وهذا القطع وإن كان الحافظ قد غمز منه في آخر ترجمة (القاسم) هذا من "التهذيب" بقوله عقبه:
"كذا قال! ".
فإني لا أجد فيه ما يستلزم رده، بل لعل الإمام البخاري قد أشار إلى استنكاره للحديث بإيراده إياه في ترجمة (القاسم) هذا.
على أنني أرى بأن الحديث على محمد بن محمد أبي نافع أولى من الحمل على شيخه القاسم، لأنه لم يرو عنه غير واحد بخلاف من فوقه، ولذلك قال في "الميزان":
"لايكاد يعرف، روى حديثًا عن القاسم بن عبد الواحد، رواه عنه عبد الملك الجدي، ذكره ابن حبان في "ثقاته" ". وقال في "المغني":
"فيه جهالة". وأشار إلى تليين توثيق ابن حبان في "الكاشف" فقال:
"وُثق". وهو في "ثقات ابن حبان" (٩/٣٨) برواية الجدي هذا.
٦٥٣٣ - (لا ربا بين أهل الحرب وأهل الإسلام) .
منكر.
قال الشافعي في "الأم" (٧/٣٢٦) - وعنه البيهقي في "المعرفة" (٧/٤٧ - ٤٨) -:
"قال أبو حنيفة ﵁: لو أن مسلمًا دخل أرض الحرب بأمان فباعهم الدرهم بالدرهمين، لم يكن بذلك بأس، لأن أحكام المسلمين لا تجري عليهم، فبأي وجه أخذ أموالهم برضى منهم، فهو جائز".
[ ١٤ / ٧٩ ]
قال الأوزاعي: الربا عليه حرام في أرض الحرب وغيرها، لأن رسول الله ﷺ قد وضع من ربا أهل الجاهلية ما أدركه الإسلام من ذلك، وكان أول ربا وضعه رباالعباس بن عبد المطلب، فكيف يستحل المسلم أكل الربا في قوم قد حرم الله عليه دماءهم وأموالهم؟ وقد كان المسلم يبايع الكافر في عهد رسول الله ﷺ، فلا يستحل ذلك.
وقال أبو يوسف: القول ما قال الأوزاعي: لا يحل هذا ولا يجوز، وقد بلغتنا الآثار التي ذكر الأوزاعي في الربا، وإنما أحل أبو حنيفة هذا، لأن بعض المشيخة حدثنا عن مكحول عن رسول الله ﷺ أنه قال: فذكر الحديث.
قال الشافعي ﵀:
"القول كما قال الأوزاعي وأبو يوسف، والحجة كما احتج الأوزاعي، وما احتج به أبو يوسف لأبي حنيفة ليس بثابت، فلا حجة فيه".
قلت: ومن تعصب بعض الحنفية لإمامهم أبي حنيفة ﵀: قول العيني في "البناية شرح الهداية" (٦/٥٧١) عقب قول الشافعي المذكور:
"قلت: لا نسلم عدم ثبوته، لأن جلالة قدر الإمام لا تقتضي أن يجعل لنفسه مذهبًا من غير دليل واضح. وأما قوله: ولا حجة فيه. فبالنسبة إليه، لأن مذهبه عدم العمل بالمرسلات، إلا مرسل سعيد بن المسيب، والمرسل عندنا حجة
على ما عرف في موضعه. والله أعلم".
قلت: وهذا رد عجيب غريب لا يصدر من عالم فقيه، ورده من وجوه:
الأول: قوله: " من غير دليل واضح".
[ ١٤ / ٨٠ ]
فأقول: وكذلك شأن سائر الأمة، ومنهم الذين خالفوه: الأوزاعي والشافعي وأبو يوسف. فهل خالفوه "من غير دليل واضح"؟! أم الأدلة متناقضة؟ كلا، لا هذا ولا هذا. وإنما هو الصواب وخطأ، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾، فالتعصب لإمام منهم معناه الرضا بالتنازع والعياذ بالله.
الثاني: التزام القول بثبوت الحديث يعني القول بإباحة الربا في دار الحرب سواء كان الربا لصالح المسلم، أو لصالح الحربي، وهذا ينافي تعليلهم الإباحة بأن مال الحربي مباح، وهم لا يقولون بذلك، ولهذا قال ابن الهمام في "فتح القدير" (٦/١٧٨):
"وقد التزم الأصحاب في الدرس أن مرادهم من حل الربا والقمار ما إذا حصلت الزيادة للمسلم نظرًا إلى العلة، وإن كان إطلاق الجواب خلافه. والله ﷾ أعلم بالصواب".
قلت: وبهذا يظهر تناقضهم، فإنهم إن أصروا على تصحيح الحديث، بطل تعليلهم، ووجب عليهم الأخذ بعمومه، وهنا تتجلى المخالفة التي من أجلها رفض الحديث الأئمة الثلاثة، وإن ظلوا متمسكين بالتعليل، لم يستفيدوا من الحديث شيئًا، لأن التعليل أغناهم عن دلالته التي قيدوه به!
وإن من العجيب أيضًا أن ابن الهمام قرن مع الربا (القمار)، وهذا لا يمكن أن يضمن كونه في صالح المسلم - كما هو ظاهر -، وهذا في الواقع ممن يشعر أنهم يقولون بعموم الحديث. ولعل هذا من أسباب إقبال كثير من أغنياء المسلمين ودولهم على إيداع أموالهم في بنوك الحربيين. والله المستعان.
[ ١٤ / ٨١ ]
وأما الحافظ الزيلعي الحنفي، فقد أورد الحديث بلفظه في "الهداية":
"لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب". وقال (٤/٤٤):
"غريب".
يعني: لا أصل له بهذا اللفظ. ثم خرجه من رواية البيهقي عن الشافعي، ونقل قوله المتقدم في تضعيفه، وأقره.
وكذا في "الدراية" للحافظ ابن حجر (٢/١٥٨) الثالث: قوله: "والمرسل عندنا حجة على ما عرف في موضعه".
قلت: ليس هو حجة عندهم على إطلاقه، بحيث يشمل كل عدل - كما هو المشهور عندهم -، وجرى عليه الشيخ التهانوي في كتابه الذي سماه "قواعد في علوم الحديث"، وكان الأحرى به أن يضيف إليه: "على مذهب الحنفية"، لأنه هو حال هذا الكتاب، والأدلة على ذلك كثيرة، وحسبنا الآن ما نحن بصدده، فإنه عقد فيه فصلًا خاصًا في (أحكام المراسيل)، قال بعد أن ذكر الخلاف في قبول مرسل أهل القرون الثلاثة (ص ١٤٠):
"والمختار قبول مراسيل العدل مطلقًا".
ثم بين (ص ١٤٧) أن ذلك ليس مقيدًا بالتابعي، بل هو يشمل القرون الثلاثة، فإنه سرد أسماء كثير من الرواة العدول، وأقوال المحدثين فيهم قبولًا ورفضًا لمراسيلهم، ومنهم: الحسن البصري وسفيان بن عيينة، وقول بعض المحدثين في
مراسيلهما: إنها كالريح! فتعقب ذلك بقوله (ص ١٥٧):
[ ١٤ / ٨٢ ]
"قلت: هذا الكلام لا يتمشى على أصلنا، فإن كل هؤلاء من أهل القرن الثاني أو الثالث، ومراسيلهم مقبولة عندنا!
ثم ختم الشيخ التهانوي فصله بأن الحق (المدلس) من القرون الثلاثة بـ (المرسِل) منهم! (ص ١٥٨ - ١٥٩) .
وعلى هذا فإني أقول: على علم الحديث السلام، وعلى جهود المحدثين في حفظهم للأسانيد، ومعرفة طبقات الرواة ووفياتهم، وعلل الحديث، كالإرسال، والانقطاع، والإعضال، والتدليس وأنواعه، فقد عاد كل ذلك على مذهبهم مما لا قيمة له تذكر، فإن أصحاب الكتب الستة مثلًا كلهم من القرن الثالث، وآخرهم وفاة الترمذي (٢٧٩)، فإن قال أحدهم: قال رسول الله ﷺ أو من فوقه، صار الحديث عندهم صحيحًا! ولذلك كثرت الأحاديث الضعيفة، بل والموضوعة في كتبهم أكثر مما هي في كتب غيرهم من بقية المذاهب الأربعة، وكثير منها لا
سنام لها ولا خطام، وبنوا عليها مع ذلك علالي وقصورًا وأحكامًا، وهي التي يتلطف نابغتهم الحافظ الزيلعي في الحكم عليها بقوله: "غريب"! مكان قول المحدث: "لا أصل له"!
وبعد، فإن المقصود هنا: أن بعض محققيهم كأنه رأى أن في إطلاق لفظ (العدل) في تعريفهم للحديث (المرسل) توسعًا غير مرضي، ولا هو محمود العاقبة، وبخاصة مع ذلك التوسع الآخر "القرون الثلاثة"! فقيَّده بقوله:
"المرسل: قول الإمام الثقة: قال ﵊".
هكذا قاله المحقق ابن الهمام وهو من كبار علمائهم، وله آراء يخالف فيها مذهبهم، مما يدل على أنه من المجتهدين في المذهب، قال ذلك في كتاب "التحرير
[ ١٤ / ٨٣ ]