الحمد لله رب العالمين، والصلوات الطيِّبات على سيد المرسلين، وعلى أصحابه الغرِّ الميامين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛ فهذه هي الطبعة الجديدة للمجلَّد الأول من كتابي "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة " نقدمها اليوم إلى القراء الكرام، المتتبِّعين بشغَفٍ زائد في كل بلاد الِإسلام؛ لمؤلَّفاتي التي كتب الله تعالى لها القبول التام، بين الأنام، المخلصين منهم في كل مكان، رغم أنف كل حاسد أو حاقد مطعان. " ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا وعَلَى النَّاس ولكنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرونَ ". " قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ [فَبِذَلِكَ] (*) فَلْيَفْرَحُوا [هُوَ] (*) خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُون ".
وإن من هذا الفضل الِإلهيِّ أنه تعالى وفَّقني لِإخراج هذه الطبعة متميزة عن سابقاتها بزيادة فوائد عديدة؛ حديثية وفقهية، وبإضافة مصادر جديدة لبعض الأحاديث والتراجم، يعود الفضل فيها- بعد الله ﵎- لبعض إخواننا المكيِّين وغيرهم، جزاهم الله تعالى خيرًا.
ولما كان من طبيعة البشر التي خلقهم الله عليها العجز العلمي
_________________
(١) [تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة] (*) سقطت من المطبوع أسامة بن الزهراء - فريق عمل الموسوعة الشاملة
[ ١ / ٣ ]
المشار إليه في قوله تعالى: "وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ إِلّاَ بِما شَاءَ"؛ كانَ بدهيّا جدًّا أن لا يجمُدَ الباحث عند رأي أو اجتهاد له قديم، إذا ما بدا له أن الصواب في غيره من جديد، ولذلك نجد في كتب العلماء أقوالًا متعارضة عن الِإمام الواحد؛ في الحديث وتراجم رواته، وفي الفقه، وبخاصة عن الِإمام أحمد، وقد تميز في ذلك الِإمام الشافعي بما اشتهر عنه أن له مذهبين: قديم وحديث.
وعليه؟ فلا يستغربنَّ القارئ الكريم تراجعي عن بعض الآراء والأحكام التي يُرى بعضها في هذا المجلد تحت الحديث (٦٥) عند الكلام على حديث: " لا تذبحوا إلا مسنة "، وغير ذلك من الأمثلة؛ فإن لنا في ذلك بالسلف أسوة حسنة.
وإن مما يساعد على ذلك فوق ما ذكرت من العجز البشري- أننا نقف ما بين آونة وأخرى على مطبوعات جديدة. كانت أصولها في عالم المخطوطات أو المصورات، بعيدة عن متناول أيدي الباحثين والمحققين، إلا ما شاء الله منها لمن شاء، فيساعد ذلك مَن كان مهتمًا بالوقوف على هذه
المطبوعات والاستفادة منها على التحقيق أكثر من ذي قبل.
ولهذا وذاك هو السر في بروز كثير من التصحيحات والتعديلات على بعض ما يطبع من مؤلفاتي الجديدة، أو ما يعاد طبعه منها. كهذا المجلد الذي بين يديك، وينتقدني لذلك بعض الجهلة الأغرار، كذلك السقاف هداه الله.
ومن الشواهد على ذلك ما تفضل الله به علي، ووفقني إليه، أنني
[ ١ / ٤ ]
رفعت من هذا المجلد إلى "الأحاديث الصحيحة" حديثين اثنين:
أحدهما: الذي كان في الطبعات السابقة مقرونًا برقم (١٧٦) بلفظ:
" كل بناء وبال على صاحبه ".
فرفعته إلى "الصحيحة" (٢٨٣٠)، والسبب في ذلك أنني كنت قلت في راويه أبي طلحة الأسدي:
" لم يوثقه أحد ".
وذلك ثقة مني بالحافظ ابن حجر؛ فإنه لم يحك توثيقه عن أحد، ولقوله عنه في "التقريب ": "مقبول "!
فكتب أحد إخواني المكلَّفين بالنظر في الكتاب لِإعداده لهذه الطبعة: أن الهيثمي قد أورده في كتابه: "ترتيب ثقات ابن حبان "، فرجعت إلى أصله: " الثقات "، فوجدته فيه، وتابعت البحث والتحقيق، فتبيَّن لي أنه صدوق، وأن الحافظ كان في قوله المذكور غير مصيب. كما فصلت ذلك في المجلد السادس من "الصحيحة"، يسر الله لنا طبعه بمنه وكرمه، كما يسر لنا طبع الخامس منه، وهو وشيك الصدور إن شاء الله تعالى.
والحديث الآخر (٣١٦):
"إن أهل الشبع في الدنيا هم أهل الجوع في الآخرة".
استبدلته بغيره. كما سيأتي لأنني تذكرت أنني كنت خرجته فيما بعد في "الصحيحة" (٣٤٣) من طرق كما كنت نبهت هناك.
وقد يقع مثله في غير هذين الحديثين، كما يمكن أن يقع عكس ذلك
[ ١ / ٥ ]
تمامًا، فرحم الله عبدًا دلَّني على خطئي، وأهدى إليَّ عيوبي. فإن من السهل على- بإذنه تعالى وتوفيقه- أن أتراجع عن خطأ تبيَّن لي وجهه، وكتبي التي تطبع لأول مرة، وما يُجَدَّد طبعُه منها أكبرُ شاهد على ذلك، ولا نذهب بالقراء بعيدًا، فبالإِضافة إلى ما سبق بيانه حول الحديثين المذكورين آنفًا فقد تراجعت عن قولي في (كنانة) راوي حديث التسبيح بالحصى: "مجهول الحال " إلى أنه صدوق أيضًا؛ كما سيرى القراء تحت الحديث (٨٣): "نعم المذكر السُبحة "، مع التنبيه أن حديثه بقي على ضعفه السابق؛ لتفرد راوٍ آخر به، وهو ضعيف، ورددت هناك على المصري الجاهل الذي انتصر للشيخ الحبشي في رسالة ذهب فيها إلى سنِّية التسبيح بالسبحة!
وبهذه المناسبة أقول:
إني أنصح كل من أراد أن يرد عليَّ- أو على غيري- ويبيًن لي ما يكون قد زلَّ بهِ قلمي، أو اشتط عن الصواب فكري، أن يكون رائده من الرد النصح والإِرشاد، والتواصي بالحق، وليس البغضاء والحسد، فإنها المستأصلة للدِّين. كما قال - ﷺ -:
"دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم: البغضاء والحسد، والبغضاء هي الحالقة، ليس حالقة الشعر، ولكن حالقة الدين ".
كما هو شأن ذوي الأهواء والبدع مع أهل الحديث وأنصار السنة في كل زمان ومكان، وكما فعل معي بالذات كثير منهم- ولا يزالون مع الأسف- كالأعظمي، والغماري، ومَن نحا نحوهم من المتعصبة الجهلة!
[ ١ / ٦ ]
كذاك السقاف، وقد انبرى له أخونا الحلبي بـ " الأنوار الكاشفة"، فلتراجع.
وإن من المؤسف حقًا أن تسري عدوى هؤلاء المبتدعة إلى بعض مَن يُظَنُّ أنه من أهل السنة؛ لِإقامته بين ظهرانيهم، فيضع يده في يدهم، ويرفع صوته مع أصواتهم في الرد على من ينصر السنة ويتبعها، وينكرا البدعة ويحاربها، وهو الشيخ إسماعيل الأنصاري، الباحث في دار الِإفتاء في الرياض، فإن هذا الرجل يبدو أنه لشدة ما يضمر في قلبه من البغض والحقد أن السنة لا تجمعه معنا؛ لأنه من غير المعقول أن يفتري السني على أحد من أعداء السنة، فكيف يعقل أن يفتري على من كان مشهورًا بين أهل السنة بأنه من أهلها، ومُحارَبًا أشد المحاربة من أعدائها؟! فقد سبق لهذا الرجل أن كتب ضدي في مسألة الذهب المحلق، وركعات التراويح، ولم يلتزم في ذلك المنهج العلمي، بل إنه بثَّ في أثنائهِ كثيرًا من إفكه وجدله بالباطل، كما كنت كشفت عنه في ردي عليه في مقدمة "آداب الزفاف " طبع المكتبة الِإسلامية في عمان (١)، ومقدمة رسالتي " قيام رمضان " بما كنت أظن أنه يكون رادعًا له أن يعود إلى ذلك مرة أخرى، فإذا به يفجأ الناس برسالة صغيرة أسماها "الانتصار لشيخ الِإسلام محمد بن عبد الوهاب بالرد على مجانبة الألباني فيه الصواب "، يتهمني فيها بتهمة جديدة، ويزعم (ص ٧ و٢٥) أنني شنعت على الشيخ ﵀ وانتهكت
_________________
(١) هذه الطبعة هي الشرعية، وأما طبعة المكتب الِإسلامي الجديدة؛ فهي غير شرعية. لأنها مسروقة عن الأولى، وحق الطبع للمؤلف يعطيه من يشاء، ويمنعه مَن لا يتقي الله، ويتلاعب بحقوق العباد، كما أن في هذه الطبعة المسروقة تصرفًا بزيادة ونقص، والله المستعان، وإليه المشتكى من فساد أهل هذا الزمان.
[ ١ / ٧ ]
حرمته! كما يتهمني (ص ١٥) أنني نسبت الشيخ إلى التساهل من ناحية العقيدة، وذلك كلُّه بَهْت وافتراءٌ. عامله الله بما يستحق.
وليس غرضي في لهذه المقدمة الرد عليه في هاتين الفريتين، فقد كفاني في ذلك الأخ الفاضل علي حسن عبد الحميد الحلبي في رسالته القيمة في التعقيب على رسالة الأنصاري المذكورة، وبيان ما فيها من الأخطاء الكثيرة، وهي مطبوعة، فليرجع إليها من شاء الوقوف على الحقيقة، فإنه سيرى مع ذلك الفرق الشاسع بين رد الأنصاري وتهجمه علي، ورد صاحبنا عليه، وتأدبه معه تأدبًا لا يستحقه الأنصاري لبغيه واعتداءاته المتكررة.
وإنما غرضي هنا أن أرد عليه انتصاره للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀. الذي جعل من آداب المشي إلى المسجد أن يقول: " اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا " إلخ الدعاء المعروف في الحديث الآتي بيان ضعفه، والكشف عن علله برقم (٢٤)، فانتصب الشيخ الأنصاري- هداه الله- لتمشية احتجاج الشيخ محمد بن عبد الوهاب به بتقوية الحديث، والرد علي لتضعيفي إياه بأسلوب يتبين لكل ذي لب أنه لم يكن فيه باغيًا للحق، وإنما الانتصار للشخص، والتشفي ممن يحسده ويحقد عليه! وأنا ذاكر هنا بإيجاز ما اعتمد عليه في ذلك مع الكر عليه بإبطاله، فأقول:
أولًا: قال (ص ٩):
"رواية الأجلاء من حفاظ الحديث دون تنبيه على علتيه ".
ثم سوَّد خمس صفحات (٩- ١٤) في تخريج الحديث دون فائدة
[ ١ / ٨ ]
تذكر؛ لأنهم جميعًا أخرجوه من الطريق المعلول!
ثم أعاد كلامه هذا في الصفحة (١٥) !
وهو يعني بذلك أن سكوت هؤلاء الأجلاء قدوة حسنة للشيخ محمد ابن عبد الوهاب في سكوته عن الحديث!
وليس يخفى على كل ناشئ في هذا العلم أن هذا من أبطل الباطل. لأن لازِمَه أن أئمة الحديث كأصحاب السنن والمسانيد وغيرها إذا ساقوا الأحاديث بأسانيدهم ساكتين عنها أنه لا علة فيها! فهل يقول بهذا من رزقه الله ذرة من العلم، أو الخشية من الله " أَمْ عَلى قُلوبٍ أقْفالُها"؟
وأهل العلم يعلمون أن المحدِّثين إذا ساقوا الأحاديث بأسانيدها فقد برئت ذمتهم، ورُفعت المسؤولية عنهم، ولو كان فيها أحاديث ضعيفة؛ بل موضوعة، وليس كذلك من ساق الحديث دون إسناده، فعليه أن يبين حاله مقابل حذفه لِإسناده، وبخاصة إذا ساقه محتجًا به، ولو ذكر من أخرجه كما يفعل بعض الفقهاء المتأخرين، فأين هذا من صنيع المحدثين؛ الناصحين للأمة بروايتهم الأحاديث بأسانيدها التي تكشف عن مراتبها؟!
ثانيًا: قال (ص ١٧):
"تقوية بعض روايات الحديث، والجواب عن إعلاله بعطية وفضيل ".
وخلاصة جوابه يعود إلى أمرين:
الأول: تقوية حال عطية!
[ ١ / ٩ ]
والآخر: تحسين الحافظ وغيره للحديث!
١- وجوابي عن الأول: أنه اعتمد في ذلك على قول الحافظ في " تخريج أحاديث الأذكار":
"ضَعْفُ عطية إنما جاء مِن قِبَل التشيع، ومِن قِبَل التدليس، وهو في نفسه صدوق، وقد أخرج له "، وذكر بعض أصحاب السنن وغيرهم (١) .
وقد تعامى الأنصاري عن حقيقتين علميتين هامتين. كما فعل قبله الكوثري وغيره من المتعصبة وأهل الأهواء؛ كما سيأتي في الكتاب:
الحقيقة الأولى: تضعيف، الجمهور لعطية من المتقدمين والمتأخرين، بل وإجماع المتأخرين منهم على ذلك. كالنووي، وابن تيمية، وغيرهم مما هو مذكور في رسالتي "التوسل " (ص ٩٤)، ونقل إجماعهم على ذلك أعلم الناس بالتراجم، وهو الحافظ الذهبي في "المغني " (٢)، ومنهم الحافظ ابن حجر نفسه في كتابه المختص في رجال الستة "التقريب "، فقال فيه:
"صدوق، يخطئ كثيرًا، كان شيعيًا مدلسًا".
وأما أقوال المتقدمين منهم فتجدها مفصلة في رسالة أخينا الحلبي، (ص ٣٥- ٤٣)، ولا بأس من سرد أسمائهم؛ ليتجلى للقارئ الهوة السحيقة التي هوى فيها الشيخ الأنصاري على منخره تشفيًا من الألباني!
_________________
(١) ونقله الزبيدي بمعناه في "شرح الِإحياء" (٥/٨٩) !
(٢) وسبقه إلى ذلك شيخه ابن تيمية، فقال في رسالته في التوسل: "وهو ضعيف بإجماع أهل العلم ". انظر: "مجموع الفتاوى" (١/ ٢٨٨) .
[ ١ / ١٠ ]
" وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ "، وهاهي الأسماء:
١- سفيان الثوري
٢- هُشيم
٣- أحمد بن حنبل
٤- ابن معين
٥- البخاري
٦- أبو داود
٧- النسائي
٨- أبو حاتم.
٩- أبو زرعة.
١٠- ابن حبان.
١١- الساجي.
١٢- الدارقطني.
١٣- الحاكم.
١٤- البيهقي.
١٥- ابن حزم.
ومن أسماء الأئمة المتأخرين:
١- ابن الجوزي
٢- النووي
٣- ابن تيمية.
٤- ابن قيم الجوزية
٥- الزيلعي
٦- ابن عبد الهادي.
٧- الذهبي.
٨- الهيثمي.
٩- ابن حجر نفسُه!
١٠- البوصيري.
١١- محمد بن عبد الوهاب نفسُه!
وغير هؤلاء كثير، لو توسعنا في الاستقصاء لجاوز عددهم الثلاثين.
لقد سَمَحَتْ- إن لم نقل: سوَّلَتْ- للأنصاري نفسُه أن
يخالفهم في سبيل الطعن والتشهير بالألباني الذي اعتصم بحبلهم، مستغلًا
في ذلك زلةً لأحدهم، وقولًا للآخر.
[ ١ / ١١ ]
أما الزلة. فهي قول ابن حجر المتقدم: إن ضعف عطية جاء من قبل تشيعه وتدليسه! وهذا مردود لمخالفته لأقوال أولئك الأئمة، بل ولقوله هو نفسه الذي هو خلاصة أقوالهم في عطية، ففد قال في "التقريب ":
"صدوق، يخطئ كثيرًا، كان شيعيًّا مدلسًا".
فقد أضاف إلى الصفتين السابقتين والمذكورتين هنا أيضًا صفة ثالثة، هي أنه "يخطئ كثيرًا".
ونحو قوله في "طبقات المدلسين ":
"ضعيف الحفظ "!
وهذا الوصف يعني أن حديث عطية يلازمه الضعف، ولو فرض أنه لم يدلس. لسوء حفظه. ولهذا ينافي تحسين حديثه؛ كما فعل الحافظ سامحَهُ الله ردًا على النووي ﵀، ولما كان هوى الأنصاري في هذا التحسين للرد على الألباني تشبث به، وأعرض عن هذه الحقيقة، وتجاهلها، فعليه وزره ووزر من قد يغتر به " وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ".
وأما القول الآخر الذي استغله الأنصاري استغلالًا غير شريف؛ فهو ما ذكره (ص ٢١) عن ابن معين أنه قال:
"عطية العوفي ليس به بأس، قيل: يحتج به؟ قال: ليس به بأس ".
قلت: فاصرار ابن معين على قوله: "ليس به بأس "، وامتناعه من القول بأنه يحتج به، أقرب إلى أنه ضعيف لا يحتج به عنده، من كونه ثقة لديه.
[ ١ / ١٢ ]
وعلى فرض أنه يعنىِ أنه ثقة. كما زعم الأنصاري، فهو معارض بتضعيف أحمد وغيره من الأئمة الذين تقدمت أسماؤهم، كما أنه يعارض الحقيقة التالية التي خالفها الأنصاري، وهي:
الحقيقة الأخرى: أنه من الثابت في علم الحديث أن الجرح - وبخاصة إذا كان مفسرًا- مقدم على التعديل، وجرح عطية هنا مفسَّر بشيئين:
الأول: سوء الحفظ.
والآخر: التدليس.
أما الأول. فلم يُعرج عليه الشيخ الأنصاري. لأنه يعلم أنه لا سبيل له إلى الجواب عنه، ولو بالتكلف كما هي عادته، فرأى تبعًا للهوى أن يكتم ذلك! من باب- كما يقول بعضهم-: " الهرب نصف الشجاعة "!
وأما الآخر؛ فقد أجاب الأنصاري مقلدًا لابن حجر، وهو أن عطية صرح في بعض الروايات بالتحديث بقوله: "حدثني أبو سعيد"، فأُمِن بذلك تدليسه (١) .
فأقول: عفا الله عن الحافظ، فلقد نسي أن تدليس عطية ليس من النوع الذي ينفع فيه تصريحه بالتحديث، بل هو من النوع الذي يسمى
_________________
(١) ليتأمل القارئ كيف تشبث الأنصاري هنا بتصريح عطية بالتحديث، مع أن ذلك لا يفيده؛ لما يأتي، وكيف تكلف في رد تحديث يحيى بن أبي كثير الثقة في حديث بنت هبيرة الصحيح، ومع ذلك أعله الأنصاري بالانقطاع! ولم يعتدَّ بتصريحه بالتحديث؛ كما بينته في ردي عليه في مقدمة الطبعة الجديدة لـ " آداب الزفاف "، طبع المكتبة الِإسلامية.
[ ١ / ١٣ ]
بتدليس الشيوخ المحرم لخبثه؛ لأنه يسمي شيخه أو يكنيه بغير اسمه أو كنيته تعمية لحاله، كما كنت بينته في "التوسل " (ص ٩٤- ٩٥)، فقد كان
عطية إذا روى عن الكلبي الكذاب كناه بأبي سعيد، يوهم أنه أبو سعيد الخدري! ولهذا لمَا ذكره الحافظ في رسالته في المدلسين؛ قال:
"مشهور بالتدليس القبيح " (١) .
يشير إلى هذا النوع المحرم، ومنه تعلم أن تدليسه لا يزال قائمًا، ولو ثبت عنه أنه قال: "حدثني أبو سعيد"، فهل كان الأنصاري جاهلًا بهذا أم متجاهلًا؟! أحلاهما مر!
ولقد كان الشيخ الكوثري- على ضلاله وتعصبه المعروف- خيرًا من الشيخ الأنصاري من جهة أنه تنبه لكون تدليس عطية من هذا النوع الذي لا يفيد فيه التصريح بالتحديث، ولكنه حاول الإِجابة عنه بجواب آخر. إلا أنه رجع بخفي حنين كما سترى في الكتاب إن شاء الله تعالى.
وبهذا ينتهي الجواب عن تقوية الأنصاري لعطية التي بنى عليها تحسين حديثه في التوسل.
وخلاصته أنه اتَّكأ في ذلك على بعض الأقوال الشاذة عن أقوال
_________________
(١) ولم ينتبه لهذا أخونا الفاضل بدر بن عبد الله البدر في تعليقه على، الدعوات الكبير" (ص ٣٢/٤٦) في حديث آخر لعطية، فقال: "لم يصرح بالسماع من أبي سعيد الخدري ". مع أنه في حديثنا لهذا أحال- جزاه الله خيرًا- في استيفاء الكلام عليه إلى هذه السلسلة فيما يأتي (٢٤) .
[ ١ / ١٤ ]
الجمهرة من العلماء المُجْمِعة على ضعف عطية، وفسر تدليس عطية بغير ما فسروه، مستغلًا في ذلك وهمًا للحافظ، معرضًا عن أقواله الأخرى الموافقة للحق الذي عليه سائر العلماء، كل ذلك ارتكبه الأنصاري انطلاقًا منه من القاعدة التي يتكئ عليها أهل الأهواء، وهي: " الغاية تسوغ الوسيلة "! وغايته الطعن في الألباني، والتشهير به، والتظاهر بأنه ينتصر للشيخ محمد بن عبد الوهاب، تقربًا منه إلى الذين يعيش بين ظهرانيهم، وليس مرضاة لله تعالى، تمامًا كما فعل صاحبه من قبل الشيخ أبو غدة من باب ما يقال: وأرضهم ما دمت في أرضهم!
وإن أعجب ما في لهذا التظاهر مخالفته للشيخ محمد نفسه، فقد سبق مني أن ذكرت الشيخ في جملة المضعفين لعطية، وذلك بناء على ما نقله الأنصاري نفسه عنه في حاشية "انتصاره " (ص ١٥) أنه قال الشيخ في "تلخيص تلخيص كتاب الاستغاثة" بعد أن خرج الحديث:
"في إسناده عطية العوفي، وفيه ضعف "!
قلت: وهذه الجملة هي التي كنا نريدها من الشيخ محمد ﵀، وهي وحدها تقضي على "انتصار الأنصاري "، وتجعله هباء منثورًا، ويصدق عليه عموم قوله تعالى: " بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ!
فإنها تستلزم- كما هو ظاهر- الحكم على الحديث بالضعف الذي يجهد الأنصاري نفسه عبثًا لرده! " وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ ".
وأنا أظن أن جملة الشيخ لها تتمة، لم يذكرها الأنصاري عمدًا؛ كما هي عادته في كتمان ما كان حجة عليه؛ لأنها أصرح في التضعيف، ولما
[ ١ / ١٥ ]
لم يكن كتاب الشيخ في متناول يدي، فقد رجعت إلى أصله، وهو "تلخيص كتاب الاستغاثة" لشيخ الِإسلام ابن تيمية، فوجدت فيه ما ظننت، فقال فيه (ص ٤٢) بعد أن خرج الحديث أيضًا:
"في إسناده عطية العوفي، وفيه ضعف، فإن كان هذا كلام النبي - ﷺ - فهو من هذا الباب " إلخ.
يعني التوسل الجائز؛ لأنه سؤال بأفعاله تعالى؛ قال:
" لأن فيه السؤال لله بحق السائلين، وبحق الماشين في طاعته، وحق السائلين أن يجيبهم، وحق الماشين أن يثيبهم " إلخ.
فقول شيخ الِإسلام ابن تيمية: "فإن كان لهذا كلام النبي - ﷺ - "
صريح في أن الحديث عنده ضعيف، فعدم ذكر الأنصاري لها يدل كل من وقف على لهذه الحقيقة أنه ليس أمينًا في النقل، ولا سيما إذا علم أنه نقل (ص ٢٨) عن ابن تيمية تمام كلامه المذكور مبتدئًا بقوله:
"إن فيه السؤال لله بحق السائلين " إلخ.
كما نقله قبيل ذلك عن محمد بن عبد الوهاب من كتابه "تلخيص تلخيص كتاب الاستغاثة" مبتدئًا من قوله:
"حق السائلين أن يجبيهم "!
فحذف منهما عبارة ابن تيمية الأولى: "فإن كان لهذا كلام النبي - ﷺ - " المصرحة بتضعيفهما للحديث!
فهل يستطيع أحد بعد هذا أن يزعم أن كتمانه لهذا النص كان عن
[ ١ / ١٦ ]
حسن نية منه، بل هل يستطيع أحد أن يدعي أن تأليفه للرسالة من أصلها لم يكن عن سوء نية، وسواد طوية، بعدما تقدم من البينات على ذلك، وبخاصة بعد أن نقل هو نفسه عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب تضعيفه لعطية كما تقدم؟!
لا أعتقد أن أحدًا يستطيع ذلك، ولو كان من المبالغين في إحسان الظن بالناس، كذاك الصوفي الذي زعموا إنه رآه بعضهم يبكي في الطريق، فلما سئل؟ قال مشيرًا إلى رجل وامرأة يتسافدان على جانب الطريق:
أبكي شفقة على لهذين الزوجين (!) إذ لم يجدا بيتًا يستتران فيه لقضاء حاجتهما!!
ثالثًا وأخيرًا: وهو الأمر الآخر الذي سبقت الِإشارة إليه في قوله:
"تقوية بعض روايات الحديث ".
فقال (ص ٢٣):
"تحسين بعض الحفاظ حديث: ( اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك) ".
ثم نقل تحسينه عن الحافظ العراقي،- وأبي الحسن المقدسي- شيخ المنذري-، والدمياطي.
والجواب من وجوه:
الأول: قد سبق آنفًا تحقيق أن عطية الذي في لهذا الحديث الذي
[ ١ / ١٧ ]
حسنه الثلاثة المذكورون ضعيف عند جماهير العلماء لسوء حفظه، وتدليسه القبيح المحرم، فكيف يجوز تحسين الحديث مع وجود هاتين العلتين فيه؟! وما أحسن ما قيل:
وهَلْ يَسْتَقِيمُ الظِّلُّ والعُودُ أعْوَجُ؟!
وثمّة علةٌ أخرى تؤكد سوء حفظه، فاتني التنبيهُ عليها فيما سبق، وهي اضطرابُه في سنده، فهو تارة يرفعه، وتارة يوقفه؛ كما كنت بينته في الكتاب، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى، وأزيد هنا فأقول: وأخرى الشك، فيقول: "أراه رفعه إلى النبي - ﷺ - "؟ كما في رواية ابن ضريس، إحدى روايتي ابن خزيمة، اللتين ذكرهما عنه الأنصاري (ص ١١)، لكن وقع عنده: "رفعه إلى النبي - ﷺ - "؛ دون قوله: "أراه "، عزاه إلى (ص ٤١ - ٤٢) من "كتاب التوحيد" لابن خزيمة، ولا أدري أي طبعة منه أراد الأنصاري، فإنه في (ص ١٢) من الطبعة المنيرية التي عندي، والرواية فيها بالشك كما ذكرت، وهو الذي يقتضيه سياق كلام ابن خزيمة، فلا أدري أسقط ذلك من نسخة الأنصاري، أم هو أسقطها لغاية في نفسه؟!
ولا أستبعد صدور ذلك منه، بعد كل ما فعل مما سبق بيانه ويأتي!
وإن ممّا لا يخفى على كل بصير بهذا العلم الشريف أنَّ تلون الراوي في رواية الحديث، فهو يرفعه تارة، ويوقفه تارة، ويشك في رفعه أخرى؛ إنما هو دليل طاهر على ضعفه وعدم ضبطه، حتى ولو لم يكن ضعيفًا كعطية هذا، وكما كابر الأنصاري في ضعفه- كما سبق- فكذلك كابر في
تعاميه عن هذه العلة التي كان وقف عليها في الكتاب، فحاد عن الجواب
[ ١ / ١٨ ]
عنها! بل إنه أوهم القراء انتفاءها بحكايته عن أبي حاتم ترجيح رواية الوقف! فعقب عليها بقوله (ص ١٠ و١٨- ١٩):
"إن ترجيح أبي حاتم الوقف غير مؤثر. لأنه في حكم الرفع "!
وأقول: لو أن الأنصاري على معرفةٍ بهذا العلم الشريف، وعنده شيء من الجرأة الأدبية لرد لهذا الترجيح بحجة قوية، وهي أن الذين رفعوا الحديث عن عطية أكثر من الذين أوقفوه، وهم كما في الروايات التي خرَّجها في رسالته (ص ٩-١٨):
١- يزيد بن هارون. أحمد.
٢- سليم بن حيان. ابن خزيمة.
٣- محمد بن سعيد بن يزيد التستري. ابن ماجه.
٤- عبد الله بن صالح العجلي. الطبراني.
٥- يحيى بن أبي بكير. البيهقي.
وخالفهم وكيع بن الجراح، وأبو نعيم.
ولكني أقول: إن هذا الترجيح إنما يتماشى مع زعم الأنصاري أن عطية حسن الحديث لا بأس به، ولكنه ساقط عندي، بل إن اختلاف هؤلاء الثقات عليه رفعًا ووقفًا من الأدلة على ضعفه، وأنه هو الذي اضطرب في ذلك، وكان بودِّي أن أقول: إن الذي اختلف عليه هو فضيل بن مرزوق الذي عليه دار الخلاف، ولكني أرى أن عطية أولى بالحمل عليه في ذلك؛ لأنه أشدُّ ضعفًا منه.
[ ١ / ١٩ ]
وعلى كل حال. فسواء كان لهذا الاضطراب من هذا أو ذاك. فهو علة أخرى تؤكد ضعف الحديث، وخطأ الذين حسنوه، واستغلال الأنصاري إياه!
وأريد أن أستدرك هنا شيئًا تنبهت له هذه الساعة، وهي أن لعطية ثلاثة أولاد: عمرو، وعبد الله، والحسين، وكلهم ضعفاء، وقد تكلم عليهم الحافظ ابن رجب الحنبلي في كتابه "شرح علل الترمذي " (٢/٧٩١ - ٧٩٢)، وبين ضعفهم كأبيهم، فدل ذلك مما يلقي في النفس أنهم أهل بيت ورثوا الضعف عن أبيهم فردًا فردًا، ويؤيده أن عمرو بن عطية، قد روى هذا الحديث أيضًا عن أبيه بلفظ آخر أوله:
"كان - ﷺ - يقول إذا قضى صلاته: اللهم بحق السائلين عليك، فإن للسائل عليك حقًا " الحديث.
وهذا كما ترى مخالف للفظ فضيل بن مرزوق عن عطية، حيث قال "من خرج من بيته إلى الصلاة، فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين ".
ولذلك؛ فيمكن اعتبار هذه الرواية علة أخرى في الحديث، وهي اضطراب عطية في لفظه إن كان ابنه عمرو قد حفظه عنه، كما اضطرب في سنده، فتارة رفعه، وأخرى أوقفه، وإن كان أبو حاتم رجح الوقف كما سبق مع بيان ما فيه، وسيأتي تخريج حديث عمرو بن عطية، ولفظه في آخر
المجلد الثاني عشر من هذه السلسلة برقم (٥٩٨٦)، إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٢٠ ]
الوجه الثاني: المعارضة بتضعيف، من ضعف الحديث، وهم أقدم وأشهر وأكثر:
١- المنذري، مخالفًا في ذلك لشيخه أبي الحسن المقدسي الذي اعتمد عليه الأنصاري من بين الثلاثة المتقدمين آنفًا!
٢- النووي، الذي رد عليه ابن حجر تضعيفه، وهو المضعف!
٣- ابن تيمية، الذي نقل الأنصاري عنه تضعيفه لعطية دون أن ينقل تضعيفه للحديث نفسه!
٤- البوصيري، الذي نقل عنه الأنصاري تضعيفه إياه؛ دون أن يعتبر به!
٥- محمد بن عبد الوهاب، الذي نقل عنه الأنصاري تضعيفه لعطية، ولم ينقل عنه تضعيفه للحديث أيضًا، وإن كان التضعيف الأول كافيًا.
٦- صديق حسن خان.
ويمكن أن نُلحِقَ بهم سابعًا وثامنًا، وهما:
٧- النسائي.
٨- ابن القيم.
أما النسائي؛ فلعدم ذكره إياه في كتابه "عمل اليوم والليلة"؛ خلافًا لتلميذه ابن السني الذي أورده في كتابه كما نقله الأنصاري (ص ٢٥)، وكتاب النسائي أنظف بكثير من كتاب تلميذه، فلولا أنه يعلم أنه ضعيف؛
[ ١ / ٢١ ]
لكان أورده فيه إن شاء الله تعالى.
وأما ابن القيم. فكذلك لم يذكره في كتابه " الوابل الصيب " المطبوع عدة طبعات، منها التي علق عليها الشيخ الأنصاري، وهو في ذلك تابع لشيخه ابن تيمية، فإنه لم يورده أيضًا في كتابه " الكلم الطيب " مع تصريحه المتقدم بضعفه، ومعلوم لدى العلماء أن ابن القيم قلما يخالف شيخه في آرائه واجتهاداته.
وإن من شغب الشيخ الأنصاري قوله عقب التحسين المتقدم عن الثلاثة:
" فماذا يقول الألباني فيهم، وقد سلكوا في ذلك مسلك التقوية، لا شك أنه سيقول فيهم أشد وأشنع مما قاله في محمد بن عبد الوهاب ".
فلينظر القارئ الكريم إلى خباثة هذا الرجل، الذي يكاد قلبه يقطر دمًا حسدًا وحقدًا، إنه يسأل ماكرًا، ويجيب من عند نفسه باغيًا، وهو يقرأ:
"إِنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بالسّوء "، أم هو من مشايخ أهل الكشف، الذين يزعمون أنهم يطلعون على ما في صدور الناس، ويكشفون أسرار قلوبهم؛ كفرًا بمثل قوله تعالى: "إِنَّ اللهَ عَليمٌ بِما في الصُّدُورِ"؟!
أما جوابي أنا الذي أدين الله به: فهو أنني لم أشنع على الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، ولن أقول فيه ولا في غيره من العلماء إلا ما قال الله: "وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ "، مَن اجتهد منهم فأصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد.
ولكن ماذا تقول أنت أيها المنتسب إلى الأنصار في الِإجماع الذي
[ ١ / ٢٢ ]
نقله شيخ الِإسلام ابن تيمية والحافظ الذهبي على ضعف عطية الذي تفرَّد بهذا الحديث كما تقدم (ص ١٠)، وفي اتفاق أولئك الأئمة الستة أو الثمانية - وفيهم محمد بن عبد الوهاب نفسه- على ضعف حديثه هذا؟
لن أتخرص تخرصك السابق، و" أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِين "، ولكنْ لا بُدَّ لك من أن تقول: أصابوا أو أخطؤوا، فإن قلت بالأول سقطت رسالتك- إن كانت لم تسقط بعد بما تقدم! - كما سقط انتصارك المزعوم، وإن قلت بالآخر، فهل يخطئ الإِجماع؟! فإن قلت: لا. ظهر تناقضك وتهافتك، وإن قلت: نعم؛ حُق فيكَ قول ربِّ العالمين: " وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا " عياذًا بالله تعالى.
ثم إن الشيخ الأنصاري- هداه الله- لم يكتف بما سبق الكشف عنه من تهجماته وتخرصاته، حتى ختم رسالته بفرية أخرى، أو تجاهل آخر - على الأقل-، وهو زعمه (ص ٢٧) أنني لم أطلع على ماَ فسر به الِإمام محمد بن عبد الوهاب جملة: "بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي
هذا"!
قلت: التفسير المشار إليه معروف لدي والحمد لله، والشيخ يعلم ذلك جيدًا؟ لأنه قرأه في آخر الكلام على هذا الحديث في هذه السلسلة
كما سيأتي في صدد الرد على بعض المبتدعين المستدلين به على التوسل المبتدع، فقد قلت هناك: "إن حق السائلين على الله تعالى هو أن يجيب دعاءهم، فلو صح
[ ١ / ٢٣ ]
هذا الحديث وما في معناه؛ فليس فيه توسلٌ ما بمخلوقٍ، بل هو توسًّل إليه بصفة من صفاته، وهي الِإجابة " إلخ.
ونحوه في رسالتي "التوسل أنواعه وأحكامه " (ص ١٠٠)، وما أظن الشيخ إلا وقد اطلع عليه، لا أقول للاستفادة منه، فهو الغني عن ذلك!
ولكن لتتبع العثرات!
ولا بأس من أن أختم كلامي هنا بالدعاء المأثور في بعض الأحاديث:
"اللهم إني أعوذ بك من خليل ماكر، عينه تراني، وقلبه يرعاني (أي: يتجسس علي)، إن رأى حسنة دفنها، وإن رأى سيئة أذاعها ".
وسيأتي تخريجه والكلام على إسناده في المجلد السادس من هذه السلسلة برقم (٢٩١٣) إن شاء الله تعالى.
وبعد كتابة ما تقدم ذكَّرني أحد الِإخوان برسالة لصاحبنا الشيخ حماد الأنصاري حفظه الله سماها: "تحفة القاري في الرد على الغماري "، فيها الرد عليه تحسينه لهذا الحديث- كالشيخ إسماعيل تمامًا- وهو ابن عم الشيخ حماد، فتساءلنا: لماذا خصَّ الشيخُ إسماعيلُ برده الألبانيَّ دون ابنِ عمه، وهما متفقان في مخالفته في تحسينه الذي وافق فيه الشيخَ الغماريَّ المشهور بابتداعه وإتباعه لهواه! وكذلك لم يُشْرِك في رَدَه الشيخَ شعيبًا الأرناؤوط مع أنه معنا في التضعيف، في تعليقه على "شرح الطحاويَّة" (١/ ٢٩٥- ٢٩٦)؟! أليس في ذلك ما يؤكِّد للقراء أن رد الشيخ ليس للنصح والِإرشاد، وإنما للتشفِّي من الألباني والتشهير به. حسدًا وحقدًا عليه،
[ ١ / ٢٤ ]
ومحاباة لابن عمه؟! " رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّاب ".
وبهذه المناسبة أسوق هنا للشيخ الأنصاري القصة التالية عبرة له وتذكيرًا بما كان عليه السلف من الأنصار، لعلهم يكونون لمن خلف من بعدهم قدوة حسنة يحتذى بهم في سلامة القلب، وحسن الخلق.
قال أنس بن مالك ﵁: كنا جلوسًا مع رسول الله - ﷺ - فقال:
"يطلعُ عليكُم الآنَ رجلٌ من أهلِ الجنةِ".
فطلعَ رجلٌ من الأنصارِ تنطفُ لحيتُه من وَضوئه، قد تعلق نعليه في يده الشمال. فلما كان الغد؛ قال النبي - ﷺ - مثل ذلك، فطلع الرجل مثل المرَّة الأولى. فلما كان اليوم الثالث؛ قال النبي - ﷺ - مثل مقالته أيضًا، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى.
فلما قام النبي - ﷺ - تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال: إني لاحَيْتُ أبي، فأقسمتُ أن لا أدخل عليه ثلاثًا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي (وفي رواية: حتى تحل يميني) . فعلت؟ قال: نعم.
قال أنس: وكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث، فلم يره يقوم من الليل شيئًا؟ غير أنه إذا تعارَّ، وتقلب على فراشه، ذكر الله ﷿ وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر، [فيسبغ الوضوء] . قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرًا. فلما مضت الثلاث ليال، وكدت أن أحتقر عمله. قلت: يا عبد الله! إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر ثَمّ،
[ ١ / ٢٥ ]
ولكن سمعت رسول الله - ﷺ - يقول لك ثلاث مرار: "يطلعُ عليكم الآنَ رجلٌ من أهلِ الجنةِ".
فطلعت أنت الثلاث مرار، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك؟ فأقتدي بك، فلم أرك تعمل كثير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله - ﷺ -؟ فقال: ما هو إلا ما رأيتَ! [فانصرفت عنه] .
قال: فلما وليت دعاني، فقال:
ما هو إلا ما رأيتَ، غير إني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًا، (وفي رواية: غلًا) ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه.
فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق.
أخرجه عبد الله بن المبارك في "الزهد" (٢٤١/٦٩٤)، والروايتان مع الزيادتين له، وعبد الرزاق في " المصنف " (١١/٢٨٧/٢٠٥٥٩)،
وعنه أحمد (٣/١٦٦) والسياق له.
وإسناده صحيح على شرط الشيخين؛ كما قال المنذري، ورواه غيرهم كما في "الترغيب " (٤/١٣) .
وقد قال ابن تيمية﵀- عقب الحديث في "الفتاوى" (١٠/ ١١٩):
"فقول عبد الله بن عمرو له: "هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق " يشير إلى خلوِّه وسلامته من جميع أنواع الحسد.
[ ١ / ٢٦ ]
وبهذا أثنى الله تعالى على الأنصار، ففال: " وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ".
أي: مما أوتي إخوانهم المهاجرون، قال المفسرون:
"لَا يَجِدُونَ في صُدورِهِمْ حَاجَةً "؛ أي: حسدًا وغيظًا مما أوتي المهاجرون ".
فهلا اقتديت بهم أيها الأنصاري؟!
وفي ختام هذه المقدمة لا بد لي من كلمة أوجهها إلى كل مخلص من قرائنا، حبيبًا كانَ أم بغيضًا، فأقول:
كَثيرًا ما يسألني بعضهم عن سبب الشدة التي تبدو أحيانًا في بعض كتاباتي في الرد على بعض الكاتبين ضدي؟ وجوابًا عليه أقول:
فليعلم هؤلاء القراء أنني بحمد الله لا أبتدئ أحدًا يرد علي ردًّا علميًّا لا تَهَجُّمَ فيه، بل أنا له من الشاكرين، وإذا وُجِدَ شيءٌ من تلك الشدة في
مكان ما من كتبي. فذلك يعود إلى حالة من حالتين:
الأولى: أن تكون ردًّا على مَن رد علي ابتداء، واشتط فيه وأساء إلي بهتًا وافتراءً. كمثل أبي غدة، والأعظمي الذي تستر باسم أرشد السلفي!
والغماري، والبوطي، وغيرهم؛ كالشيخ إسماعيل الأنصاري غير ما مرة، وما العهد عنه ببعيد!
ومثل هؤلاء الظلمة لا يفيد فيهم- في اعتقادي- الصفح واللين، بل إنه قد يضرهم، ويشجعهم على الاستمرار في بغيهم وعدوانهم. كما قال
[ ١ / ٢٧ ]
الشاعر:
إِذا أَنْتَ أَكْرَمْتَ الكَرِيمَ مَلَكْتَهُ وإنْ أَنْتْ أَكْرَمْ اللَّئيمَ تَمَرَّدَا
وَوَضْعُ النَّدَى في مَوْضِع السَّيْفِ بالعُلَى مُضِر كَوَضْعِ السَّيْفِ في مَوْضِعِ النَّدَى
بل إن تحمُلَ ظلم مثل هؤلاء المتصدرين لِإرشاد الناس وتعليمهم، قد يكون أحيانًا فوق الطاقة البشرية، ولذلك جاءت الشريعة الِإسلامية مراعية لهذه الطاقة، فلم تقل- والحمد لله- كما في الِإنجيل المزعوم اليوم: "مَن ضربك على خدك الأيمن. فأدِرْ له الخد الأيسر، ومن طلب منك رداءك؛ فأعطه كساءك "! بل قال تعالى: "فمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فاعْتَدُوا عليهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدَى علَيْكُمْ" هو، وقال: "وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها"، وأنا ذاكر بفضل الله تعالى أن تمام هذه الآية الثانية: " فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ. إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُور "، ولكني أعتقد أن الصفح المشكور، والصبر المأجور. إنما هو فيمن غلب على الظن أن ذلك ينفع الظالم ولا يضره، ويعزُّ الصابر ولا يذله. كما يدل على ذلك سيرته - ﷺ - العمليَّة مع أعدائه، وقوله - ﷺ -: "أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل قتل نبيًّا أو قتله نبي ".
انظر " الصحيحة" (٢٨١) .
[ ١ / ٢٨ ]
وأقل ما يؤخَذُ من لهذه الآيات ونحوها أنها تسمح للمظلوم بالانتصار لنفسه بالحق دون تعدّ وظلم. كقوله تعالى: "لَا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بالسُّوء مِنَ القَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ "، والسنة تؤكد ذلك وتوضحه. كمثل قوله - ﷺ - لعائشة حين اعتدت إحدى ضرَّاتِها عليها:
"دونَكِ فانْتَصري ".
قالت: فأقبلت عليها حتى رأيتها قد يبس ريقها في فيها، ما ترد علي شيئًا، فرأيت النبي - ﷺ - يتهلل وجهه.
رواه البخاري في "الأدب المفرد"، وغيره؛ بسند صحيح، وهو مخرج في المجلد الرابع من "الصحيحة" (١٨٦٢) .
فأرجو من أولئك القراء أن لا يبادروا بالِإنكار، فإني مظلوم من كثير ممَّن يدَّعون العلم، وقد يكون بعضهم ممَّن يُظَنُّ أنه معنا على منهج
السلف، ولكنه- إن كان كذلك- فهو ممن أكل البغضُ والحسدُ كبدَه؛ كما جاء في الحديث:
"دبَّ إليكم داءُ الأمم قبلَكم: الحسد، والبغضاء، هي الحالقة.
حالقة الدين، لا حالقة الشعر".
وهو حديث حسن بمجموع طريقيه عن ابن الزبير وأبي هريرة.
فأرجو من أولئك المتسائلين أن يكونوا واقعيين، لا خياليين، وأن يرضوا مني أن أقف في ردِّي على الظالمين مع قول رب العالمين: "وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدينَ "؟؛غير متجاوب مع ذلك الجاهلي القديم:
[ ١ / ٢٩ ]
ألا لَا يَجْهَلَنْ أحدٌ عَلَيْنا *** فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْل الجَاهِلِيْنا
عياذًا بالله أن أكون من الجاهلين.
والحالة الأخرى أن يكون هناك خطأ فاحش في حديث ما، صدر من بعض من عُرِف بقلة التحقيق، فقد أقسو على مثله في الكلام عليه، غيرةً
مني على حديث رسول الله – ﷺ -، كقولي الآتي تحت الحديث (١٤٢):
"لم يخجل السيوطي- عفا الله عنا وعنه- أن يستشهد بهذا الِإسناد الباطل. فإن (أبو الدنيا) هذا أفاك كذاب، لا يخفى حاله على
السيوطي ".-
فإن الباعث على هذه الشدة إنما هو الغيرة على حديثه – ﷺ -، أن يُنْسَبَ إِليه ما لم يقله، وسلفنا في ذلك بعض الحفاظ المعروفين بالدين والتقوى، فانظر مثلًا إِلى قول الذهبي ﵀ في الحاكم. وقد صحح الحديث الآتي في فضل علي ﵁ برقم (٧٥٧):
"قلت: بل والله موضوع، وأحمد الحراني كذاب، فما أجهلك على سعة معرفتك؟! ".
فليتأمل القارئ الفرق بين الحاكم والسيوطي من جهة، وبين عبارة الذهبي في الحاكم، وعبارتي في السيوطي من جهة أخرى.
ثم وقفتُ على رسالة جديدة للشيخ الأنصاري- وهذه المقدِّمة تحت الطَّبع- تؤكِّدُ لكل مَن يقرؤها أنَّه ماضٍ في بغضهِ وحسده وافتراءاتِه، وهي
[ ١ / ٣٠ ]
بعنوان: "نقد تعليقات الألباني على شرح الطَّحاويَّة"! وهو فيه- كعادته في ردوده عليَّ- لا يحسِنُ إلا التهجُّمَ، والتَّحامل عليَّ بشتَّى الأساليب،
والغمز، واللمز؛ كقوله في أول حديث انتقدني فيه بغير حق:
"فباعتبار الألباني نفسه محدِّثًا لا فقيهًا (!) ".
ونحو هذا من الِإفك الذي لا يصدُرُ من كاتب مخلصٍ يبتغي وجه الحق، وينفع فيه اللِّين والأسلوب الهيِّن في الردِّ عليه. لأنه مكابرٌ شديدُ المكابَرة والتمحُّل لتسليك أخطاءِ غير الألباني مع ظهورها، بقدر ِما يتكلَّف في توهيمِه وتجهيلهِ- ولو ببتر كلام العلماء، وتضليل القرَّاء- ليستقيمَ ردُّهُ عليهِ!!
وهو في بعض ما أخذهُ عليَّ ظلما في "نقده " هذا قد سبقهُ إليه الكوثري الصغير أبو غدَّة الحلبي، الذي كنتُ رددتُ عليه في مقدِّمة تخريج "شرح الطحاوية"، فالتقاؤهُ معه في ذلك ممَّا يدلُّ على أنَّه لا يتحرَّجُ في أن يتعاوَنَ مع بعضِ أهلِ الأهواء في الردِّ على أهل السنَّة! فلا أدري والله كيف يكون مثلُه باحثًا في دارِ الِإفتاء؛ وفيها كبارُ العلماء الذين لا يمكن أن يخفى عليهِم حال هذا الباحث في انحرافِهِ في الرَّدِّ عن الأسلوب العلميِّ النَّزيه، إلى طريقتِه المبتَدَعة في اتِّهامه لمَن خالفه من أهل السنَّة بالبهت، والافتراء، والتدليس، وتحريف الكلم عن مواضعه، وتتبُّع العَثرات؟!
ومَن أراد أن يتحقَّق من هذا الذي أجملتُه مِن أخلاقِ الرجل، بقلمٍ غير قلمي، وأسلوب ناعمٍ غير أسلوبي؟ فليقرأ ردَّ الأخ الفاضل سمير بن
[ ١ / ٣١ ]
أمين الزُّهيري المنصوري: "فتح الباري في الذَبِّ عن الألباني والرَّد على إسماعيل الأنصاريّ "، أرسلهُ إليَّ جزاه الله خيرًا وأنا زائر في (جُدة) أواخر شعبان هذه السنة (١٤١٠ هـ)، وهو في المطبعة لمَّا يُنْشَرْ بعد، وما يصل هذا المجلَّد إلى أيدي النَّاس. إلا ويكون قد تداولته الأيدي.
وهو ردٌ علميٌّ هادئٌ جدًّا، نزيهٌ، لا يقولُ إلا ما وصَلَ إليهِ علمُه، لا يُداري ولا يُماري منطلقًا وراء الحجة والبرهان، وهو مع سعة صدره في الردِّ على الأنصاري، فإنَّه لم يتمالك أن يصرِّح ببعضِ ما سبق وَصْفُه به، فهو يصرِّح (ص ٦٦ و٧٧):
أنَّه غير منصفٍ في النَّقد، ولا أمين في النقل!
وهو يتعجَّب (ص ٨٢ و٨٦) من مكابرة الأنصاريِّ وادِّعائهِ على الألبانيِّ خلافَ الواقع!
ولقد ضاقَ صدرُه من كثرةِ مكابرته وتدليسه على القرَّاء، فقال (ص ٨٧):
"أكَرِّر هنا أنَني أسأم من توجيهِ النَّصيحة للشيخ الأنصاري حفظه الله: بأنَّه إذا فاته الِإنصاف في النقد، فليحرص على أن لا تَفوتَه الأمانة في النقل ".
ثم كشف عن تدليسه المشار إليه، ثم قال (ص ٨٨):
"ألا فَلْيَتَّقِ الله الشيخُ الأنصاري، فمهما حاول، فلنْ ينالَ من منزلة الشيخ الألباني حفظه الله:
[ ١ / ٣٢ ]
كَنَاطِحٍ صَخْرَةً يَوْمًا لِيُوهِنَها *** فَلَمْ يُضِرْها وأوْهَى قَرْنَهُ الوَعلُ "
وفي آخر بحث له طويل معه (ص ٣٨- ٤٠) صرَّح في آخره:
أن الأنصاريَّ "دلَّس وأخفى كلام الشيخ ناصر"!
ثم قال (ص ٤١):
"بل هو يتخيَّل أشياء هي أصلًا غير موجودة، ثم هو يبني عليها نقده! ".
ثمَّ ردَّ عليه بعض مزاعمه الباطلة في " نقده " هذا، وختم ذلك بقوله فيه بارك الله عليه (ص ٤٣):
"بل كان يجبُ عليه ألَّا يُخْرِجَ " نقده " هذا أبدًا، لا لأنَّنا ضد نقد الألباني، وإنَّما لأنَّنا ضد أي نقد غير علميٍّ ".
ثم إن الأخ الفاضل وصف الشيخ الأنصاري (ص ٥٠) بأنَّه ينقد من أجل النقد فقط، وهذا شيءٌ ظاهرٌ جدًّا في ردودِهِ، وبخاصَّةٍ - ردُّه هذا.
ثم ضربَ على ذلك مثلًا: حديثًا أخرجه البخاري ومسلم في "صحيحيهِما"، ومع ذلك ذكر شارح "الطحاويَّة" أن له علة! فلمَّا ردَّ ذلك الألبانيُّ وأثبتَ صحَّته. ثارَ الأنصاريُّ حمِيَّةً للشارح، واعترض على الألباني دون أيِّ حجَّة علميَّة إلا الشغب كعادته، ففال الأخ الفاضل:
" عجبًا للشيخ الأنصاري! إن انتقد الشيخ الألباني حديثًا في "الصحيحين " أو أحدهما، وقدم الأدلَّة العلميَّة المقنعة بذلك، ونقل كلام
[ ١ / ٣٣ ]
أهل العلم السابقين في ذلك الحديث. لم يُعْجِب الشيخَ الأنصاريَّ هذا الصنيعُ، وتباكى على "الصحيحين "، "وندَّد بجرأة الشيخ عليهما. والآن؛ لأن الشيخ يدافع عن "الصحيحين "؛ فهذا لا يعجب الأنصاري، ومن أجل النقد، والنقد فقط، يقف إلى جانب الشارح؛ دون أدلَّة علميَّة المهم مخالفة الألباني! وما دام الشيخُ الأنصاريُّ يبحث عن مخالفة الألبانيِّ بأيِّ شكلٍ، حتى لو كانَ هذا بتضعيف حديثٍ في "الصحيحين "، ومن غيرِ بيِّنة؛ فلماذا يستنكِر على الألبانيِّ نقدَه لأحاديث "الصحيحين " وبأدلَّة علميَّة؟! أسأل الله ﷿ أن لا يكون في هذا حظُّ نفس ".
ثم قالَ بارك الله عليه (ص ٥٢ و٦٦):
"وأما عن اتِّهامه للشيخ الألباني، وتقويله له ما لم يقله. فلا أحبُّ أن أتعرَّض له! ".
أقول: هذا بعض ما وصف به الأخُ الفاضل سمير الزُّهيري الشيخ الأنصاري من تعدِّيه وتقوُّله عليَّ.
ومعذرةً إلى القراء الكرام إذا أنا أطلتُ في هذه المقدِّمة؛ لأن الغرض أن نُبَصِّرَهُم بحال بعض الطاعنين فيَّ بغير حقٍّ، بقلم غيري من الكُتَّاب المنصِفينَ الحيادِيِّينَ، ولكي لا يُبادِروا إلى استنكار ما قد يَجِدون منِّي من الشدة أحيانًا في الردِّ على بعض النَّاقدين بأهوائِهِم وبغير علمٍ، فقديمًا
قالوا: "قال الحائطُ للوتد: لم تشقُّني؟ قال: سَلْ من يدقُّني "، راجيا ألا يحمِلوني أن أتمثَّل بقول الشاعر:
[ ١ / ٣٤ ]
غَيْرِي جَنَى وأَنَا المُعَذَبُ فيكُمُ *** فكَأنني سَبَّابَةُ المتندم
وإنَ مما يحسن التَّذكير به أن الشيخ الأنصاري كما حابى ابن عمِّه الشيخ الفاضل حمَّاد الأنصاري في سكوته عن تضعيفه لحديث عطيَّة المتقدم (ص ١٨) . كذلك حابى الأنصاريُّ مَن يوافقه في بعض أوصافه المتقدِّمة؛ كالحسد، والحقد، وتتبُّع العثرات، ودفنه للحسنات! ألا وهو الشيخ شعيب الأرناؤوط في تعليقه على "شرح العقيدة الطحاوية " طبع مؤسسة الرسالة، بالرغم من أنه قد شارَكني في تَضعيف الحديث المشار إليه، وفي كثيرٍ ممَّا أنكره الأنصاري عليَّ؛ فإن كثيرًا من تخريجاته قد استفادها من تخريجي، وفيه العزو إلى بعض المخطوطات التي لا تطولها يده! دون أن يشير إلى ذلك، فهو يستغل جهود غيره، ثم ينسبها إلى نفسه متشبِّعًا بما لم يعط! فانظر على سبيل المثال: (١/٨٨ و٩٤ و٩٦ و١٥٦ و١٦٥ و٢٢٤ و٢٣٤، و٢/٣٧٨ و٣٨٩ و٤١٨ و٤٢٣ و٥١٠ و٥٢٠ و٥٤٢ و٥٤٤ و٥٤٩)، وقابل ذلك بتخريجي؛ لتتحقَق ممَّا ذكرت، على أنَّني قد عدت عن تخريج بعضها؛ كالحديثين المشار إليهما بالرقمين الموضوع عليهما الخط الأفقي، وبقىِ هو على تقليده إياي! والحديث الأول مخرَّجٌ عندي في "الصحيحة" (٢٨٢٩)، والآخر في "الضعيفة" (٥٤٢٧)، وهو ممَّا استدركته في بعض الطبعات الجديدة بتخريجي على "شرح الطحاوية"؛ كالطبعة الثامنة والتاسعة (ص ٢٩٠) .
ومن هنا يظهر للقرَّاء محاباة الأنصاري للشيخ شعيب أيضًا؛ كما
[ ١ / ٣٥ ]
ذكرت آنفًا، ولهذا قال الأخ سمير جزاه الله خيرًا تحت عنوان: "على مَن كان ينبغي أن يكون ردُ الأنصاري؟ " (ص ٦٣):
"ومعظم ما أخذه الأنصاري في "ردِّه " لهذا على الشيخ الألباني هو موجود في طبعة شعيب المشار إليها آنفًا، أفليس الأولى أن يكون نقده
لطبعة شعيب، خاصة أن الرجل غير معروفٍ بدفاعه عن العقيدة السلفية كالشيخ الألباني حفظه الله؟! ".
لهذا، ولقد كان من الأحاديث التي حشرها الشيخ الأنصاري في " نقده " الحديث الآتي في هذا المجلَّد برقم (٣٤٤) بلفظ:
"لما حملت حواء؛ طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد " الحديث.
والذي يقرأ كلامه حوله لا يجد فيه سوى الشَّغَب، واللعب على الحبلين- كما يقال- فهو من جهةٍ يزعم أن العلماء أعلُّوه بستة أمور
(وذكرها)، وليس منها تدليس الحسن البصري! فالحديث على هذا الذي ذكر هو من العلل يكون عنده واهيًا؛ لأن العلل الخمس لا تزال قائمة! ولكنه من جهة أخرى عاد فنقض ذلك بقوله:
"إن من أهل العلم مَن لم يعله؛ كالترمذي وحسنه، والحاكم وصححه "!
فهو حيران بين هؤلاء المصحِّحين، وأولئك المضعِّفين! فهو كالشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة؛ لا تدري أيهما تتبع! كما جاء في الحديث الصحيح! مع أنه- أو لعله- يدري أن المخالفين
[ ١ / ٣٦ ]
بالتحسن والتصحيح من المتساهلين في ذلك عند العلماء المحققين!
ولذلك. لما رد عليه الأخ الفاضل نقده إياي في هذا الحديث وبيَّن جهله وتناقضه فيه؛ لم يسعه إلا أن يبدي تعجبه منه، وينهي ردَّه عليه بقوله
(ص ٧٢):
"وهذا والله هو العجب: أن لا يدري الِإنسان ما يقول "!
ذلكم هو الشيخ إسماعيل الأنصاري، ولعلَّ القراء بعد هذا البيان يعذروننا إذا قلنا فيه ما فيه؛ دون تعدٍّ أو تجنٍّ عليه كما يفعل هو.
ولقد بلغني وأنا في السعودية أن بعض الشيوخ الفضلاء نصحه أن لا ينشر نقده هذا، فأبى إلا أن يتَّبع هواه ويفضحَ نفسه، وعلى نفسها جَنَتْ
براقش.
وأختم هذه المقدمة بحديث يناسب المقام، وهو قوله ﵊:
"سيخرج في أمَّتي أقوامٌ تتجارى بهِم الأهواء كما يتجارى الكَلَب بصاحبه، ولا يبقى منه عرقٌ ولا مِفْصَل إلا دخله ".
"صحيح الترغيب " (رقم ٤٨) .
"وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك ".
عمان ١٥ شعبان سنة ١٤١٠ هـ
وكتب / محمد ناصر الدين الألباني
[ ١ / ٣٧ ]
بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ