طريق عاصم بن عمرو عن عمير - مولى عمر - قال:
جاء نفر من أهل العراق إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال لهم: ماجاء بكم؟ قالوا: جئناك نسألك عن ثلاث. قال: ماهن؟ قالوا: صلاة الرجل في بيته، ماهي؟ وما يصلح للرجل من امرأته وهي حائض؟ وعن غسل الجنابة؟
فقال: أما صلاة الرجل في بيته تطوعًا [فنور]، فنور بيتك ما استطعت الحديث، وهذا مختصر منه.
وأورده الهيثمي في " المجمع" أيضًا (١/٢٧٠ - ٢٧١) من رواية أبي يعلى، ولم أره في "المسند" المطبوع، ولا هو أشار في "المقصد العلي" أنه في "مسنده الكبير"، وقد رواه عنه الضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة"، وقد خرجته
فيما علقته عليه، وبينت أن فيه جهالة (١/٥١ - ترجمته رقم ٢٤٨، ٢٤٩)، وفي "التعليق الرغيب" (١/١٥٩) .
٦٥٢٨ - (نهى أن تزوج المرأة على العمة والخالة، فقال: إنكن إذا فعلتن ذلك قطعتن أرحامكن) .
منكر بزيادة (الشطر الثاني) .
أخرجه ابن حبان (١٢٧٥ - موارد)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١١/٣٣٧/١١٩٣١)، وابن عبد البر في "التمهيد" (١٨/٢٧٧ - ٢٧٨) من طريق المعتمر بن سليمان قال: قرأت على
الفضيل بن ميسرة عن أبي حريز عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهمرفوعًا.
قلت: وهذا إسناد فيه علتان:
[ ١٤ / ٦٤ ]
إحداهما: (أبو حريز) - واسمه: عبد الله بن الحسين - قاضي (سجستان)
قال الذهبي في "الكاشف":
"مختلف فيه، وقد وثق، وقال ابن عدي: عامة مايرويه لا يتابعه أحد عليه".
قلت: قال ابن عدي هذا في "الكامل" (٤/١٥٨ - ١٦١) بعد أن ساق له أحاديث هذا أحدها، مشيرًا بذلك إلى نكارته، وتبعه على ذلك الذهبي في "الميزان"، ولكن يحتمل أن العلة من الرواي عنه، وهي:
الأخرى: الفضيل بن ميسرة، فإنه مع كونه صدوقًا ثقة، ففي روايته عن أبي حريز خاصة [نظر]، فقد ذكروا في ترجمته: عن يحيى بن سعيد قال:
"قلت للفضيل بن ميسرة: أحاديث أبي حريز؟ قال: سمعتها فذهب كتابي، فأخذته بعد ذلك من إنسان".
فالعلة منه، أو من شيخه.
وقد أخطأ في هذا الإسناد رجلان:
أحدهما: (مضعف الأحاديث الصحيحة) في تعليقه على "إغاثة اللهفان"، فإنه جهل أو تجاهل أن العلة من أحد الروايين، وحط بها على المعتمر فقال (١/٥٠٢):
"ولعلها وهم من المعتمر بن سليمان، فإن عنده أوهامًا".
وهذا إعلال باطل، فإن (المعتمر) هذا ثقة محتج به في "الصحيحين"، ولم يغمز من قناته أحد، بل هو من كبار العلماء، كما قال الذهبي في "السير" (٨/٤٢٠)، ولا سيما وفي إسناد الحديث قوله: "قرأت على الفضيل بن ميسرة"،
[ ١٤ / ٦٥ ]
فمن أين لو كان له أوهام، كما يزعم (المضعف)؟! ولولا أن من عادته الطعن في الثقات من الرواة - تظاهرًا بالتحقيق! - لكان هناك احتمال كبير أن يكون قلمه سبقه - لأنه كثير التحويش - أراد أن يقول: (الفضيل بن ميسرة) فكتب (المعتمر ابن سليمان)، ولا سيما وهو مجرد ناقل غير حافظ! وهذا يذكرني بحكاية (جحا)
الراعي حين فجأ أهل القرية - مازحًا - بأن الذئب سطا على الغنم، فصدقوه، وفي المرة الأخرى كذبوه، مع أنه كان صادقًا فيها!!
والرجل الآخر: الشيخ شعيب، فإنه قال في التعليق على "الإحسان":
"حديث حسن، أبو حريز حديثه حسن في الشواهد، فقد توبع".
ثم خرجه من طريقين آخرين ضعيفين عن عكرمة قال: "به"، مع أنه ليس فيهما الزيادة، وفي أحدهما زيادة أخرى مستنكرة، خرجته من أجلها في "ضعيف أبي داود" (٣٥٢)، وهو بدون الزيادتين متفق عليه من حديث أبي هريرة، وهو مخرج في "الإرواء" (٦/٢٨٨ - ٢٩٠) مع أحاديث أخرى نحوه، وبعضها في "الإحسان" (٤٠٦٨، ٤١١٧، ٤١١٨) . ولذلك، فإني أستبعد صدور مثل هذا التحسين والتخريج الهزيل ممن مضى عليه زمن طويل في هذا الفن، ويغلب على الظن أنه من بعض المتمرنين على يديه من الموضفين، وهذا من شؤم الإعراض عن قول العلماء: (من بركة العلم عزو كل قول إلى قائله) . وإن من آثار هذا الإعراض: تعدد أسماء المحققين على الكتاب الواحد، حتى وصلت في بعض المطبوعات إلى خمسة أسماء أو أكثر! وبذلك تضييع مسؤولية الأخطاء العلمية التي تقع في الكتاب! وهذا يذكرني بإلغاء وظيفة (المفتي)، واستبدال (لجنة الإفتاء) بها، ومن أسباب ذلك قلة العلماء.
[ ١٤ / ٦٦ ]
ثم ألقي في البال: أنه لعل ذلك التحسين الهزيل هو من المعلق على الطبعة الجديدة لكتاب " موارد الظمآن"، فقد رأيته قد نحا ذاك النحو في التحسين، دون أن ينبه للزيادة التي عزاها لمن لم يخرجها، كدت أن أجزم بذلك، لأنني قد علمت من بعض كتاباته ومقدمته أنه كان يعمل يومًا ما مع الشيخ شعيب في "الإحسان"، فصدني عن الجزم به أنني رأيت الشيخ وقرينه في تحقيق طبعة المؤسسة للكتاب المذكور (١/ ٥٤٨) قد حسنا الحديث في ذيله. وقد زاد الطين بلة، وفي الوهم غفلة: أنهما علقا عليه ما نصه:
"جاء في حاشية الأصل: علقه البخاري. قلت: علقه البخاري بإثر حديث (٥١٠٨) المختصر من حديث أبي هريرة، وليس من حديث ابن عباس".
فأوهما بهذا التعليق أن الحديث بالزيادة عند البخاري عن أبي هريرة، لأنهما لم يأخذا على (المحشي) إلا أنه أوهم أنه عند البخاري عن ابن عباس! ظلمات بعضها فوق بعض، فالحديث ليس في البخاري عن ابن عباس مطلقًا، ولا عن أبي هريرة، إلا بدون الزيادة - كما تقدمت الإشارة إلى ذلك -.
ويغلب على ظني أن الذي حملهم على التحسين وقوفهم مع قول الحافظ في "التلخيص" (٣/١٦٨):
"وثقه ابن معين وأبو زرعة، وضعفه جماعة، فهو حسن الحديث".
قلت: هذا الحكم من الحافظ نحوه قوله فيه في "التقريب":
"صدوق يخطىء".
فمثله ينتقى حديثه، ويتقى منه ما ظهر خطؤه فيه، كهذا، على ما سبق بيانه
[ ١٤ / ٦٧ ]
من كلام ابن عدي والذهبي، على أنه إن سلم منه، فلا يسلم من الفضيل بن ميسرة، لاعترافه بأن كتابه عن أبي حريز ضاع، فأخذه فيما بعد من إنسان مجهول. فينبغي الانتباه لهذا.
نعم، قد قال الحافظ عقبه:
"وفي الباب ما أخرجه أبو داود في "المراسيل" عن عيسى بن طلحة قال:
نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على قرابتها".
قلت: وإسناده في "المراسيل" هكذا (١٨٢/٢٠٨): حدثنا محمد بن عمر ابن علي: حدثنا أبو عامر: حدثنا سفيان الثوري عن خالد بن سلمة المخزومي عن عيسى بن طلحة به.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٤/٢٤٨) قال: ابن نمير عن سفيان به وزاد:
"مخافة القطيعة". ونحوه في "مصنف عبد الرزاق" (١٠٧٦٧) .
وهذا إسناد مرسل صحيح رجاله ثقات رجال مسلم، ولكنه شاذ أو منكر، لأن قوله" على قرابتها" أعم من قوله في حديث أبي هريرة المتفق عليه: "العمة والخالة" - كما هو ظاهر -، وقد ذهب قوم إلى ذلك فقالوا مثلًا: لا يجوز الجمع بين ابنتي العم. قال ابن عبد البر:
"والصحيح أنه لا بأس بذلك وعليه فقهاء الأمصار". وانظر تمام البحث فيه.
[ ١٤ / ٦٨ ]