تقدم، وهو ثقة اتفاقًا، والقاعدة في مثل هذا الحديث التوفيق بينه- بعد ثبوته- وبين ما يعارضه بمثل ما تقدم، وهذا بعينه ما فعله الحافظ نفسه في مثل هذا الحديث من رواية جابر مرفوعًا بلفظ:
"الزبيب والتمر هو الخمر".
وتقدم تخريجه برقم (١٨٧٥)، فقال الحافظ في الصفحة التي بعد الصفحة المشار إليها آنفًا:
"وسنده صحيح، وظاهره الحصر، لكن المراد المبالغة، وهو بالنسبة إلى ما كان حينئذٍ بالمدينة موجودًا كما تقرر في حديث أنس ".
وحديث أنس الذي يشير إليه هو عند البخاري بلفظ:
"حُرِّمَت علينا الخمر حين حرمت؛ وما نجد- يعني: بالمدينة- خمر الأعناب
إلا قليلًا، وعامة خمرنا البسر والتمر". *
٣١٦٠- (كانَ يقولُ في دُبُرِ الصَّلاةِ إذا سلَّم قبْلَ أنْ يقومَ، يرفعُ بذلكَ صوتَه:
لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لَهُ، لَهُ الملكُ، وله الحمدُ، وهو على
كلِّ شيءٍ قديرٌ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، لا إلهَ إلا اللهُ، [و] لا نعبدُ إلا إيَّاهُ، له النعمةُ، وله الفضلُ، وله الثناءُ الحسنُ، لا إله إلا اللهُ مخلصينَ لَهُ الدِّينَ، ولو كَرِهَ الكافِرُونَ) .
أخرجه الطبراني في " الدعاء " (٢/١١٠٧/٦٨١): حدثنا عبد الرحمن بن سلم (الأصل: مسلم!) الرازي: ثنا سهل بن عثمان: ثنا جُنادة بن سلم عن
[ ٧ / ٤٥٢ ]
عبيد الله بن عمر عن نافع عن محمد بن مسلم أبي الزبير قال: سمعت عبد الله ابن الزبير يقول فذكره.
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات رجال مسلم من فوق الرازي؛ غير جنادة؛ وهو صدوق يغلط.
وأما عبد الرحمن بن سلم الرازي؛ فهو ابن محمد بن سلم الرازي، نُسب إلى جده، وله ترجمة في " طبقات الأصبهانيين "، و" أخبار أصبهان "، و"تذكرة الحفاظ " وقال:
"كان من الثقات ".
وروى له الطبراني في "المعجم الأوسط " ستةً وعشرين حديثًا (٤٨٦٤-
٤٨٩٠) .
والحديث أخرجه مسلم، وأبو عوانة في "صحيحيهما" وغيرهما من طرق عن
أبي الزبير به، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (١٣٥٠ و١٣٥١)، وزادوا:
"وكان رسول الله - ﷺ - يهلل بهنَّ دُبُرَ كل صلاة".
وأخرجه كذلك ابن حبان في "صحيحه " (٣/٢٢٨- ٢٢٩/٢٠٠٥- ٢٠٠٧) .
وأخرجه الشافعي في "الأم " (١/ ١١٠)، ومن طريقه: البغوي في "شرح السنة" (٣/٢٢٦/٧١٦) من طريق موسى بن عقبة عن أبي الزبير به؛ وزاد الشافعي:
"يقول بصوته الأعلى: لا إله إلا الله " إلخ.
وهي بمعنى زيادة مسلم وغيره: "يهلل.. "؛ أي: يرفع صوته.
[ ٧ / ٤٥٣ ]
ورواه المحاملي في "الأمالي " (٢١١/١٩٧) من طريق أخرى عن عبد الله بن الزبير بلفظ: "يصيح بذلك صياحًا عاليًا "؛ وسنده ضعيف.
ويشهد لرفع الصوت- بهذا الذكر أو بغيره مما ثبت عنه - ﷺ -- قول ابن عباس:
إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي - ﷺ -، وكنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته.
رواه الشيخان وأبو عوانة وغيرهم، وهو مخرج في "صحيح سنن أبي داود" (٩٢٠- ٩٢١) . وفي رواية لهم:
"كنت أعرف انقضاء صلاة النبي - ﷺ - بالتكبير" ٠
قلت: ورواية التكبير هذه لعلها رواية بالمعنى، والمحفوظ الرواية التي قبلها:
" الذكر"، فإن الأ ذكار الواردة في " الصحيحين " وغيرهما من " السنن "، و"المسانيد"، و"المعاجم "، وغيرها على كثرتها، وقد استوعب الحافظ الطبراني جَمعًا غفيرًا منها في "جامع أبواب القول في أدبار الصلوات " من كتابه "الدعاء" (٢/١٠٨٦- ١١٣٦)، وليس في شيءٍ منها أنه - ﷺ - كان يكبِّربعد المكتوبة، حتى ولا في الأذكار التي حض أمته على أن يقولوها دبر الصلوات، اللهم إلا حديثًا واحدًا في قراءة آية: (الحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا) الآية، إلى قوله تعالى: (وكبِّره تكبيرًا) [الإسراء: ١١١] .
تفرد به الطبراني، وهو حديث منكر كما بينته في "الضعيفة" (٦٣١٧) .
ثم إن الأصل في الأذكار خفض الصوت فيها، كما هو المنصوص عليه في الكتاب والسنة إلا ما استثني، وبخاصة إذا كان في الرفع تشويش على مصلٍّ أو ذاكر، ولا سيما إذا كان بصوت جماعي كما يفعلون في التهليلات العشر في
[ ٧ / ٤٥٤ ]
بعض البلاد العربية، غير مبالين بقوله - ﷺ -:
"يا أيها الناس! كلكم يناجي ربَّه، فلا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة؛ فتؤذوا المؤمنين ".
وهو حديث صحيح: رواه مالك، وأبو داود، وابن خزيمة وغيرهم، وهو مخرج
في "صحيح سنن أبي داود" (١٢٠٣)، وبوب له ابن خزيمة بقوله (٢/١٩٠):
"باب الزجر عن الجهر بالقراءة في الصلاة إذا تأذى بالجهر بعض المصلين غير الجاهر بها".
ولهذا؛ قال الإمام الشافعي في "الأم " (١/ ١١٠) - عقب حديث ابن عباس
المذكور-:
"وأختارُ للإمام والمأموم أن يذكر الله بعد الانصراف من الصلاة؛ ويخفيان الذكر إلا أن يكون إمامًا يحب أن يُتعلَّم منه، فيجهر حتى يرى أنه قد تُعلِّم منه ثم يُسِرُّ؛ فإن الله ﷿ يقول: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) [الإسراء: ١١٠] يعني- والله تعالى أعلم-: الدعاء، (ولا تجهر): ترفع، (ولا تخافت): حتى لا تسمع نفسك، وأحسب أن ما روى ابن الزبير من تهليل النبي - ﷺ -، وما روى ابن عباس من تكبيره.. إنما جهر قليلًا ليتعلم الناس منه، وذلك؛ لأن عامة الروايات التي كتبناها- مع هذا وغيرها- ليس يُذكر فيها بعد التسليم تهليل ولا تكبير، وقد يذكر أنه ذكر بعد الصلاة بما وصفت، ويذكر انصرافه بلا ذكر، وذكرت أم سلمة مكثه ولم يذكر جهرًا، وأحسبه لم يكن إلا ليذكر ذكرًا غير جهر".
قلت: وهذا غاية في التحقيق والفقه من هذا الإمام جزاه الله خيرًا.
[ ٧ / ٤٥٥ ]