- يعني: عبد الحميد- عن سليمان بن بلال عن محمد بن عبد الله بن أبي مريم عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال فذكره.
قلت: وهذا إسناد جيد؛ ابن أبي مريم، روى عنه جمع من الثقات غير سليمان بن بلال، ذكرهم ابن أبي حاتم (٧/٣٠٦/١٦٦٠)، وروى عن يحيى القطان أنه قال:
"لم يكن به بأس ". وعن أبيه قال:
"شيخ مديني صالح الحديث ".
وذكره ابن حبان في "الثقات " (٧/٤١٩) .
ومن دونه ثقات من رجال الشيخين؛ على ضعف في حفظ ابن أبي أويس، واسمه إسماعيل بن عبد الله.
والحديث أخرجه البخاري في ترجمة ابن أبي مريم من "التاريخ " فقال (١/١٣٩/٤١٩): قال لي إسماعيل بن أبي أويس بإسناده بلفظ:
" المجوس تعفي شواربها، وتحفي لحاها؛ فخالفوهم، فجزوا شواربكم، وأعفوا لحاكم ". *
٣١٢٤- (لا تُشَدِّدوا على أنفسكم؛ فإنّما هلك من قبلَكم بتشدِيدِهم على أنفسهم، وستَجِدُونَ بقاياهُم في الصوامع والدِّياراتِ) !.
أخرجه البخاري في "التاريخ " (٢/٢/٩٧): وقال لنا عبد الله بن صالح: حدثني أبو شُريح: سمع سهل بن أبي أمامة بن سهل بن حُنَيفٍ عن أبيه عن جده عن النبي - ﷺ - قال فذكره.
[ ٧ / ٣٣٢ ]
ومن هذا الوجه: أخرجه ابن قانع في ترجمة سهل من "المعجم "، والطبراني في "المعجم الكبير" (٦/٨٨/٥٥٥١) و"الأوسط " (١/١٧٤/٢/٣٢٣٠)، والبيهقي في "شعب الإيمان " (٣/٤٠١/٣٨٨٤) .
قلت: وهذا إسناد جيد بما بعده، رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير عبد الله بن صالح، فهو من شيوخ البخاري كما ترى، وذكر غير واحد أنه روى عنه في "صحيحه "، كالمنذري في آخر "الترغيب " (٤/٢٨٦)، والذهبي في "الكاشف "، وقال في " المغني ":
"والصحيح أن البخاري روى عنه في الصحيح ".
وقال تبعًا للمنذري:
"صالح الحديث، له مناكير".
وقال الحافظ في "التقريب ".
"صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة".
ورمز له بأن البخاري روى له تعليقًا، وذكر في "تهذيبه " تبعًا لأصله، أن البخاري استشهد به في "الصحيح "؛ لكنه في "مقدمة الفتح " (ص ٤١٤- ٤١٥) تتبع الأحاديث التي رواها البخاري عنه بصيغة: حدثنا، أو: قال لي، أو قال- المجردة- من تسعة مواضع من "الصحيح "، فتبين أن أكثرها متابعة أو استشهادًا، والقليل منها احتجاجًا. والله أعلم.
ولكنه قال بعد أن ساق أقوال الأئمة فيه ما بين جارح وموثِّق:
"قلت: ظاهر كلام هؤلاء الأئمة أن حديثه في الأول كان مستقيمًا، ثم طرأ
[ ٧ / ٣٣٣ ]
عليه فيه تخليط، فمقتضى ذلك؛ أن ما يجيء من روايته عن أهل الحذق كيحيى ابن معين والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم-؛ فهو من صحيح حديثه، وما يجيء من رواية الشيوخ عنه؛ فيتوقف فيه "؛ والله أعلم.
وأبو شريح: اسمه عبد الرحمن بن شريح الإسكندراني، ثقة محتج به في "الصحيحين "، وقد خالفه إسنادًا ومتنًا: سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء؛ فقال: عن سهل بن أبي أمامة أنه حدثه عن أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ - كان يقول فذكر الحديث نحوه، وزاد:
" (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم)، ثم غَدَوْا من الغد، فقالوا: نركب فننظر ونعتبر " الحديث بطوله، وقد أوردته في الكتاب الآخر (٣٤٦٨) من أجل هذه الزيادة وتفرَّد سعيد بها؛ ولم يوثقه غير ابن حبان.
والحديث أورده الهيثمي في "المجمع "، وقال (١/٦٢):
"رواه الطبراني في "الأوسط "، و"الكبير"، وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، وثقه جماعة وضعفه آخرون ".
قلت: وله شاهدان مرسلان:
أحدهما: عن أبي قلابة مرفوعًا بلفظ:
"إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شدِّدوا على أنفسهم؛ فشدِّد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع ".
أخرجه ابن جرير في " التفسير" (٧/٧)، والمروزي في "زوائد الزهد" (٣٦٥/١٠٣١) وغيرهما من طريقين عن أيوب عنه.
[ ٧ / ٣٣٤ ]
قلت: فهو مرسل صحيح الإسناد، وفيه قصة، وهو في "غاية المرام " (١٤٠/٢٠٧) .
والآخر: عن قتادة مرفوعًا نحوه.
أخرجه ابن جرير قال: حدثنا بشر بن معاذ قال: ثنا جامع بن حماد قال: ثنا يزيد بن زريع عن سعيد عنه.
وهذا إسناد رجاله ثقات من رجال "التهذيب "؛ غير جامع بن حماد، فلم أعرفه، وانظر ما قاله العلامة شاكر في تعليقه عليه في حاشية "التفسير" (١٠/٥١٦) .
واعلم أنني كنت قد أخرجت الحديث في الكتاب الآخر من رواية سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء المطوَّلة، وفيها تلك الزيادة التي أشرت إليها آنفًا من رواية أبي داود وأبي يعلى، وبيّنت الفرق بين متنيهما وتفرَّد ابن أبي العمياء بها، وضعفت إسناده في "تخريج المشكاة" (١/٦٤) بابن أبي العمياء هذا، وذكرت أن الحافظ أشار إلى أنه ليّن.
وكذلك فعلت في "غاية المرام " (١٤٠/٢٠٧)، لكني ذكرت له فيه شاهدًا من مرسل أبي قلابة، ثم قلت:
"فلعله حسن بهذا الشاهد. والله أعلم ".
فتعقبني الشيخ عبد الله الدويش﵀- في "تنبيه القاري " (٢٧/٢٩) بقوله:
"قلت: وهذا هو الصواب ". ولم يزد!
[ ٧ / ٣٣٥ ]
ولست أدري- والله - ما الذي حمله على الجزم بذلك؟! وهو لم يأت بما يؤكده إلا المعارضة! ولكني- والحمد لله- قد وفقني الله ﷿، فجئت بهذه المتابعة القوية من عبد الرحمن بن شُريح الإسكندراني لابن أبي العمياء على الطرف الأول من الحديث، مع مخالفته إياه في إسناده، وبذلك اطمئنت النفس لتقوية هذا القدر من الحديث، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
ويشبه صنيعَ الدويش هذا: ما فعله الشيخ نسيب الرفاعي في "مختصر تفسير ابن كثير"، والدكتور إسماعيل منصور مؤلف الكتاب العجيب الذي أسماه: "تذكير الأصحاب بتحريم النقاب "!! الذي خالف فيه سبيل المؤمنين، وادعى فيه ادعاءات باطلة نسبها إلى الصحابة وغيرهم، وجهالات عجيبة حديثية وفقهية وغيرها، مما لا مجال لذكر شيء منها هنا إلا ما يتعلق بهذا الحديث؛ فإن ابن كثير - ﵀- عزا الحديث لأبي يعلى بسنده عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء بسنده المتقدم عن أنس، وفيه تلك الزيادة: (رهبانية ابتدعوها)، كما تقدم، وسكت ابن كثير عنه اكتفاءً منه بذكره بإسناده؛ لينظر فيه من أراد التثبت من صحته أو ضعفه، ولجهل الدكتور بذلك توهم أن الحديث صحيح! ولذلك؛ استجاز ذكره دون تخريج أو بيان لحال إسناده؛ بل عقب عليه بقوله:
"وهو مما نقله الحافظ ابن كثير بسنده (كذا) إلى عبد الرحمن بن أبي العمياء"!
كذا قال- هداه الله-! وكل من كان له ولو أدنى مشاركة في هذا العلم يعلم أن هذا التعقيب لا يفيد شيئًا، وفيه عديد من الأوهام:
أولًا: أن نقل الحافظ ابن كثير أو غيره للحديث لا يفيد شيئًا من تصحيح أو تضعيف.
[ ٧ / ٣٣٦ ]