ثم رأيت حديث الحسن البصري قد أخرجه البيهقي في "الشعب " (٣/١٠٧/٣٠١٩) من طريق الأوزاعي: حدثني داود بن علي: أنه سمع الحسن بن أبي الحسن يقوله:
بينا رسول الله - ﷺ - يخطب الناس يوم الجمعة؛ أقبل شاءٌ وشيء من سمن، فجعل الناس يقومون إليه، حتى لم يبق إلا قليل، فقال رسول الله - ﷺ -:
"لو تتابعتم لتأجج الوادي نارًا ".
قلت: وهذا إسناد حسن مرسل، وداود بن علي: هو ابن عبد الله بن عباس، قال ابن حبان في "الثقات ":
"يخطىء ". وقال الحافظ:
"مقبول ".
قلت: فهو حسن الحديث في الشواهد كما هنا. *
٣١٤٨- (إنَّه قد أُذِن لَكُنَّ أن تَخْرجْنَ لحاجتكنَّ، وفي رواية: لحوائجكُنَّ) .
أخرجه البخاري (١٤٧ و٤٧٩٥ و٥٢٣٧)، ومسلم (٧/٦)، وابن جرير في "التفسير" (٢٨/٣٩)، والبيهقي (٧/٨٨)، وأحمد (٦/٥٦) من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت:
خرجت سودة بعد ما ضُرِبَ الحجاب لحاجتها- وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها-، فرآها عمر بن الخطاب فقال: يا سودة! أما والله! ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين؟! فانكفأت راجعة، ورسول الله - ﷺ - في بيتي، وإنه
[ ٧ / ٤١٥ ]
ليتعشى وفي يده عَرَق، فدخلت فقالت: يا رسول الله! إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا وكذا، قالت: فأوحى الله إليه، ثم رُفع عنه- وإن العرَقَ في يده ما وضعه-، فقال فذكره؛ والسياق للبخاري، والرواية الأخرى للبيهقي، وهي رواية للبخاري.
هذه رواية هشام بن عروة﵀-، وقد خالفه ابن شهاب الزهري﵀- في قوله: ".. بعدما ضرب الحجاب "، فقال الزهري: عن عروة عن عائشة:
أن أزواج النبي - ﷺ - كن يخرجن بالليل إذا تبرَّزن إلى المناصع- وهو صعيد أفيح- فكان عمر يقول للنبي - ﷺ -: احجُبْ نساءك. فلم يكن رسول الله - ﷺ - يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي - ﷺ - ليلة من الليالي عِشاءً- وكانت امرأة طويلة-، فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة! حرصًا على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله آية الحجاب [(يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي) الآية] [الأحزاب/٥٣] .
أخرجه البخاري (١٤٦)، ومسلم أيضًا، والطحاوي في "شرح المعاني " (٢/٣٩٢)، وابن جرير (٢٨/٢٩)، والبيهقي أيضًا، وأحمد (٦/٢٢٣)، والزيادة لابن جرير، وسندها جيد، وعزاها الحافظ (١/٢٤٩) لأبي عوانة في "صحيحه ".
ولها شاهد من حديث أنس في قصة تزوج النبي - ﷺ - زينب المعروفة في "الصحيحين " وغيرهما، وسيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى هنا.
ويرى القارئ الاختلاف بين الروايتين ظاهرًا، ففي رواية هشام أن القصة وقعت بعد نزول آية الحجاب، وفي رواية الزهري أنها نزلت قبلها، قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره " (٣/٥٠٥):
"والمشهور الأول ".
[ ٧ / ٤١٦ ]
وبالغ ابن العربي في "أحكام القرآن " (٣/ ١٥٧٤- ١٥٧٥)، فصرح بضعف رواية الزهري
وأما الحافظ فجمع بين الروايتين، بأن حمل رواية ابن شهاب على أن عمر أراد أولًا الأمر بستر وجوههن، فلما وقع الأمر بوفق ما أراد؛ أحب أن يحجب أشخاصهن مبالغة في التستر؛ فلم يجب لأجل الضرورة، يعني كما في رواية هشام؛ ثم قال:
"وعلى هذا؛ فقد كان لهن في التستر عند قضاء الحاجات حالات:
أولها: بالظلمة؛ لأنهن كن يخرجن بالليل دون النهار، كما قالت عائشة في حديث الزهري: "كن يخرجن بالليل "، وسيأتي في حديث عائشة في "قصة الإفك ": "فخرجت معي أم مسطح قِبل المناصع وهو مُتَبَرَّزُنا، وكنا لا نخرج إلا ليلًا إلى ليل ".
ثم نزل الحجاب فتسترن بالثياب، لكن كانت أشخاصهن ربما تتميز، ولهذا قال عمر لسودة في المرة الثانية بعد نزول (الحجاب): "أما والله ما تخفين علينا".
ثم اتخذت الكُنُف في البيوت فتسترن بها كما في حديث عائشة في "قصة الإفك " أيضًا؛ فإن فيها: "وذلك قبل أن تتخذ الكُنُف "، وكان "قصة الإفك " بعد نزول آية الحجاب ".
قلت: وفي قول الحافظ عن عمر: "فلم يجب؛ لأجل الضرورة" رد على من يزعم قديمًا وحديثًا أن أمهات المؤمنين كان يَحْرُمُ عليهن إبراز أشخاصهن، ولو كن منتقبات متلفعات، وعزا الحافظ هذا الزعم للقاضي عياض، وقال (٨/٥٣٠- ٥٣١):
"ثم استدل بما في "الموطأ": أن حفصة لما توفي عمر سترها النساء عن أن يرى شخصها، وأن زينب بنت جحش جعلت لها القبة فوق نعشها ليستر شخصها".
[ ٧ / ٤١٧ ]
قال الحافظ:
"وليس فيما ذكره دليل على ما ادعاه من فرض ذلك عليهن، وقد كن بعد النبي - ﷺ - يحججن ويطفن، وكان الصحابة ومن بعدهم يسمعون منهن الحديث وهن مُتَسَتِّراتُ الأبدان لا الأشخاص، وقد تقدم في "الحج " قول ابن جريج لعطاء لما ذكر له طواف عائشة: أقبل الحجاب أو بعده؟ قال: قد أدركت ذلك بعد الحجاب ".
وقال في مكان آخر بعد أن ذكر الزعم المذكور باختصار (٩/٣٣٧):
"والحاصل في رد قوله؛ كثرة الأخبار الواردة أنهن كن يحججن ويطفن، ويخرجن إلى المساجد في عهد النبي - ﷺ - وبعده ".
قلت: ووجه قول الحافظ: "وليس فيما ذكره دليل " إلخ: أنه مجرد فعل لا يدل على الفرضية المزعومة، وهذا إن صح ما عزاه القاضي لـ"الموطأ"؛ فإني لم أَرَ ذلك في "الموطأ" المعروف اليوم من رواية يحيى الليثي بعد مزيد البحث عنه؛ والله أعلم.
ولعل من الأدلة التي تؤيد ما قاله الحافظ﵀-: حديث أنس﵁- في سبب نزول آية الحجاب الذي سبقت الإشارة إليه، وقد جاء من طرق عنه بألفاظ مختصرًا ومطولًا، أذكر أحدها من "صحيح البخاري " (٤٧٩٢)، مع زيادات هامة من غيره تناسب المقام، فقال﵁-:
أنا أعلم الناس بهذه الآية - آية الحجاب -: لما أهديت زينب إلى رسول الله - ﷺ - كانت معه في البيت، صنع طعامًا ودعا القوم، فقعدوا يتحدثون، [ورسول الله - ﷺ - جالس، وزوجته مُوَلِّيَةٌ وجهها إلى الحائط]، [وكانت قد أُعطيت جمالًا]، فجعل النبي - ﷺ - يخرج ثم يرجع، وهم قعود يتحدثون، فأنزل الله تعالى: (يا أيها
[ ٧ / ٤١٨ ]
الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه) إلى قوله: (من وراء حجاب)، فضُرب الحجاب، وقام القوم.
وأخرجه مسلم (٤/١٥٠- ١٥١) مطولًا، وكذا الترمذي (٣٢١٧) - وصححه -، والزيادة الأولى لهما، والزيادة الأخرى للطبري في " التفسير" (٢٢/٢٦)، وسندها صحيح.
قلت: وفي هاتين الزيادتين حجة قوية على أن زينب﵂- كانت مكشوفة الوجه، وإلا لم يكن لذكر أنس تولية وجهها إلى الحائط، ووصفه إياها بأنها كانت جميلة فائدة تذكر.
وأما قول مؤلف "تحرير المرأة في عصر الرسالة " (٣/٦٨):
"لو كانت سافرة الوجه لأمرها الرسول الكريم بستره، ولا حاجة لإلقاء الحجاب ومنع أنس من الدخول "!!
وجوابي على ذلك:
أولًا: قوله: "لأمرها بستره " مجرد دعوى لا دليل عليها؛ لأن ستر الوجه من نسائه - ﷺ - قبل نزول آية الحجاب هذه لم يكن واجبًا، حتى يأمرها بستره، وهذا بيّن لا يخفى إن شاء الله تعالى.
ثانيًا: قوله: "ولا حاجة لإلقاء الحجاب.. " فيه مغالطة ظاهرة، على رأيه الذي يدافع عنه بكل تكلف وحرارة، وهو حجب أشخاص زوجاته - ﷺ - خلف ستر لا يرى الرجال أشخاصهن، ولا هن يَرَينَهم! عند التكلُّم معهن.
وأما على ما رجحه الحافظ من أن المقصود حجب البدن لا الشخص؛ فالحاجة للحجاب قائمة أيضًا؛ لأنهن بحكم كونهن يتردد الرجال كثيرًا عليهن
[ ٧ / ٤١٩ ]
لسؤالهن عن أمور دينهم، فلولا الحجاب لوجب عليهن أن يسترن وجوههن كلما سئلن لو دخلوا عليهن، وفي ذلك مشقة ظاهرة وحرج، فرفع ذلك عنهن بالحجاب إذا كن في بيوتهن، أما إذا خرجن من بيوتهن لحاجة ما؛ سترن وجوههن؛ كما في روايات عدة مذكورة في كتابي "جلباب المرأة المسلمة".
هذا، وهناك في السنة أحاديث كثيرة تدل على أن النساء- ومنهن بعض زوجاته - ﷺ -- كن لا يسترن وجوههن قبل نزول آية الحجاب هذه، يتيسر لي الآن منها ثلاثة:
الأول: قال أنس ﵁:
لما انقضت عدة زينب؛ قال رسول الله - ﷺ - لزيد: "فاذكرها عليّ "، قال: فانطلق زيد حتى أتاها، وهي تخمِّر عجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها؛ أن رسول الله - ﷺ - ذكرها، فوليتها ظهري ونكصت على عقبي الحديث نحو ما تقدم، وفيه نزول آية الحجاب.
أخرجه مسلم (٤/١٤٨)، وأحمد (٣/ ١٩٥)، وأبو يعلى (٦/٧٧- ٧٨) .
الثاني: حديث عائشة، وقولها في "قصة الإفك " في صفوان بن المعطِّل السُّلَمي:
".. فرأى سواد إنسان نائم؛ فأتاني حين رآني، وكان قد رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمَّرت وجهي بجلبابي " الحديث بطوله، وهو متفق عليه.
الثالث: عن عائشة أيضًا قالت:
كنت آكل مع النبي - ﷺ - حَيْسًا في قَعْبٍ، فمر عمر﵁-
[ ٧ / ٤٢٠ ]
فدعاه، فأكل، فأصاب إصبعه إصبعي، فقال: حَسِّ، أوّه أوّه! لو أطاع فيكن ما رأتكن عين، فنزلت آية الحجاب.
أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (١٠٥٣)، والنسائي في "الكبرى/ التفسير" (٦/٤٣٥)، والطبراني في "المعجم الصغير" (ص ٤٥- هندية، رقم (٨٠١ - الروض النضير) و"الأوسط " أيضًا (١/١٦٦/٢/ ٣١٠٠ بترقيمي)، وعنه أبو نعيم في "أخبار أصبهان " (١/ ١٨٨) من طريق موسى بن أبي كثير عن مجاهد عنها.
قلت: وإسناده جيد، وقال السيوطي في "الدر المنثور" (٥/٢١٣) - وعزاه لابن أبي حاتم أيضًا والطبراني وابن مردويه-:
"سنده صحيح ".
وقال الهيثمي في "المجمع " (٧/٩٣):
"رواه الطبراني في "الأوسط "، ورجاله رجال "الصحيح "؛ غير موسى بن أبي كثير، وهو ثقة".
وكذا وثقه الذهبي في "الكاشف "، وقال الحافظ في "التقريب ":
"صدوق، رمي بالإرجاء، لم يصب من ضَعَّفَه ".
قلت: وفات الهيثمي أنه في "المعجم الصغير" أيضًا، وسكت الحافظ عن إسناده في "الفتح " (٨/ ٥٣١) مشيرًا إلى تقويته بعدما عزاه للنسائي فقط، وذكره بعد حديث الباب وقصة زينب، وقال:
"ويمكن الجمع بأن ذلك وقع قبل قصة زينب، فلِقُرْبِهِ منها؛ أطلقت (عائشة) نزول الحجاب بهذا السبب، ولا مانع من تعدد الأسباب ".
المقصود أن هذه الأحاديث تبطل دعوى مؤلف "التحرير" المتقدمة بأن زينب لو
[ ٧ / ٤٢١ ]