاهدان من حديث أنس وأبي هريرة - فيهما نكارة - بسندين ضعيفين، خرجتهما في الكتاب الآخر برقم (٦١٠٧) . *
٣١٠٤- (كان إذا أوى إلى فِراشهِ كلَّ ليلةٍ جمَعَ كفَّيهِ، ثم نفَثَ فيهما، فقرأ فيهما (قل هو الله أحد) و(قل أعوذ برب الفلق) و(قل أعوذ برب الناس)، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأُ بهما على رأسهِ ووجههِ، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات) .
أخرجه البخاري (٥٠١٧)، وأبو داود (٥٠٥٦)، والترمذي في "السنن " (٣٣٩٩) و"الشمائل " - باب ما جاء في نومه - ﷺ - رقم (٢١٨- مختصره)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة " (٧٨٨)، ومن طريقه: ابن السني في "عمله " (٦٩١)، وابن حبان في "صحيحه " (٥٥١٩- الإحسان)، وأحمد (٦/١٦) من طريق المفضل بن فضالة عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة: أن النبي - ﷺ - كان الحديث.
وعُقيل هذا هو ابن خالد بن عَقيل الأيلي ثقة ثبت؛ كما قال الحافظ.
والمفضل بن فضالة هو القتباني المصري القاضي، قال الحافظ:
"ثقة فاضل عابد، أخطأ ابن سعد في تضعيفه ".
[ ٧ / ٢٧٩ ]
قلت: وقد تابعه سعيد بن أبي أيوب: حدتني عقيل به.
أخرجه ابن حبان (٥٥١٨) بلفظ:
"جمع يديه ثم نفث فيهما ثم قرأ.. "، وأحمد (٦/١٥٤) إلا أنه قال:
"فينفث فيهما ثم يقرأ".
قلت: وسعيد بن أبي أيوب مصري أيضًا، قال الحافظ:
"ثقة ثبت "
واعلم أن الحديث قد رواه جمع آخر من الثقات عن الزهري، وآثرت ذكر رواية عقيل هذه لأمرين:
الأول: أنه عزاها جمع إلى الشيخين منهم ابن تيمية في "الكلم الطيب " (رقم٣٠) وغيره كثير، كنت تبعتهم في بعض تعليقاتي، فلما تبين لي أنها من أفراد البخاري دون مسلم، وأن هذا إنما أخرجه من غير طريق عقيل هذه مختصرًا، وقد أشار إلى ذلك الحافظ المزي في "تحفة الأشراف "، لما تبين لي ذلك بادرت إلى تخريجها والتنبيه عليها.
والآخر: أنها أتم من رواية الثقات الآخرين، منهم مالك، والليث، ويونس، ورواية هذا أقرب إلى رواية عقيل، أخرجها البخاري (٥٧٤٨) قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي: حدثنا سليمان عنه بلفظ:
" كان رسول اللهﷺ - إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بـ (قل هو الله أحد) وبالمعوذتين جميعًا، ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده ". قالت عائشة: فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به.
[ ٧ / ٢٨٠ ]
قال يونس: كنت أرى ابن شهاب يصنع ذلك إذا أتى فراشه.
وتابعه عبد الله - وهو ابن المبارك -: أخبرنا يونس بلفظ:
"كان إذا اشتكى نفث على نفسه بـ (المعوذات)، ومسح عنه بيده، فلما اشتكى وجعه التي توفي فيه طفقت أنفث على نفسه بالمعوذات التي كان ينفث، وأمسح بيد النبي عنه ".
أخرجه البخاري أيضًا (٤٤٣٩) .
ورواه مسلم؛ وابن حبان (٦٥٥٦) من طريق آخر عنه.
وأما رواية مالك فهي في "الموطأ" (٣/ ١٢١) عن ابن شهاب به مختصرًا بلفظ:
"كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بـ (المعوذات) وينفث ". قالت: فلما اشتد وجعه كنت أنا أقرأ عليه، وأمسح عليه بيمينه، رجاء بركتها.
ومن طريق مالك أخرجه البخاري (٥٠١٦)، ومسلم (٧/١٦)، وأبو داود (٣٩٠٢)، والنسائي في "عمل اليوم " (١٠٠٩)، وابن ماجه (٣٥٢٨)، وأحمد (٦/١٠٤ و١١٤ و١٨١ و٢٥٦ و٢٦٣)، كلهم عن مالك به.
ومن الأوهام الظاهرة قول المعلق على حديث الترجمة في حاشية "عمل النسائي":
"وأخرجه مسلم من رواية مالك عن ابن شهاب بأتم من هذا"!
فكأنه يعني قول عائشة: " فلما اشتد وجعه " وهذا خلاف المتبادر من قوله: " بأتم من هذا " فإن الحديث عند النسائي في أذكار النوم، وحديث الترجمة في الباب أتم منه كما ترى، ثم إنه قد فاته أنه عند البخاري أيضًا. ومن أجل هذا
[ ٧ / ٢٨١ ]
الاختلاف ذهب بعضهم إلى أن حديث مالك ومن تابعه عن ابن شهاب غير حديث الترجمة، فهما حديثان مدارهما على الزهري بإسناد واحد، وهو الذي رجحه الحافظ في "الفتح " (٩/ ٦٢٠)، وحكى عن أبي مسعود أنهما حديث واحد، وهو عندي محتمل، بل هو الأرجح؛ بدليل رواية الأويسي المتقدمة عن سليمان - وهو ابن بلال - عن يونس؛ فإنه جمع فيها بين رواية عقيل وبعض رواية مالك المتعلق بشكواهﷺ -، ولو بنحوه؛ فإنه ظاهر الدلالة أن الحديث واحد، وأن الرواة عن الزهري كان يزيد بعضهم على بعض. والله ﷾ أعلم.
هذا؛ وفي الحديث أن السنة أن ينفث في كفيه أولًا، ثم يقرأ، ثم يمسح، هذا ظاهر جدًا فيه، وقد تأول بعضهم قوله: "ثم نفث فيهما فقرأ فيهما " بمعنى: ثم عزم على النفث، فقد جاء في "تحفة الأحوذي " للمباركفوري (٤/٢٣١) ما نصه:
"قال العيني: قال المظهري في "شرح المصابيح ": ظاهر الحديث يدل على أنه نفث في كفه أولًا، ثم قرأ، وهذا لم يقل به أحد، ولا فائدة فيه، ولعله سهو من الراوي، والنفث ينبغي أن يكن بعد التلاوة ليوصل بركة القرآن إلى بشرة القارئ أو المقروء له. وأجاب الطيبي عنه: بأن الطعن فيما صحت روايته لا يجوز، وكيف والفاء فيه مثل ما في قوله تعالى: (إذا قرأت القرآن فاستعذ)، فالمعنى: جمع كفيه ثم عزم على النفث. أو لعل السر في تقديم النفث فيه مخالفة السحرة. انتهى. وفي رواية للبخاري: كان إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بـ (قل هو الله أحد) وبـ (المعوذتين) جميعًا. قال الحافظ: أي: يقرأها وينفث حالة القراءة".
فأقول: لم ينشرح صدري لكل هذه الأقوال، وبعضها أوهن من بعض، وهاك البيان:
[ ٧ / ٢٨٢ ]
أولًا: أما الطعن في الحديث فهو من أبطل الباطل؛ فإنه سبيل المبتدعة وعلماء الكلام، وقد عرفت أن رجاله ثقات أثبات.
ثانيًا: وأما تأويله بنحو ما في آية التلاوة؛ فكان يمكن التسليم بذلك، لولا أن مجموع الروايات عن عقيل ترده وبخاصة رواية ابن حبان المتقدمة بلفظ:
"جمع كفيه، ثم نفث فيهما، ثم قرأ ".
ونحوها رواية أحمد:
".. فينفث فيهما؛ ثم يقرأ ".
فهذه صريحة في الترتيب المذكور لا تقبل التأويل.
ثالثًا: وأما دعوى أنه لم يقل به أحد ولا فائدة فيه؛ فهذا في البطل بمنزلة الطعن في الحديث؛ إذ لا يسوغ لمسلم أن يقول في العمل بما صح في الحديث: لا فائدة فيه؛ كما هو ظاهر.
وأما القول بأنه لم يعمل به أحد، فهو من الرجم بالغيب، ورحم الله الإمام أحمد إذ قال: "من ادعى الإجماع فقد كذب، وما يدريه؟ ! لعلهم اختلفوا ".
رابعًا: ما نقله عن الحافظ موجود في "الفتح " (١٠/٢١٠) في شرح حديث الأويسي المتقدم، وهو تأويل أيضًا مخالف لما تقدمت الإشارة إليه من الرواية الصحيحة مع توجيهها بمخالفة السحرة كما تقدم عن الطيبي ﵀.
ثم إنني لا أكاد أجد أي فرق بين تقديم النفث على القراءة، وتقديم المسح باليد على المريض قبل القراءة، كما في حديث عائشة أيضًا قالت:
" كان رسول الله - ﷺ - إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه، ثم قال: أذهب البأس ربَّ الناس.. " الحديث.
[ ٧ / ٢٨٣ ]
أخرجه مسلم (٧/١٥)، وأحمد (٦/١٢٧) من طريقين عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عنها.
ورواه البخاري وغيره بنحوه، وسبق تخريجه برقم (٢٧٧٥) .
ونحوه حديث علي في شكواه لما دخل عليه النبي - ﷺقال: فمسحني بيده، ثم قال: "اللهم اشفه.. " الحديث.
أخرجه ابن أبي شيبة (٨/٤٦)، وأحمد (١/ ١٢٨) بسند فيه ضعف، وصححه أحمد شاكر (٢/٢٣٤) !
أقول: فكما شرع المسح قبل القراءة، فمثله النفث قبل القراءة، فكما لا يقال: لا فائدة من المسح قبلها، فكذلك لا يقال: لا فائدة من النفث قبل القراءة؛ إذ الكل شرع لا مجال للرأي فيه؛ فتأمل!
(فائدة): أخرج ابن حبان حديث المسح بزيادة في آخره، فوجب النظر فيها، أخرجه (١٤٤٣) من طريق بشر بن الوليد الكندي: حدثنا حماد بن زيد عن عمرو ابن مالك النكري عن أبي الجوزاء عن عائشة قالت:
كنت أعوِّذ رسول الله - ﷺ - بدعاء كان جبريل ﵇ يعوذه به إذا مرض:
"أذهب البأس.. " الحديث، وزاد:
"فلما كان في مرضه الذي توفي فيه جعلت أعوذه بهذا الدعاء فقالﷺ -:
"ارفعي يدك، فإنها كانت تنفعني في المدة ".
قلت: وهو إسناد ضعيف؛ أبو الجوزاء اسمه أوس بن عبد الله الربعي، قال ابن عبد البر في "التمهيد " (٢٠/٢٠٥) وغيره:
[ ٧ / ٢٨٤ ]
"لم يسمع من عائشة".
وقد رد الحافظ في "التهذيب " هذا االزعم، وفي "صحيح مسلم " رواية أبي الجوزاء عنها ﵂.
وبشر بن الوليد الكندي مختلف فيه، وقد وثقه الدارقطني وغيره، وذكره ابن حبان في "الثقات " (٨/١٤٨)، ولا أجد جرحًا عليه عند من طعن فيه سوى أنه كان قد خرف، ولذلك؛ لم يزد الذهبي على قوله في "المغني " فيه:
"قال صالح جزرة: صدوق، لكنه خرف ".
فمثله يستشهد به. وقد توبع؛ قال أحمد (٦/٢٦٠- ٢٦١): ثنا يونس: ثنا حماد - يعني: ابن زيد - به.
وهذا إسناد صحيح لولا ما سبق بيانه؛ فإن يونس هذا هو ابن محمد بن مسلم المؤدب: ثقة ثبت من رجال الشيخين.
لكن قد صحت هذه الزيادة من طريقين آخرين عن عائشة، أحدهما من طريق أبي بردة عن عائشة قالت:
أغمي على رسول الله - ﷺ - ورأسه في حجري، فجعلت أمسحه وأدعو له بالشفاء، فلما أفاق قال - ﷺ -:
"لا، بل أسأل الله الرفيق الأعلى مع جبريل وميكائيل وإسرافيل ".
أخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة " (رقم ١٠٩٧) وفي "السنن الكبرى" (٤/٢٦٠/٧١٠٤)، وابن حبان أيضًا (٨/١٩٩/٦٥٥٧) من طريق سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي بردة به، وقال النسائي:
[ ٧ / ٢٨٥ ]