"وقد تقدم لأبي بن كعب كائنة مثل هذه أيضًا، فهذه ثلاث وقائع ".
قلت: ففي تعقيب ابن كثير هذا إشارة إلى تقويته لرواية النسائي؛ لاتصالها، ووجه ذلك في علم المصطلح؛ أنه إذا اختلف ثقتان في إسناد حديث ما، فأرسله أحدهما، وأسنده الآخر؛ فالراجح رواية من أسند، وذلك؛ لأن معه زيادة، وزيادة الثقة مقبولة، وهذا هو الواقع هنا في حديث النسائي ورواية ابن مردويه؛ فإنه عند الأول من حديث شعيب بن حرب، وعند الآخر من حديث مسلم بن إبراهيم، وكلاهما ثقة؛ لكن كتاب النسائي مخدوم ومعتنى بروايته، ولا نعلم مثله في كتاب ابن مردويه، والله سبحانه أعلم.
ثالثًا: قوله: "ثم إني لم أجد " إلخ.
فأقوله: وماذا وراء هذه الدعوى؟! هل أنت من حفاظ الحديث، وأنت فيه ابن اليوم؛ كما يقال في بعض البلاد، وكما تدل عليه أخطاؤك الكثيرة في تعليقك على "الرياض "، وهذا بعضها، والحبل جرار كما يقال، وتقدمت بعض الأمثلة الأخرى، فانظر "الصحيحة" (رقم ٩٤٤) ومقدمة المجلد الثاني من الطبعة الجديدة، ورقم (٣٠٠٧) ! *
٣١٦٣- (كانَ إذا خرجَ من بيته قال:
بسم الله، توكلتُ على الله، اللهمَّ! إنَّا نعوذُ بكَ أن نَزِلَّ (وفي رواية: أَزلَّ، أو أُزِلَّ بالإفراد في الأفعال كلها)، أو نَضِلَّ، أو نَظلِمَ أو نُظْلمَ، أو نجهلَ أو يُجْهلَ علينا) .
هو من حديث أم سلمة- رضي الله تعالى عنها-: رواه عنها الشعبي، وعنه
[ ٧ / ٤٨٦ ]
منصور- وهو ابن المعتمر- وعنه جمع غفير من الثقات، فهو عنه متواتر، وإليك البيان:
الأول: سفيان الثوري- وهو أحفظهم-:
أخرجه الترمذي (٩/١٢٦/٣٤٢٣)، والنسائي في "السنن " (٢/٣٢٢)، و"عمل اليوم والليلة " (١٧٦/٨٧)، وكذا ابن السني (٧٢ ١)، والحاكم (١/٥١٩)، وابن أبي شيبة في "المصنف " (١٠/٢١١/٩٢٥٠)، وأحمد (٦/٣٠٦)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٣/٣٢٠/٧٢٧) وفي "الدعاء" (٢/٩٨٦/٤١١) من طرق عنه، وقال الترمذي:
"حديث حسن صحيح ".
وقال الحاكم:
"صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وربما توهم متوهم أن الشعبي لم يسمع من أم سلمة، وليس كذلك؛ فإنه دخل على عائشة وأم سلمة جميعًا؛ ثم أكثر الرواية عنهما جميعًا ".
كذا قال! وتعقبه الحافظ في "نتائج الأفكار" فقال عقبه (١/١٥٩):
"وقد خالف ذلك في "علوم الحديث " له، فقال: لم يسمع الشعبي من عائشة".
قلت: هكذا قال الحاكم في "العلوم " (ص ١١١)، ولكن مما لا ريب فيه أن إثبات الحاكم مقدَّم على نفيه، ولا سيّما أن ما نفاه خاص بعائشة، وحديثه هنا عن أم سلمة، وقد تأخرت وفاتها عن وفاة عائشة خمس سنوات، فقد توفيت أم
[ ٧ / ٤٨٧ ]
سلمة سنة (٦٢) على الأصح، وولد الشعبي في حدود سنة عشرين، فقد عاصرها وأدرك عمرًا طيبًا من حياتها، وقول الحافظ عقب ما تقدم:
"وقال علي بن المديني في كتاب "العلل ": لم يسمع الشعبي من أم سلمة، وعلى هذا فالحديث منقطع ":
أظنه قائمًا على اشتراط ثبوت اللقاء الذي يقول به البخاري في " صحيحه " في ثبوت الاتصال، ولعله تلقى ذلك من شيخه ابن المديني، والجمهور يكتفون بثبوت المعاصرة، وهذا متحقق هنا كما تقدم، يضاف إلى ذلك ما جاء في ترجمة الشعبي: "أنه سمع من ثمانية وأربعين من الصحابة، وهو أكبر من أبي إسحاق بسنتين، وأبو إسحاق أكبر من عبد الملك بسنتين، ولا يكاد الشعبي يرسل إلا صحيحًا ".!
ذكره الحافظ في "التهذيب "، نقلًا عن العجلي، وأقره.
فلعله- أعني: الحافظ- من أجل هذا صدّر تخريجه للحديث بقوله:
"حديث حسن ".
وإلا؛ فحقه أن يقول- بناءً على حكمه بالانقطاع-:
"حديث ضعيف "! والله أعلم.
الثاني: شعبة بن الحجاج، قال الطيالسي في "مسنده " (٢٢٤/١٦٠٧):
حدثنا شعبة به.
ومن طريقه: أخرجه أبو داود (٥/٣٢٧/٥٠٩٤)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة " (رقم ٨٦)، وأحمد (٦/٣٢١- ٣٢٢)، والطبراني في "معجمه" (رقم٧٢٦)
[ ٧ / ٤٨٨ ]
وفي "الدعاء" (رقم ٤١٢) من طرق عنه، وليس عندهم قوله: "بسم الله، توكلت على الله "، إلا أحمد؛ فعنده: "بسم الله " فقط، وزاد أبو داود والطبراني في أوله ما لفظه:
ما خرج من بيته قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: "اللهم إني أعوذ بك أن أضل، أو أزل أو أزل " الحديث إلخ، هكذا بصيغة الإفراد.
أخرجه المذكوران من طريق مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، وهو ثقة، لكن تفرُّده بجملة رفع الطرف إلى السماء دون الطرق الأخرى عن شعبة يلقي في النفس عدم الاطمئنان لثبوتها، ولا سيما أنها لم ترد في الطرق الأخرى الآتية عن منصور، إلا في بعض الطرق عن الفضيل بن عياض- وهو (الخامس) - وفيه ما سيأتي.
الثالث: جرير- وهو ابن عبد الحميد- عن منصور به، وزاد التسمية فقط: أخرجه النسائي، والبيهقي في "السنن " (٥/٢٥١) .
الرابع: عبيدة بن حميد عنه: أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف " (١٠/ ٢١١/٩٢٤٩)، وعنه ابن ماجه (٢/١٢٧٨/٣٨٨٤)، وكذا الطبراني (رقم ٧٣٢) كلاهما عنه قال: حدثنا عبيدة بن حميد به؛ بلفظ الإفراد في جميع الأفعال. الخامس: فُضَيل بن عِيَاض؛ قال الحميدي في "مسنده " (١٤٥/٣٠٣): ثنا
فضيل بن عياض عن منصوربه كالذي قبله.
وأخرجه الطبراني في "الدعاء"، وأبو نعيم في "الحلية " (٨/١٢٥) من طرق أخرى عن الفضيل به، إلا أن الطبراني زاد الزيادة المتقدمة التي عند أبي داود والطبراني في حديث شعبة (الثاني)، لكنه من طريق محمد بن زياد الزيادي وأحمد بن يونس قالا: ثنا الفضيل بن عياض به، وقال: "صباحًا" مكان "قط "!
[ ٧ / ٤٨٩ ]
قلت: وأحمد بن يونس: هو ابن عبد الله بن يونس اليربوعي الكوفي، ثقة حافظ من رجال الشيخين، لكن قرينه محمد بن زياد الزيادي فيه ضعف،
استشهد به البخاري، وذكره ابن حبان في " الثقات "، وقال ابن منده:
"ضعيف ".
قلت: فمن المحتمل أن تكون هذه الزيادة منه: من مفاريده لم يشاركه عليها أحمد بن يونس، ويكون الطبراني عطف روايته على رواية الزيادي لمشاركته إياه في أصل الرواية وليس في الزيادة أيضًا؛ والسند إليهما صحيح؛ فقد قال (رقم ٤١٣): حدثنا زكريا بن يحيى الساجي: ثنا محمد بن زياد الزيادي. ح وحدثنا أبو حصين القاضي: ثنا أحمد بن يونس قالا: ثنا الفضيل بن عياض به.
وأبو حصين القاضي: هو عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي
وهو يروي عن أبيه- كما هنا- وعبثر بن القاسم، وساق له الحافظ المزي عن أبيه بسند له آخر عن أبي ذر حديثًا آخر، وقال:
"ولا نعرف له عن أبيه، ولا عن غير أبي زبيد حديثًا غير هذا، وقد وقع لنا بعلو عنه "!
قلت: فيستدرك عليه هذا، وهو ثقة كما قال النسائي والحضرمي، ويحيى بن زكريا الساجي حافظ ثقة مشهور. فهذا كله يحملني على أن أعصب الوهم في تلك الزيادة بـ (الزيادي)، ولا سيما وقد خالف الطريق المتقدمة عن شعبة بلفظ:
"قط "، فقال الزيادي: "صباحًا" كما تقدم، ولا يخفى الفرق بينهما على أحد إن
شاء الله تعالى.
وإن افترضنا أنه تابعه عليه أحمد بن يونس، فنقول حينئذٍ ما قلناه في رواية الفراهيدي عن شعبة: إنها شاذة؛ لمخالفته لرواية الحميدي عن الفضيل، ومتابعة
[ ٧ / ٤٩٠ ]
القواريري عنه في "الحلية " أولًا، ولرواية الجماعة عن منصور ثانيًا.
السادس: إدريس الأودي عن منصور نحوه.
أخرجه الطبراني (برقم ٧٢٨) وفي "الدعاء" (٤١٥) قال: حدثنا محمد بن عمرو
ابن خالد الحرَّاني. ثنا أبي عن موسى بن أعين عنه به، لكن من قوله - ﷺ - بلفظ:
"إذا خرجت من منزلك، فقل "، فذكر الدعاء بالإفراد.
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات رجال البخاري؛ غير محمد بن عمرو بن خالد الحراني، شيخ الطبراني، فلم أجد له ترجمة، فلعله هو الذي قلب هذا الدعاء
فجعله من أمره - ﷺ -، خلافًا لكل من رواه عن منصور ممن تقدم ذكره ويأتي، حيث جعلوه من فعله - ﷺ -، وهو الصواب.
ولعله اختلط عليه بحديث آخر في الباب عن أنس نحوه، وهو حديث
صحيح، كما في "الكلم الطيب " (٤٩/٥٨)، وحسنه الحافظ في "النتائج " (١/١٦٣)، وفيه قوله: "بسم الله توكلت على الله ".
ثم رأيتُ في "السير" (١٠/٤٢٨) واصفًا إياه في ترجمة أبيه بـ "الإمام ".
السابع: مِسْعَرُ بْنُ كِدَام عن منصور به كرواية الجماعة بلفظ الإفراد، كما في حديث (الرابع)، وزاد: " أو أُزَلَّ ".
أخرجه الطبراني في "الدعاء" (٧٣١)، وفي "الكبير" أيضًا (٤١٦) ولكنه لم يسق لفظه، ووقع فيه: "معمر" مكان: "مسعر بن كدام "! وهو خطأ من الناسخ أو الطابع.
الثامن: القاسم بن معن عنه مثل الذي قبله، دون الزيادة.
أخرجه الطبراني في "الدعاء" (٤١٤): حدثنا سليمان بن المُعَافَى بن
سليمان: حدثني أبي: ثنا القاسم بن معن.
[ ٧ / ٤٩١ ]
قلت: ورجاله ثقات؛ غير سليمان بن المعافى، قال الذهبي:
"قال ابن عدي: لم يسمع من أبيه شيئًا، فحملوه على أن روى عنه ". قلت: فعلى هذا تكون روايته عن أبيه وجادة.
وأقول: لم يذكر هو ولا الحافظ في "اللسان " غير هذا، ويبدو لي أنه من شيوخ الطبراني المقلِّين؛ فإنه لم يرو عنه في "المعجم الأوسط " سوى ثلاثة أحاديث (٣٧٩٠- ٣٧٩٢)، وروى له في "الصغير" (٤٢٠ - الروض) رابعًا، وهذا هو الخامس.
التاسع: أبو الأحوص عن منصور به نحوه، وفيه التسمية.
أخرجه الخطيب في "التاريخ " (١١/ ١٤١) .
ولعل من المفيد- بعد هذا التخريج المبسط والتحقيق- أن نلخص فوائده فيما يأتي:
الأولى: أن الحديث صحيح عن أم سلمة﵂-، وأن ما أُعِلَّ به من الانقطاع لا يقدح في صحته، ولا سيما وقد صححه الترمذي والحاكم
والذهبي، وحسنه الحافظ، ثم رأيت النووي قد صححه أيضًا في "الأذكار".
الثانية: أن زيادة: "بسم الله توكلت على الله " ثابتة فيه، وإن تفرد بها سفيان الثوري؛ فإنه جبل في الحفظ، ويشهد له حديث أنس المذكور آنفًا، وتوبع سفيان على التسمية فيه من غير ما واحد كما تقدم.
الثالثة: أكثر الرواة على إفراد الأفعال فيه، وزاد بعضهم: "أو أُزل "، ولعل ذلك أرجح.
الرابعة: أن زيادة: "رفع طرفه إلى السماء" لا تصح؛ لعدم اتفاق الرواة عن شعبة عليها، ومخالفتهما لرواية الآخرين الثقات. ثم هي مخالفة للأحاديث
[ ٧ / ٤٩٢ ]