فأقول: كلا؛فإن عمرًا هذا كذاب يروي الموضوعات عن الثقات؛ فلا يستشهد به ولا كرامة.
واعلم أنه لا يوجد حديث صحيح صريح في إيقاع الطلاق بلفظ ثلاثًا - ثلاثًا، فلا تغتر بكلام الكوثري في كتابه "الإشفاق"؛ فإنه غير مشفق على نفسه؛ فإنه يتفق مع انحرافه عن السنة؛ كتأويله حديث ابن عباس في "صحيح مسلم" على أنه في غير المدخول بها! ومن أراد مفرق الحق في هذه المسألة فليراجع كتب شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم وغيرها من أئمة السنة والذابين عنها.
٣٧٧٧ - (خذل عنا؛ فإن الحرب خدعة) .
ضعيف جدًا
أخرجه الطبري في "تهذيب الآثار" (١/ ١٠٩/ ٢٢٦)، وأبو عوانة (٤/ ٨٢)، والديلمي (٢/ ١١١-١١٢) عن يعقوب بن محمد: حدثنا عبد العزيز بن عمران: حدثنا إبراهيم بن صابر الأشجعي، عن أبيه، عن أمه بنت نعيم بن مسعود الأشجعي، عن أبيها قال: قال رسول الله - ﷺ -:
قلت: وهذا إسناد ضعيف جدًا؛ عبد العزيز بن عمران هو المعروف بابن أبي ثابت الزهري المدني، وهو متروك.
ومن فوقه لم أعرفهم، وبنت نعيم اسمها زينب، ونعيم صحابي مشهور قالوا: وهو الذي أوقع الخلاف بين الحيين (قريظة وغطفان) في وقعة الخندق، فخالف بعضهم بعضًا ورحلوا عن المدينة، والقصة رواها ابن إسحاق بغير إسناد؛ وفيها أن النبي - ﷺ - قال له: "فخذل عنا إن استطعت؛ فإن الحرب خدعة". انظر "تاريخ ابن كثير" (٤/ ١١١)، ورواها الطبري (١/ ١١٤/ ٢٣٦) عن الزهري مرسلًا؛ دون حديث الترجمة.
[ ٨ / ٢٥٣ ]
(تنبيه): "إبراهيم بن صابر" هكذا وقع في "تهذيب الطبري"، ووقع في "مسند أبي عوانة": "..هانىء" مكان "صابر"، وفي "الديلمي": "جابر". وهذا تحريف شديد، أضاع علينا معرفة هوية إبراهيم هذا، وقد ذكر الحافظ المزي في شيوخ عبد العزيز بن عمران ثلاثة باسم إبراهيم:
الأول: إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة.
الثاني: إبراهيم بن حويصة.
الثالث: إبراهيم بن أبي الصقر.
ولم أعرف من هؤلاء إلا الأول؛ وهو أشهلي أنصاري مولاهم، ولم يذكروا له رواية عن أبيه، ثم هو ضعيف. والله أعلم.
واعلم أنني إنما خرجت الحديث هنا من أجل طرفه الأول: "خذل عنا"، وإلا؛ فبقيته صحيح، بل متواتر، أخرجه ابن جرير عن عشرة من الصحابة، وبعضها في "الصحيحين"، وخرجه السيوطي في "الجامع الصغير" عن أربعة عشر صحابيًا، ليس فيهم أبو الطفيل وأسماء بنت يزيد، وقد أخرجهما الطبري، فيصير العدد (١٦) . وقد أخرجته عن بعضهم في "الروض النضير" (٧٧٠)، وغيره، فانظر "صحيح الجامع الصغير" (٣١٧١) .
ثم وقفت على الكتاب الذي سماه مؤلفه الشيخ عبد الله الدويش ﵀: "تنبيه القاري على تقوية ما ضعفه الألباني"! ومما قواه هذا الحديث! فقد ساقه من رواية البيهقي في "دلائل النبوة" (٣/ ٤٤٥-٤٤٦) من طريق أحمد بن عبد الجبار: حدثنا يونس، عن ابن إسحاق قال: فحدثني رجل، عن عبد الله بن كعب بن مالك قال:
[ ٨ / ٢٥٤ ]
جاء نعيم بن مسعود الأشجعي إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله! إني قد أسلمت؛ ولم يعلم بي أحد من قومي، فمرني أمرك إلخ.
قلت: كذا صورة الأصل، وهي بخطه؛ كما أخبرني من أهداه إلي، وهذا من أوهامه ﵀! لأنه كان عليه أن يذكر جواب النبي - ﷺ - لنعيم بن مسعود؛ لأن موضع استشهاده أو انتقاده علي إنما هو فيه، وهو:
فقال له رسول الله - ﷺ -: "إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا ما استطعت؛ فإنما الحرب خدعة". فانطلق نعيم بن مسعود الحديث.
قلت: فهنا محل تلك اللفظة: "إلخ" كما هو ظاهر.
ثم ساقه من رواية البيهقي أيضًا من الطريق ذاتها، عن ابن إسحاق قال: حدثنا يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة قالت:
كان نعيم بن مسعود رجلًا نمومًا، فدعاه رسول الله - ﷺ -، فقال: ، فذكر القصة مختصرة جدًا، وفيه:
فلما ولى نعيم قال رسول الله - ﷺ -: "إنما الحرب خدعة".
وقال الدويش عقبه:
"وهذا إسناد حسن، وقد أشار إليه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (٧/ ٤٠٣) بأطول من هذا، وسكت عليه. والله أعلم".
كذا قال! غفر الله له، وفيه أوهام عجيبة!
أولًا: قوله: "وقد أشار إليه الحافظ.." إلى قوله: "وسكت عنه".
فأقول: الذي سكت عنه الحافظ ليس هذا الذي ساقه الدويش من رواية
[ ٨ / ٢٥٥ ]