٣١٢٢- (لا تأكل متَّكِئًا، ولا على غِرْبَالٍ، ولا تتخِذَنَّ مِنَ المسجدِ مُصلىً لا تصلِّي إلا فيهِ، ولا تَخَطَّ رِقابَ الناسِ يومَ الجُمُعَةِ؛ فيجعلَكَ الله لُهمْ جسرًا يوم القيامة) .
أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق " (١٣/٣٩١) قال: أنا أبو الحسن بن رزقويه: نا أبو العباس عبد الله بن عبد الرحمن بن أحمد بن حماد العسكري- إملاءً- في سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة: نا أيوب بن سليمان الصُّغْدي: نا أبو اليمان: نا أرطاة بن المنذر عن عبد الله بن رُزَيْق الألهاني عن عمرو بن الأسود العَنْسي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - ﷺ - فذكره. وقال:
"قال الخطيب: كذا سماه ونسبه أبو اليمان؛ ووهم في ذلك، والصواب أنه رُزَيقٌ أبو عبد الله، كذلك ذكره أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر، وأبو عبد الله البخاري، وأبو حاتم الرازي ".
قلت: وكذا ابن حبان في كتابيه: "الثقات " (٤/٢٣٩)، و"الضعفاء" (١/٣٠١)، وذلك من تناقضه! والأول هو الأقرب؛ لقول ابن أبي حاتم (١/٢/٥٠٥):
"سئل أبو زرعة عنه؟ فقال: حمصي لا بأس به ".
ولذلك قال الذهبي في "المغني ":
"صدوق، قال ابن حبان: لا يحتج به ".
وفي "الميزان " جمع بين قول ابن حبان هذا وقول أبي زرعة، وفاته أنه في "ثقات ابن حبان ". وقال الحافظ في "التقريب ":
"صدوق له أوهام ".
[ ٧ / ٣٢٦ ]
قلت: فهو حسن الحديث- إن شاء الله تعالى-.
وسائر رجال الإسناد كلهم ثقات من رجال "التهذيب "؛ سوى مَن دون أبي اليمان، فهم مترجمون في "تاريخ بغداد":
١- أما أيوب بن سليمان الصُّغْدي؛ بضم الصاد المهملة وسكون الغين المعجمة؛ كما في "أنساب السمعاني "، و"الإكمال " (٥/٢٠١) لابن ماكولا، ولم يترجما له بشيء، لكن الخطيب ترجمه (٧/١١) برواية جمع من الثقات منهم العسكري هذا، ثم قال:
"وكان ثقة، مات سنة (٢٧٤) ".
٢- وأما ابن حماد العسكري، فهو من تلامذة أبي داود، ومن شيوخ الإمام الدارقطني وغيره من الثقات، ترجمه الخطيب (١/٣٣- ٣٤)، وروى عن الدارقطني أنه وثقه. مات سنة (٣٤١) .
٣- وأما ابن رزقويه- واسمه محمد بن أحمد بن محمد؛ يعرف بابن رزقويه-؛ قال الخطيب (١/٣٥١):
"كان ثقة صدوقًا، كثير السماع والكتابة، حسن الاعتقاد، جميل المذهب، مديمًا لتلاوة القرآن، شديدًا على أهل البدع، وسمعت أبا بكر البّرْقاني يسأل عنه؟ فقال: ثقة. توفي سنة (٤١٢) ".
قلت: فإسناد الحديث حسن- إن شاء الله تعالى-.
والحديث ذكره ابن حبان في كتابه الثاني: "الضعفاء" من طريق أرطاة معلقًا، ثم قال:
"أخبرناه ابن جُوصا بدمشق ".
[ ٧ / ٣٢٧ ]
قلت: كذا وقع فيه؛ لم يسق إسناده من ابن جوصا إلى ابن المنذر، فإن بينهما مفاوز، فلا أدري إذا كان السقط من الناسخ أو الطابع، أو هو اختصار من المؤلف؟! فألقي في البال احتمال أن يكون ابن جوصا هو الراوي للحديث عن أبي اليمان؛ لأن ابن جوصا من شيوخ الطبراني، وقد أخرج هذا طرفًا منه عن شيخ آخر له عن أبي اليمان، فقال في "معجمه الأوسط " (١/٣/٣٣- بترقيمي): حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة قال: نا أبو اليمان.. بإسناد الصغدي مختصرًا بلفظ:
"لا تأكل متكئًا، ولا تخط رقاب الناس يوم الجمعة".
وقال الطبراني:
"لا يُروى عن أبي الدرداء إلا بهذا الإسناد، تفرد به أرطاة".
ثم استبعدت الاحتمال المذكور حينما علمت من "سير أعلام الذهبي " (١٥/١٥) أن ابن جوصا ولد في حدود الثلاثين ومئتين، فلم يدرك أبا اليمان؛ لأنه مات سنة (٢٢٢)، فلا بد- إذن- من أن يكون بينهما واسطة كما ذكرت أولًا، فيحتمل أن يكون الصغدي أو غيره؛ والله أعلم.
والحديث أورده الهيثمي من رواية الطبراني في موضعين من "مجمع الزوائد"، ففي الموضع الأول ذكره بتمامه بالفقرتين كما تقدم، وقال (٢/١٧٩):
"وفيه عبد الله بن زريق (كذا، وإنما هو رزيق)، قال الأزدي: لا يصح حديثه ".
وفي الموضع الآخر، أورد منه الفقرة الأولى، وقال (٥/٢٤):
"رواه الطبراني في " الأوسط "، ورجاله ثقات ".
[ ٧ / ٣٢٨ ]
قلت: ويبدو لي أنه بدا له أن "عبد الله بن رزيق " خطأ، وأن صوابه "رزيق أبو عبد الله " كما تقدم عن الخطيب، وأنه وثقه ابن حبان، فاعتمده كعادته، والله أعلم.
وقد سبق تخريج هذا الطرف من الحديث والكلام عليه تحت الحديث (٢٣٩٤) من هذا الكتاب.
هذا؛ ولأكثر فقرات الحديث شواهد تؤكد ثبوته:
أولًا: الاتكاء، قال محمد بن عبيد الله بن أبي مليكة عن ابن أبي إهاب [عن أبيه] قال: قال رسول الله - ﷺ -، أو:
نهانا رسول الله - ﷺ - أن نأكل متكئين.
أخرجه البزار (٣/٣٣١/٢٨٧٠- كشف الأستار)؛ وسقط منه ما بين المعكوفتين، واستدركته من "مجمع الزوائد " (٥/٢٤)، وقال:
"رواه البزار من رواية محمد بن عبيد الله بن أبي مليكة، ولم أعرف محمدًا هذا، وبقية رجاله ثقات ".
كذا قال! ومحمد هذا أورده ابن أبي حاتم في كتابه (٤/١/٣)، وروى عن ابن معين أنه قال:
"ضعيف ".
واعتمده الذهبي في "الميزان " فقال:
"ضعفه ابن معين، مُقِلٌّ ".
ووافقه الحافظ في "اللسان ".
وأورده الذهبيُّ- كذلك- في "محمد بن عبد الله " مُكَبِّرًا، وقال:
[ ٧ / ٣٢٩ ]
"لا يُعرف، وضعفه يحيى بن معين ".
وأقرَّه الحافظ أيضًا.
وابن أبي إهاب لم أعرفه.
وقد يشهد له حديث أبي جُحَيْفة مرفوعًا بلفظ:
" إني لا آكل متكئًا ".
وفي رواية:
"لا آكل وأنا متكئ ".
أخرجه البخاري (٥٣٩٨ و٥٣٩٩) وغيره.
وفي لفظ آخر:
"أما أنا؛ فلا آكل متكئًا ".
رواه الترمذي- وصححه-، والبيهقي، وهو مخرج في " الإرواء " (٧/٢٧/١٩٦٦) .
وإنما قلت: قد يشهد له؛ لأنه ليس صريحًا في النهي، ولذلك قال بعضهم: إن ذلك من الخصائص النبوية، وترجم له البخاري بقوله:
"باب الأكل متكئًا ".
فقال الحافظ في "شرحه " (٩/٥٤١):
"أي: ما حكمه؟ وإنما لم يجزم به؛ لأنه لم يأت فيه نهي صريح ".
كذا قال! ويَرِدُ عليه حديث الترجمة، ولا يقال: لعله لم يذكره؛ لأنه لم يصح عنده! قلت: هذا خلاف عادته؛ فإنه لو استحضره؛ لذكره وبين ضعفه كما هي عادته الغالبة.
[ ٧ / ٣٣٠ ]