٣١٤٢- (يا مَعْشرَ النساء! تصدَّقْنَ، فما رأيتُ من نواقصِ عقلٍ - قطُّ - أو دينٍ أذْهبَ لقلوبِ ذوي الألبابِ منكنَّ، وإني رأيتُكُنَّ أكثرَ أهلِ النارِ يومَ القيامةِ، فتقرَّبنَ إلى الله بما استطعتُنَّ.
وكان في النساء امرأة ابن مسعود فساق الحديث، فقالت: فما نقصان ديننا وعقولنا يا رسول الله؟! فقال:
أمَّا ما ذكرتُ من نقصانِ دينكُنَّ؛ فالحيضةُ التي تصيبُكُنَّ؛ تمكثُ إحداكُنَّ ما شاءَ الله أنْ تمكثَ لا تُصلي، وأمَّا ما ذكرتُ من نقصانِ عقولِكنَّ؛ فشهادةُ المرأة نصفُ شهادةِ الرجلِ) .
أخرجه مسلم (١/٦١)، والنسائي في "الكبرى" (٥/٤٠٠/٩٢٧١)، وابن خزيمة في "صحيحه " (٤/١٠٦- ١٠٧) - ببعضه-، والطحاوي في "شرح المعاني " (١/٣٠٩)، وأحمد في "المسند" (٢/٣٧٣- ٣٧٤)، وأبو يعلى في "مسنده " (١١/٤٦٢- ٤٦٤)، وابن عبد البر في "التمهيد" (٣/٣٢٣- ٣٢٤) - والسياق له- كلهم من طريق إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبي عمرو عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة:
أن النبي - ﷺ - انصرف من صلاة الصبح، فأتى النساء في المسجد، فوقف عليهن، فقال: فذكره، والسياق لابن عبد البر، ولم يسق مسلم لفظه، وإنما أحال به على لفظ حديث ابن عمر، ساقه قبله، فقال:
"بمثل معنى حديث ابن عمر عن النبي - ﷺ - " (١) .
ولذلك استجاز ابن كثير في "تفسيره " (١/٣٣٥) عزوه لمسلم، فقال:
_________________
(١) وحديث ابن عمر مخرج في "الإرواء" (١/٢٠٥)، و"الظلال " (٢/٤٦٣- ٤٦٤) .
[ ٧ / ٣٩٥ ]
"قال مسلم في "صحيحه ": حدثنا قتيبة: حدثنا إسماعيل بن جعفر " فساقه بلفظ حديث ابن عمر.
وأقول: لكن جمعه بين إسناد مسلم عن أبي هريرة ولفظ ابن عمر عنده؛ غير محمود كما هو ظاهر! لأن في كل من حديثيهما ما ليس في الآخر، ولذلك كان عليه أن ينبه على ذلك كما صنع مسلم﵀-.
ومن أجل ما بيَّنت من أن مسلمًا لم يسق لفظه؛ أورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٣/١١٨)، فقال:
"رواه أحمد وأبو يعلى، ورجال أحمد ثقات ".
وذكر قبله:
" قلت: في "الصحيح " طرف منه ".
وهو يشير بذلك إلى لفظ حديث ابن عمر، وهو تعبير قاصر، لا يُجَلِّي الأمر للقارئ كما بينت.
ثم إن تخصيصه لأحمد بأن رجاله ثقات؛ مما لا وجه له؛ لأنه يشعر بأن رجال أبي يعلى ليسوا كذلك، وهو خطأ؛ لأن شيخ أحمد: سليمان بن داود- وهو الطيالسي-، وشيخ أبي يعلى: يحيى بن أيوب- وهو المقابري-؛ كلاهما قال: حدثنا إسماعيل به، وكلاهما ثقة من رجال مسلم، فكان الصواب أن يقول:
"ورجالهما ثقات ".
والأولى أن يضيف إلى ذلك:
" رجال الصحيح "، كما هي عادته، والأصح أن يقول:
" وإسنادهما صحيح على شرط مسلم ".
[ ٧ / ٣٩٦ ]
لأنه رواه عن ثلاثة من شيوخه منهم يحيى بن أيوب هذا!
ومن فوق هؤلاء الثلاثة- والرابع الطيالسي-: من رجال الشيخين، وعلى هذا فيمكن تصحيح الإسناد على شرطهما.
وعمرو بن أبي عمرو هو مولى المطلب المدني، قال الحافظ:
"ثقة ربما وهم ".
قلت: وقد أمنّا من وهمه: أنه قد تابعه عمر بن نُبَيه الكعبي عن المقبري به.
أخرجه الطحاوي، وإسناده صحيح.
وله طريق أخرى عن أبي هريرة ببعض اختصار.
أخرجه الترمذي (٧/٢٦١٦) وابن أبي عاصم في "السنة " (٢/٤٦٤/٩٥٦)، وقال الترمذي:
"حديث صحيح غريب حسن من هذا الوجه ".
قلت: وهو على شرط مسلم.
واعلم أخي الكريم! أن هذه القصة قد وقعت أكثر من مرة:
ففي حديث أبي هريرة هذا أنها كانت بعد انصراف النبي من صلاة الصبح والنساء في المسجد.
ورواه أبو سعيد الخدري فقال:
"خرج رسول الله - ﷺ - في أضحى أو في فطر إلى المصلى، فمرَّ على النساء، فقال: "يا معشر النساء! تصدقن " الحديث، رواه الشيخان وغيرهما، وهو مخرج في " الإرواء" (١/٢٠٤) .
[ ٧ / ٣٩٧ ]
ففي هذا أنها كانت في العيد: أضحى أو فطر في المصلى، وليس يخفى على البصير أن هذا لا ينفي وقوع ذلك في غير العيد، كما في حديث أبي هريرة أنه وقع بعد انصرافه - ﷺ - من صلاة الصبح والنساء في المسجد، وهذا مما يبطل ما جاء في كتاب "تحرير المرأة في عصر الرسالة " (١/٢٧٦) أن هذه الكلمة: "ناقصات عقل ودين "؛ قال:
"إنما جاءت مرة واحدة، وفي مجال إثارة الانتباه والتمهيد اللطيف لعظة خاصة بالنساء، ولم تجئ قط مستقلة في صيغة تقريرية"!
كذا قال! وهذه جرأة عجيبة في تأويل كلامه - ﷺ - وتحميله ما لا يحتمل من المعاني! وقد أقره الشيخ القرضاوي في تقديمه للكتاب (ص ٢٥)، وذلك لتوهمهما أن فيها غضًّا من قيمة المرأة، وليس ذلك من ذلك ألبتة! مثلهم في ذلك مثل المعتزلة والمعطلة؛ الذين يتأولون آيات الصفات وأحاديث الصفات؛ لزعمهم أن ظواهرها تفيد التجسيم والتشبيه، وذلك مما لا يليق بالله تعالى فوجب التأويل! وردُّ أهل السنة عليهم معروف، وهو أن فهم التشبيه من تلك النصوص هو الخطأ، ولذلك؛ اضطروا إلى رده بالتأويل، وعليه؛ فنحن نقول لهم ولأمثالهم من المؤوَّلة: صحح الفهم للنص تسلم من التأويل والتعطيل. فالمشكلة الأساسية تعود إلى سوء الفهم، أو ضعف الإيمان، وقد يجتمعان، كما يفعل الشيخ الغزالي ومقلدوه من الآرائيين الجهلة. وهذا هو المثال بين أيدينا؛ فإن صاحبنا مؤلف "التحرير" لمّا فهم من الحديث أن فيه غضًّا من شأن النساء؛ تأوله بما لا يحتمله من المعنى بما تقدم نقله عنه، حتى حمله ذلك على إنكار وروده عنه - ﷺ - مرة أخرى! وعلى إنكار أنه - ﷺ - يقرر قاعدة عامة! وهذا - والله- منتهى الغفلة أو المكابرة!! وذلك؛ لأن الحديث يقرر أمرًا جِبِلْيًّا لا يمكن لأحد أن ينكره ولو كان ملحدًا، وهو أن المرأة تحيض، وأن عقلها دون عقل الرجل، هكذا
[ ٧ / ٣٩٨ ]
خلقها الله لحكمة بالغة، كما قال ﷿: (وما خلق الذكر والأنثى)، ولهذا قال العلماء- واللفظ لعلامة الأندلس الحافظ ابن عبد البر (٣/٣٢٦- ٣٢٧) -:
"هذا الحديث يدل على أن نقصان الدين قد يقع ضرورة لا تُدفع، ألا ترى أن الله جَبَلَهُنَّ على ما يكون نقصًا فيهن، قال الله ﷿: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضَهُم على بعض)، وقد فضل الله أيضًا بعض الرجال على بعض، وبعض النساء على بعض، وبعض الأنبياء على بعض، (لا يُسأل عما يفعل)، (وهو الحكيم العليم) ".
فهذه قاعدة عامة لا تستطيع امرأة أن تخرج عنها، فكل امرأة تحيض، كما أن كل رجل يمذي!
ثم إن الله تعالى بحكمته رتب على تلك الجبلَّة حُكمَينِ ثابتين: شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل، والمرأة الحائض لا تصلي ولا تصوم، فهذه قاعدة لا استثناء فيها شرعًا، كالتي قبلها لا استثناء فيها قدرًا. وقد أكد النبي - ﷺ - هذه الحقيقة بقوله: "كمَل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ". رواه الشيخان، وهو مخرج في " الروض النضير" (رقم ٧٣) .
ويشبه ذلك الفرق الجِبِلِّيَّ بين الرجال والنساء: الفرقُ المعروف بين الملائكة كافة، والبشر عامة، فالأولون كما قال الله: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)، والبشر على خلاف ذلك، طبعهم الله على المعصية، ولكن أمرهم بالاستغفار، وذلك قوله - ﷺ -:
"والذي نفسي بيده؛ لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم ". رواه مسلم، وهو مخرج في هذه "السلسلة" (برقم ١٩٥٠) .
[ ٧ / ٣٩٩ ]
(تنبيه): في قول ابن عبد البر: "فساق الحديث " إشارة قوية إلى أن له تتمة اختصرها لعدم علاقتها بالباب، فرأيت من تمام الفائدة أن أسوقها، مع الإشارة إلى حرف مشكل فيه كنت نبهت عليه في تعليقي على "صحيح ابن خزيمة"، فتمام الحديث- عنده وعند المذكورين بعده في التخريج-:
وكان في النساء امرأة عبد الله بن مسعود، فانقلبت إلى عبد الله بن مسعود فأخبرته بما سمعت من رسول الله - ﷺ -، وأخذت حُلِيَّها، فقال ابن مسعود: أين تذهبين بهذا الحلي؟! قالت: أتقرب به إلى الله ورسوله (!) قال: ويحك، هلمي تصدقي به علي وعلى ولدي، فأنا له موضع! فقالت: لا! حتى أذهب إلى رسول الله - ﷺ -، قال: فذهبت تستأذن على رسول الله - ﷺ -، فقالوا: يا رسول الله! هذه زينب تستأذن، قال: "أي الزيانب هي؟ "، قال: امرأة ابن مسعود قال: "ائذنوا لها"، فدخلت على النبي - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله! إني سمعت منك مقالة، فرجعت إلى ابن مسعود فحدثته، وأخذت حليةً لي أتقرب به إلى الله وإليك (!) رجاء أن لا يجعلني الله من أهل النار! فقال لي ابن مسعود: تصدقي به علي وعلى ولدي، فأنا له موضع، فقلت: حتى أستأذن رسول الله - ﷺ -؟ ! فقال رسول الله - ﷺ -:
"تصدقي به عليه وعلى بنيه؛ فإنهم له موضع ".
قلت: فقولها أمام ابن مسعود: "أتقرب به إلى الله ورسوله "، ثم أمام النبي - ﷺ -: " أتقرب به إلى الله وإليك " مشكل؛ لأن التقرب بالعبادة لا تكون إلا إلى الله فقط كما بينت هناك. وأزيد هنا فأقول:
لعلها ضمنت قولها معنى الطاعة، فكأنها قالت: أطيع الله ورسوله، أو أن قولها كان قبل النهي عن مثلها كمثل: " ما شاء الله وشئت "؛ فقد كانوا يقولون ذلك، ويسمع النبي - ﷺ - ولا ينهاهم، حتى أمره الله تعالى بالنهي؛ فقد صح
[ ٧ / ٤٠٠ ]