وقال الهيثمي في "المجمع " (١٠/٤١):
"رواه البزار والطبراني في " الكبير" و"الأوسط "، وأسانيدهم حسنة ".
وهذا تعبير موهم لغير الواقع فقد عرفت من كلام البزار والطبراني أنه ليس له إلا هذا الإسناد، فهو إنما يعني بـ (الأسانيد): الطرق المشار إليها عن الحارثي؛ فتنبه!
ثم رأيت الحافظ قد سبقني إلى تحسينه، فقال في "مختصر زوائد البزار" (٢/٣٧٧):
"وإسناده حسن ".
٣١٣٦- (إنَّ أول شيءٍ خَلَقَهَ الله ﷿: القلمُ، فأخذَهُ بيمينه- وكلتا يديهِ يمين- قال: فكتبَ الدنيا وما يكونُ فيها من عملٍ معمولٍ: بِرَّ أو فجورٍ، رطب أو يابس، فأحصاهُ عندَه في الذِّكر، ثم قال: اقرَأُوا إن شئتم: (هذا كتابُنا يَنْطِقُ عليكم بالحق إنا كنا نَسْتَنْسِخُ ما كنتم تعملون)؛ فهل تكون النسخةُ إلا مِنْ أمرٍ قد فُرغَ منه) .
أخرجه الآجري في "الشريعة " (٣٢١- ٣٢٢) قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله ابن صالح البخاري قال: حدثنا الحسن بن علي الحلواني قال: حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع عن بقية بن الوليد قال: حدثنا أرطاة بن المنذر عن مجاهد عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات مترجَمون في "التهذيب "؛ غير أبي محمد البخاري، ترجمه الخطيب (٩/٤٨١- ٤٨٢) وروى عن غير واحد من الحفاظ أنه مأمون، ووصفه الذهبي في " السير" (١٤/٢٤٣) بـ "الإمام الصدوق ".
[ ٧ / ٣٧٤ ]
وبقية بن الوليد قد صرح بالتحديث؛ فأمنا بذلك شر تدليسه.
ثم أخرجه الآجري من طريق أبي أنس مالك بن سليمان الحمصي قال: حدثنا بقية بن الوليد عن أرطاة بن المنذر به.
ومالك بن سليمان هذا، ذكره ابن أبي حاتم بروايته عن بقية؛ ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، ولكنه قال:
"روى عنه أبو زرعة ".
ومن المعروف عن أبي زرعة أنه لا يروي إلا عن ثقة، والله أعلم.
وللحديث شواهد متفرقة تزيده قوة على قوة:
أولًا: فقرة خلق القلم، فمن شواهده حديث ابن عباس المتقدم برقم (١٣٣)، وحديث عبادة بن الصامت الذي كنت خرجته من طرق عنه في التعليق على "المشكاة" (١/٣٤/٩٤) .
ثانيًا: قوله: "وكلتا يديه يمين "، قد جاء في حديث: "المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين.. ".
رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في "آداب الزفاف " (٢٨١) .
وقد رواه أيضًا ابن حبان (١٥٣٨)، والآجري، والبيهقي في "الأسماء" (ص ٣٥٤) من حديث ابن عمرو.
وله شاهد ثان من حديث أبي هريرة مرفوعًا:
"لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس " الحديث، وفيه ذكر القبضتين، وقوله تعالى لآدم:
[ ٧ / ٣٧٥ ]
"اختر أيهما شئت، قال: اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين مباركة ".
وهو مخرج في "الظلال " (٩١/٢٠٦) .
وله شاهد من حديث عبد الله بن سلام موقوفًا عليه.
أخرجه الآجري (ص ٣٢٢) بسند جيد.
وفي القبضتين أحاديث أخرى كنت خرجتها في المجلد الأول برقم (٤٦- ٥٠) . وليس في شيء منها ذكر الشمال؛ إلا في رواية في حديث لابن عمر في طيّ السموات والأرض؛ مذكور في "صحيح الجامع " برواية مسلم وأبي داود عنه، تَفَرَّد بذكره عمر بن حمزة عن سالم عنه. قال البيهقي في "الأسماء" (ص ٣٢٤):
"وقد روى هذا الحديث نافع، وعبيد الله بن مقسم عن ابن عمر، ولم يذكر فيه: "الشمال "، ورواه أبو هريرة ﵁ وغيره عن النبي - ﷺ - فلم يذكر فيه أحد منهم الشمال. وروي ذكر الشمال في حديث آخر في غير هذه القصة؛ إلا أنه ضعيف بمرة تفرد بأحدهما جعفر بن الزبير، وبالآخر يزيد الرقاشي وهما متروكان، وكيف يصح ذلك والصحيح عن النبي - ﷺ - أنه سمى كلتا يديه يمينًا؟ ! ".
قلت: معنى كلام البيهقي في ذكر "الشمال " في حديث ابن عمر المشار إليه أنه شاذ لمخالفته الثقات الذين لم يذكروا ذلك؛ لا في حديث ابن عمر، ولا في حديث أبي هريرة وغيره، وهذا الحكم بالشذوذ إنما يصح اصطلاحًا فيما لو كان عمر بن حمزة ثقة عند العلماء، لكن الواقع أنه ضعيف؛ كما صرح بذلك الحافظ ابن حجر وغيره، ووصفه الإمام أحمد بقوله:
"أحاديثه مناكير".
[ ٧ / ٣٧٦ ]