ابن محمد: ثنا يحيى بن عمير: ثنا المقبري عن أبي هريرة به؛ لم يقل: "عن أبيه "، وقال: "من قرابتنا" مكان: "أهل قرآن "؛ ولعله أصح.
والعباس بن محمد هو الدوري- وهو ثقة- ما أظنه بإمكانه أن يسمع من يحيى بن عمير؛ فإن هذا تابع تابعي، وذاك ولد سنة (١٨٥)، فأظن أن بينهما خالد بن مخلد؛ فقد ذكروه في شيوخ الدوري، وفي الرواة عن يحيى ابن عمير.
وللحديث شاهد أتم منه، لكن في إسناده جهالة وإرسال، ولذلك أخرجته في الكتاب الآخر (٦٣٠٠) . *
٣١٤٧- (والذي نفسي بيدِه! لوتتابعتُم حتَّى لا يبقى منكم أحدٌ؛ لسال بكُمُ الوادي نارًا) .
أخرجه أبو يعلى في "مسنده " (٣/٤٦٨/ ١٩٧٩) - ومن طريقه: ابن حبان (٦٨٧٧- ط: المؤسسة): حدثنا زكريا بن يحيى قال: حدثنا هُشَيم عن حُصَين عن سالم بن أبي الجعد وأبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال:
بينما النبي - ﷺ - يخطب يوم الجمعة؛ وقدمت عِيرٌ إلى المدينة، فابتدرها أصحاب رسول الله - ﷺ - حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلًا، فقال رسول الله - ﷺ -:..! فذكره، فنزلت هذه الآية: (وإذا رَأوْا تجارة أو لهوًا انفضُّوا إليها وتركوك قائمًا) [الجمعة: ١١]، وقال: في الاثني عشر الذين ثبتوا مع رسول الله - ﷺ - أبو بكر وعمر.
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات؛ لولا أن هشيمًا مدلس وقد عنعنه، لكنه قد صرح بالتحديث عند مسلم (٣/١٠): حدثنا إسماعيل بن سالم: أخبرنا هشيم: أخبرنا حصين به، إلا أنه لم يذكر حديث الترجمة.
[ ٧ / ٤١٠ ]
وكذلك أخرجه الترمذي (٣٣٠٨): حدثنا أحمد بن منيع: حدثنا هشيم: حدثنا حصين به، وقال:
"حديث حسن صحيح ".
وكذا أخرجه أبن حبان (٦٨٣٧) من طريق آخر عن هشيم.
وتابع هشيمًا جمعٌ من الثقات عن حصين به دون حديث الترجمة.
أخرجه البخاري (٩٣٦ و٤٨٩٩)، ومسلم أيضًا، وابن خزيمة (٣/١٦١- ١٦٢)
وأبو يعلى (١٨٨٨) أيضًا، وأحمد (٣/٣١٣ و٣٧٠)، وابن أبي شيبة (٢/١١٣)، وابن جرير في "التفسير" (٢٨/٦٧- ٦٨)، والبيهقي (٣/ ١٨١- ١٨٢) من طرق عدة عن حصين به، منهم من لا يذكر أبا سفيان، وجميعهم لم يذكروا حديث الترجمة، فيكون شاذًا لتفرد زكريا بن يحيى به؛ وهو الواسطي الملقب (زَحْمَوَيهِ)؛ وهو ثقة، كما قال الحافظ في "اللسان " (٢/٤٨٤)، وذكره ابن حبان في "الثقات " (٨/٢٥٣)، وقال:
"كان من المتقنين "!
ولعل مخالفته لهؤلاء الثقات بهذه الزيادة عليهم لا يؤيد قول ابن حبان هذا فيه، فليُتأمَّل!
ولذلك؛ فقد غفل عن هذه المخالفة: المعلِّق على "مسند أبي يعلى" حين قال
في تعليقه على الحديث:
"إسناده صحيح، وقد تقدم برقم (١٨٨٨) ".
ومثله المعلق على "الإحسان " (١٥/٣٠٠) فقال:
"إسناده صحيح، زكريا بن يحيى زحمويه، روى عنه جمع، وذكره المؤلف في
[ ٧ / ٤١١ ]
"الثقات ".. وهو في "مسند أبي يعلى" (١٩٧٩)، وانظر ما قبله "!
وغفلتهما من ناحيتين:
الأولى: أن عنعنة هشيم تمنع من إطلاق الصحة على إسناده كما تقدم.
هذا أولًا.
وثانيًا: اتفاق إسماعيل بن سالم، وأحمد بن مَنيع، وسُرَيج بن يونس عند
ابن حبان على روايتهم عن هشيم مصرحًا بالتحديث دون حديث الترجمة يجعل رواية زحمويه بهذه الزيادة شاذة.
وثالثًا: متابعة الجمع الثقات لهشيم على رواية الحديث عن حصين دون الزيادة تؤكد شذوذها، ولذلك اقتصر الشيخان على إخراج الحديث دونها.
والأخرى: أن كُلًا من المعلقين أشار إلى رواية أبي يعلى الموافقة لرواية الشيخين المتقدمة، وذلك من تمام الغفلة!
ثم إن زيادة: "وقال: في الإثني عشر " ثابتة من بعض الطرق الأخرى عن هشيم عند ابن حبان ومسلم أيضًا وغيرهما.
نعم؛ لحديث الترجمة شاهد مرسل قوي، فقال الطبري في "تفسيره " (٢٨/٦٧- ٦٨): حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد عن قتادة:
بينما رسول الله - ﷺ - يخطب الناس يوم الجمعة، فجعلوا يتسللون ويقومون، حتى بقيت منهم عصابة، فقال: "كم أنتم؟ " فعدوا أنفسهم، فإذا اثنا عشر رجلًا وامرأة، ثم قام في الجمعة الثانية فجعل يخطبهم- قال سعيد: ولا أعلم إلا أن في حديثه: ويعظهم ويذكرهم، فجعلوا يتسللون ويقومون حتى بقيت عصابة، فقال: "كم أنتم؟ " فعدوا أنفسهم، فإذا اثنا عشر رجلًا وامرأة، ثم قام في الجمعة الثالثة،
[ ٧ / ٤١٢ ]
فجعلوا يتسللون ويقومون، حتى بقيت منهم عصابة، فقال: "كم أنتم؟ " فعدوا أنفسهم، فإذا اثنا عشر رجلًا وامرأة، فقال:
"والذي نفسي بيده؛ لو اتبع آخرُكم أولَكم؛ لالتهب عليكم الوادي نارًا "، وأنزل الله ﷿: (وإذا رأوا تجارة..) الآية.
قلت: وهذا مرسل صحيح الإسناد، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير بشر
- وهو ابن معاذ العقدي الضرير-؛ قال عنه أبو حاتم (٢/٣٦٨/١٤١٧):
"صالح الحديث صدوق ".
وذكره ابن حبان في "الثقات " (٨/ ١٤٤)، وقال:
"ثنا عنه ابن خزيمة وشيوخنا، مات سنة (٢٤٥) أو قبلها أو بعدها بقليل ". (تنبيه): جاء في "فتح الباري " (٢/٤٢٤) ما نصه:
"ووقع في "تفسير الطبري " و"ابن أبي حاتم " بإسناد صحيح إلى أبي قتادة قال " فذكر الحديث.
فأقول: هكذا وقع فيه "أبي قتادة"! وهكذا نقله عن "الفتح " مؤلف "تحرير المرأة في عصر الرسالة " (٢/١٨٢)، وهو خطأ مطبعي، والصواب: "قتادة" دون أداة الكنية: " أبي "، ويؤيد ذلك أنه وقع على الصواب في موضعين آخرين من " الفتح ": أحد هما: في " التفسير" قال (٨/ ٦٤٤):
"ووقع عند الطبري من طريق قتادة ".
والآخر: في "الجمعة" قبل الموضع الأول بصفحة (٢/٤٢٣) قال:
"وفي مرسل قتادة عند الطبراني "!
[ ٧ / ٤١٣ ]
كذا وقع فيه، وهو خطأ مطبعي أيضًا؛ بدليل أن محققه علق عليه بقوله:
" وفي المخطوطة: (الطبري) ".
قلت: وهذا هو الصواب الذي يدل عليه ويؤكده تحقيقنا هذا.
فلا أدري لِمَ لَمْ يثبته محققه كما في الأصل؟!
وكذلك أورده السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ٢٢١) من رواية عبد بن حُميد
عن قتادة، ومن روايته عن الحسن- وهو البصري- قال:
"بينا النبي - ﷺ - يخطب يوم الجمعة إذ قدمت عير المدينة فانفضوا " الحديث نحو حديث الترجمة، ليس فيه ذكر الجمعة الثانية والثالثة، وهو الصواب - إن شاء الله تعالى-.
ثم رأيت البيهقي قد أخرج الحديث في "شعب الإيمان " (٥/٢٣٥- ٢٣٦) بسند ضعيف عن مقاتل بن حَيَّان، معضلًا مثل حديث قتادة عند ابن جرير، والله أعلم.
وأخرجه أبو داود في "المراسيل " (١٠٥/٦٢) بسند صحيح عن مقاتل بن حيان قال:
"كان رسول الله - ﷺ - يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين، حتى كان يوم جمعة والنبي يخطب وقد صلى الجمعة، فدخل رجل فقال: إن دِحْيَة بن خليفة قدم بتجارته، وكان دحية إذا قدم تلقاه أهله بالدِّفاف، فخرج الناس، فأنزل الله ﷿: (وإذا رأوا تجارة أو لهوًا انفضوا إليها)، فقدَّم النبيُّ - ﷺ - الخطبة يوم الجمعة وأخَّر الصلاة " الحديث.
قلت: وهذا منكر بهذا السياق مع إعضاله.
[ ٧ / ٤١٤ ]