٨٣ - " نعم المذكر السبحة، وإن أفضل ما يسجد عليه الأرض، وما أنبتته الأرض ".
موضوع.
أخرجه الديلمي في " مسند الفردوس " (٤ / ٩٨ - مختصره) قال: أنا عبدوس بن عبد الله أنا أبو عبد الله الحسين بن فنجويه الثقفي، حدثنا علي بن محمد بن نصرويه، حدثنا محمد بن هارون بن عيسى بن منصور الهاشمي حدثني محمد بن علي بن حمزة العلوي حدثني عبد الصمد بن موسى حدثتني زينب بنت سليمان بن علي حدثتني أم الحسن بنت جعفر بن الحسن عن أبيها عن جدها عن علي مرفوعا، ذكره السيوطي في رسالته: " المنحة في السبحة " (٢ / ١٤١ - من الحاوي) ونقله عنه الشوكاني في " نيل الأو طار " (٢ / ١٦٦ - ١٦٧) وسكتا عليه!
قلت: وهذا إسناد ظلمات بعضها فوق بعض، جل رواته مجهولون، بل بعضهم متهم، أم الحسن بنت جعفر بن الحسن، لم أجد من ترجمها، وزينب بنت سليمان بن علي ترجمها الخطيب " في تاريخه " (١٤ / ٣٣٤) وقال: كانت من فضائل النساء.
وعبد الصمد بن موسى، هو الهاشمي ترجمه الخطيب (١٤ / ٤١) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، ولكن نقل الذهبي في " الميزان " عن الخطيب أنه قال فيه: قد ضعفوه فلعل ذلك في بعض كتبه الأخرى، ثم استدركت فقلت: بل ذلك في حديث آخر سيأتي برقم (٢٨٩٨) .
[ ١ / ١٨٤ ]
ثم قال الذهبي: يروي مناكير عن جده محمد بن إبراهيم الإمام.
قلت: فلعله هو آفة هذا الحديث، ومحمد بن علي بن حمزة العلوي ترجمه الخطيب أيضا (٣ / ٦٣) وقال: قال ابن أبي حاتم: سمعت منه وهو صدوق، مات سنة ٢٨٦ ومحمد بن هارون هو محمد بن هارون بن العباس بن أبي جعفر المنصور، كذلك أورده الخطيب (٣ / ٣٥٦) وقال: كان من أهل الستر والفضل والخطابة، وولي إمامة
مسجد المدينة ببغداد خمسين سنة، وكانت وفاته سنة ٣٠٨.
وأبو عبد الله بن الحسين بن فنجويه الثقفي ثقة مترجم في " سير أعلام النبلاء " (١٧ / ٣٨٣) و" شذرات الذهب " (٣ / ٢٠٠) .
ومثله عبدوس بن عبد الله له ترجمة في " سير أعلام النبلاء " (١٩ / ٩٧) و" لسان الميزان " (٤ / ٩٥) .
ومما سبق يتبين لك أن الإسناد ضعيف لا تقوم به حجة، ثم إن الحديث من حيث معناه باطل عندي لأمور:
الأول: أن السبحة بدعة لم تكن في عهد النبي ﷺ إنما حدثت بعده ﷺ، فكيف يعقل أن يحض ﵊ أصحابه على أمر لا يعرفونه؟ ! والدليل على ما ذكرت ما روى ابن وضاح القرطبي في " البدع والنهي عنها " (ص ١٢) عن
[ ١ / ١٨٥ ]
الصلت بن بهرام قال: مر ابن مسعود بامرأة معها تسبيح تسبح به فقطعه وألقاه، ثم مر برجل يسبح بحصا، فضربه برجله، ثم قال: لقد سبقتم! ركبتم بدعة ظلما! ولقد غلبتم أصحاب محمد ﷺ علما! وسنده
إلى الصلت صحيح، وهو ثقة من أتباع التابعين، فالسند منقطع.
ثم روى عن أبان بن أبي عياش قال: سألت الحسن عن النظام (خيط ينظم فيه لؤلؤ وخرز ونحوهما) من الخرز والنوى ونحوذلك يسبح به؟ فقال: لم يفعل ذلك أحد من نساء النبي ﷺ ولا المهاجرات، ولكن سنده ضعيف جدا.
الثاني: أنه مخالف لهديه ﷺ، قال عبد الله بن عمرو: رأيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح بيمينه، رواه أبو داود (١ / ٢٣٥) والترمذي (٤ / ٢٥٥) وحسنه، وابن حبان (٢٣٣٤ - موارد) والحاكم (١ /٥٤٧) والبيهقي (٢ / ٣٥٢) وإسناده صحيح كما قال الذهبي، ثم خرجته في " صحيح أبي داود " (١٣٤٦) .
ثم هو مخالف لأمره ﷺ حيث قال لبعض النسوة: " عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس، ولا تغفلن فتنسين التوحيد " وفي رواية: " الرحمة واعقدن بالأنامل فإنهن مسؤولات ومستنطقات "، وهو حديث حسن أخرجه أبو داود وغيره، وصححه الحاكم والذهبي، وحسنه النووي والعسقلاني، وله شاهد عن عائشة موقوف انظر " صحيح أبي داود " (١٣٤٥) .
[ ١ / ١٨٦ ]
ولذلك ضعف الحديث جماعة كما ذكره الشيخ محمد خليل القاوقجى في " شوارق الأنوار الجليلة " (ق ١١٣ / ١) .
ثم تبين لي فيما بعد أن السند أشد ضعفا مما ذكرنا، وأن آفته محمد بن هارون بن عيسى بن منصور الهاشمي، فإنه كان يضع الحديث كما يأتي، وقولي أولا هو محمد ابن هارون بن العباس.. إلخ وهم، سببه أنني ذهلت عن الترجمة التي بعد ابن العباس هذا في " تاريخ الخطيب " فقد قال: محمد بن هارون بن عيسى بن إبراهيم بن عيسى بن أبي جعفر المنصور، يكنى: أبا إسحاق، ويعرف بـ " ابن برية " وفي حديثه مناكير كثيرة، وقال الدارقطني: لا شيء، وقال ابن عساكر في " تاريخ دمشق ": يضع الحديث، ثم ساق له حديثا، ثم قال: هذا من موضوعاته، وكذلك اتهمه الخطيب، فقال عقب الحديث المشار إليه (٧ / ٤٠٣): والهاشمي يعرف بابن برية، ذاهب الحديث، يتهم بالوضع، وإنما جزمت بأن هذا هو راوي الحديث، لأن السند فيه أنه محمد بن هارون بن عيسى، وليس فيه أنه محمد بن هارون بن العباس، فهما شخصان: اتفقا في اسمهما واسم أبيهما، واختلفا في اسم جدهما، فالأول اسم جده عيسى، والآخر اسم جده العباس وهذا مستور، والأول متهم كما عرفت، فانحصرت شبهة وضع الحديث فيه، وبرئت ذمة عبد الصمد ابن موسى منه على ضعفه وروايته المناكير، والفضل في تنبهي لهذه الحقيقة يعود إلى مقال لي قديم في الكلام على هذا الحديث، فالحمد لله على توفيقه.
[ ١ / ١٨٧ ]
هذا معنى ما كنت أوردته في ردي على " التعقب الحثيث " للشيخ الحبشي (ص ١٤ - ١٥)، فإن قيل: قد جاء في بعض الأحاديث التسبيح بالحصى وأنه ﷺ أقره، فلا فرق حينئذ بينه وبين التسبيح بالسبحة كما قال الشوكاني؟ قلت: هذا قد يسلم لو أن الأحاديث في ذلك صحيحة، وليس كذلك، فغاية ما روي في ذلك حديثان أوردهما السيوطي في رسالته المشار إليها، فلابد من ذكرهما، وبيان علتهما:
الأول: عن سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع رسول الله ﷺ على امرأة وبين يديها نوى أو حصى تسبح به، فقال: أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل؟ فقال: " سبحان الله عدد ما خلق في السماء.. "، الحديث رواه أبو داود (١ / ٢٣٥) والترمذي (٤ / ٢٧٧ - ٢٧٨) وابن حبان (٢٣٣٠ - زوائده) والدورقي في " مسند سعد " (١٣٠ / ١) والمخلص في " الفوائد " (٩ / ١٧ / ٢) والحاكم (١ / ٥٤٧ - ٥٤٨) من طريق عمرو بن الحارث أن سعيد بن أبي هلال حدثه عن خزيمة عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص عن أبيها، وقال الترمذي:
[ ١ / ١٨٨ ]
حديث حسن، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي فأخطأ، لأن خزيمة هذا مجهول، قال الذهبي نفسه في " الميزان ": خزيمة، لا يعرف، تفرد عنه سعيد بن أبي هلال وكذا قال الحافظ في " التقريب ": إنه لا يعرف، وسعيد بن أبي هلال مع ثقته حكى الساجي عن أحمد أنه اختلط، وكذلك وصفه بالاختلاط يحيى كما في " الفصل "
لابن حزم (٢ / ٩٥)، ولعله مما يؤيد ذلك روايته لهذا الحديث، فإن بعض الرواة الثقات عنه لم يذكروا في إسناده خزيمة فصار الإسناد منقطعا ولذلك لم يذكر الحافظ المزي عائشة بنت سعد في شيوخ ابن أبي هلال فلا يخلوهذا الإسناد من علة الجهالة أو الانقطاع فأنى للحديث الصحة أو الحسن؟ ! .
وجهل ذلك أو تجاهله بعض من ألف في سنية السبحة! من أهل الأهواء من المعاصرين مقلدا في ذلك شيخه عبد الله الغماري الذي تجاهل هذه الحقائق، فأورد هذا الحديث في " كنزه " (١٠٣) ليتوصل منه إلى تجويز السبحة لمريديه! ثم إلى تجويز تعليقها على العنق كما يفعل بعض مشايخ الطرق، انظر الرد عليه في مقدمة المجلد الثالث من هذه السلسلة (ص ٣٧) ترى العجب العجاب.
الآخر: عن صفية قالت:
[ ١ / ١٨٩ ]
دخل علي رسول الله ﷺ وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح بهن، فقال: " يا بنت حيي، ما هذا؟ "، قلت: أسبح بهن، قال: " قد سبحت منذ قمت على رأسك أكثر من هذا "، قلت: علمني يا رسول الله،
قال: " قولي: سبحان الله عدد ما خلق الله من شيء.. "، أخرجه الترمذي (٤ /٢٧٤) وأبو بكر الشافعي في " الفوائد " (٧٣ / ٢٥٥ / ١)، والحاكم (١ /٥٤٧) من طريق هاشم بن سعيد عن كنانة مولى صفية عنها، وضعفه الترمذي بقوله:
هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث هاشم بن سعيد الكوفي، وليس إسناده بمعروف، وفي الباب عن ابن عباس، وأما الحاكم فقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي وهذا منه عجب، فإن هاشم بن سعيد هذا أورده هو في " الميزان " وقال: قال ابن معين: ليس بشيء، وقال ابن عدي: مقدار ما يرويه لا يتابع عليه، ولهذا قال الحافظ في " التقريب ": ضعيف، وكنانة هذا مجهول الحال لم يوثقه غير ابن حبان.
ثم استدركت فقلت: لكن قد روى عن كنانة جمع منهم زهير وحديج ابنا معاوية، ومحمد بن طلحة بن مصرف، وسعدان بن بشير الجهني، وكل هؤلاء الأربعة ثقات، يضم إليهم يزيد بن مغلس الباهلي، وثقه جماعة وضعفه آخرون فسبيل من
[ ١ / ١٩٠ ]
روى عنه هؤلاء أن يحشر في زمرة من قيل فيه: صدوق، كما حققته أخيرا في بحث مستفيض فريد في " تمام المنة " (ص ٢٠٤ - ٢٠٦)، فلا تغتر ببعض الجهلة كالسقاف وغيره، وعليه فعلة الحديث هاشم فقط.
ومما يدل على ضعف هذين الحديثين أن القصة وردت عن ابن عباس بدون ذكر الحصى ولفظه قال: عن جويرية أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟ قالت: نعم، قال النبي ﷺ: " لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لووزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه ومداد كلماته "، أخرجه مسلم (٨ / ٨٣ - ٨٤) والترمذي (٤ / ٢٧٤) وصححه والنسائي في " عمل اليوم والليلة " (١٦١ - ١٦٥) وابن ماجه (١ / ٢٣) وأحمد (٦ / ٣٢٥ و٤٢٩ - ٤٣٠)، فدل هذا الحديث الصحيح على أمرين:
الأول: أن صاحبة القصة هي جويرية، لا صفية كما في الحديث الثاني؟ .
الآخر: أن ذكر الحصى في القصة منكر، ويؤيد هذا إنكار عبد الله بن مسعود ﵁ على الذين رآهم يعدون بالحصى، وقد جاء ذلك عنه من طرق سبق أحدها ولوكان ذلك مما أقره ﷺ لما خفي على ابن مسعود إن شاء الله وقد تلقى هذا الإنكار منه بعض من تخرج من مدرسته ألا وهو إبراهيم بن يزيد النخعي الفقيه
[ ١ / ١٩١ ]
الكوفي، فكان ينهى ابنته أن تعين النساء على فتل خيوط التسبيح التي يسبح بها! رواه ابن أبي شيبة في " المصنف " (٢ / ٨٩ / ٢) بسند جيد.
قد يقول قائل: إن العد بالأصابع كما ورد في السنة لا يمكن أن يضبط به العدد إذا كان كثيرا، فالجواب: إنما جاء هذا الإشكال من بدعة أخرى وهي ذكر الله في عدد محصور كثير لم يأت به الشارع الحكيم، فتطلبت هذه البدعة بدعة أخرى وهي السبحة! فإن أكثر ما جاء من العدد في السنة الصحيحة، فيما ثبت لدي إنما هو مئة، وهذا يمكن ضبطه بالأصابع بسهو لة لمن كان ذلك عادته.
وأما حديث: من قال في يوم مئتي مرة: " إله إلا الله وحده لا شريك له " الحديث، فالمراد: مئة إذا أصبح، ومئة إذا أمسى كما جاء مصرحا به في بعض الروايات الثابتة، وبيان ذلك في " الصحيحة " (٢٧٦٢) .
وأما ما رواه ابن أبي شيبة (٢ / ٣٩١) عن وقاء عن سعيد بن جبير قال: رأى عمر بن الخطاب رجلا يسبح بتسابيح معه، فقال عمر: إنما يجزيه من ذلك أن يقول:
سبحان الله إلخ، فهو منكر لوجوه، منها الانقطاع بينه وبين سعيد، وضعف وقاء، وهو ابن إياس، وهو لين الحديث.
ولولم يكن في السبحة إلا سيئة واحدة وهي أنها قضت على سنة العد بالأصابع أو كادت، مع اتفاقهم على أنها أفضل، لكفى! فإني قلما أرى شيخا يعقد التسبيح بالأنامل! ثم إن الناس قد تفننوا في الابتداع بهذه البدعه، فترى بعض المنتمين لإحدى
[ ١ / ١٩٢ ]