حدثنا خارجة عن بهزبن حكيم عن أبيه عن معاوية بن حيدة قال:
خرج حيدة بن معاوية معتمرًا الحديث نحوه.
فجعله من مسند (معاوية بن حيدة)، وصحبته ثابتة مشهورة، لكن خارجة - وهو: ابن مصعب بن خارجة أبو الحجاج السرخسي -، قال الحافظ:
"متروك، وكان يدلس عن الكذابين، ويقال: إن ابن معين كذبه".
قلت: وبالجملة، فهذه القصة لا تصح، وما أشبه حال (حيدة بن معاوية) بـ (سعيد بن حيوة) من حيث عدم ثبوت الصحبة. والله ﷾ أعلم.
ثم إن حديث الترجمة يغني عنه من حيث المعنى قوله ﷺ:
"لا تسبوا الأموات، فتؤذوا الأحياء".
صححه ابن حبان وغيره، وهو مخرج في "الصحيحة" (٢٣٩٧) .
٦٥٤٦ - (الصلاة مثنى مثنى، تشهد في كل ركعتين، وتضرع وتخشع، وتمسكن، ثم تقنع يديك - يقول: ترفعهما - إلى ربك مستقبلا ببطونهما وجهك، وتقول: يا رب يا رب، فمن لم يفعل ذلك فهي خداج) .
منكر.
أخرجه عبد الله بن المبارك في "الزهد" (٤٠٤/١١٥٢)، ومن طريقه الترمذي (٣٨٥)، وكذا النسائي في "السنن الكبرى" (١/٤٥٠/١٤٤٠)، والبغوي في "شرح السنة" (٣/٢٥٩/٢٦٠)، وأحمد (١/٢١١) - كلهم عن ابن المبارك -، والبخاري تعليقًا في "التاريخ" (٢/١/٢٨٣ -٢٨٤)،
[ ١٤ / ١٠٧ ]
وابن خزيمة في "صحيحه" (١٢١٣)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (٢/٢٤)، والبيهقي في "السنن" (٢/٤٨٧)، وأحمد أيضًا (٤/١٦٧)، وأبو يعلى (١٢/١٠١ -١٠٢)، والعقيلي في "الضعفاء" (٢/٣١٠ -٣١١)، والطبراني
في "المعجم الكبير" (١٨/٢٩٥/٧٥٧)، و"الدعاء" (٢/٨٨٤ -٨٨٥) كلهم عن الليث بن سعد قال: حدثنا عبد ربه بن سعيد عن عمران بن أبي أنس عن عبد الله بن نافع بن العمياء عن ربيعة بن الحارث عن الفضل بن العباس
مرفوعًا.
وخالفه شعبة، فقال: عن عبد ربه بن سعيد عن أنس بن أبي أنس عن عبد الله بن نافع بن العمياء عن عبد الله بن الحارث عن المطلب مرفوعًا.
أخرجه الطيالسي في "مسنده" (١٩٥/١٣٦٦): حدثنا شعبة به.
ومن هذا الوجه اخرجه البخاري أيضًا تعليقًا (٢/١/٢٨٤)، وأبو داود (١٢٩٦) ومن طريقه ابن عبد البر في "التمهيد" (١٣/٢٤٦)، والنسائي أيضًا (١٤٤١)، وابن ماجة (١٣٢٥)، وابن خزيمة (١٢١٣)، والطحاوي،
والدارقطني (١/٤١٨/٤)، والبيهقي (٢/٢٢٦)، وأحمد (٤/١٦٧)، والعقيلي (٢/٣١)، وابن عدي في "الكامل" (٤/٢٢٦)، والطبراني (٢/٨٨٥ -٨٨٦) من طرق عن شعبة به. وقال العقيلي:
"وفي الإسنادين جميعًا نظر".
قلت: وذلك، لأن مدارهما على (عبد الله بن نافع بن العمياء)، قال البخاري في "التاريخ" (٣/١/٢١٣):
"لم يصح حديثه". يشير إلى هذا - كما قال ابن عدي -.
[ ١٤ / ١٠٨ ]
وقال ابن المديني:
"مجهول". وكذا قال الحافظ في "التقريب".
وأما ابن حبان، فذكره في "الثقات" (٧/٥٣) ! وهذا من تساهله المعروف.
وفي الحديث علة أخرى، وهي: الاختلاف في إسناده بين الليث وشعبة، وقد اتفق الحفاظ على ترجيح رواية الليث، وتخطئة شعبة في روايته، فقال أحمد عقب رواية الليث:
"هذا هو عندي الصواب". وقال الطبراني:
"وضبط الليث إسناد هذا الحديث، ووهم فيه شعبة". وذكر نحوه الطحاوي.
وقال البخاري عقب رواية شعبة:
:وقد توبع الليث، وهو أصح". وزاد الترمذي والبيهقي عنه:
"وشعبة أخطأ في هذا الحديث في مواضع:
١ - قال: عن (أنس بن أبي أنس) وإنما هو: (عمران بن أبي أنس) .
٢ - وقال: عن (عبد الله بن الحارث) .. وإنما هو: عن (عبد الله بن نافع) عن (ربيعة بن الحارث)، و(ربيعة بن الحارث) هو: (ابن المطلب) .
٣ - فقال هو: (عن المطلب) ولم يذكر فيه: (عن الفضل بن عباس) ".
ولذلك قال ابن عبد البر في "التمهيد" (١٣/١٨٦):
" إسناد مضطرب ضعيف، لا يحتج بمثله".
[ ١٤ / ١٠٩ ]
والمتابعة التي أشار إليها البخاري، قد أخرجها الطحاوي من طريق ابن لهيعة:
ثنا عبد ربه بن سعيد به. مثل رواية الليث.
وخالفهم جميعًا يزيد بن عياض، فقال:
عن عمران بن أنس عن عبد الله بن نافع بن أبي العمياء عن المطلب بن ربيعة مرفوعًا.
أخرجه أحمد.
وابن عياض هذا كذبوه، فلا وزن لمخالفته البتة.
وإذا ثبت أن الصواب رواية الليث بن سعد، فيرد هنا سؤال: من هو (ربيعة ابن الحارث) الراوي عن (الفضل بن العباس)؟ وما حاله؟
أما الجواب عن الأول، فقد تقدم في كلام البخاري الذي نقله عنه الترمذي والبيهقي: أنه (ربيعة بن الحارث بن المطلب)، وزاد الطحاوي فقال (٢/٢٥ -٢٦):
" هو ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، ويكنى (أبا أروى)، وكانت وفاته في خلافة عمر بالمدينة، وكان أسن من عمه العباس ".
ونحوه في "العلل" لابن أبي حاتم الرازي (١/١٣٢)، فقد سأل أباه عن اختلاف الليث وشعبة في إسناد الحديث؟ فقال:
"ما يقول الليث أصح، لأنه قد تابعه عمرو بن الحارث وابن لهيعة، وعمرو والليث كانا يكتبان، وشعبة صاحب حفظ.
[ ١٤ / ١١٠ ]
قلت لأبي: هذا الإسناد عندك صحيح؟ قال: حسن.
قلت لأبي: من ربيعة بن الحارث؟ قال: هو: ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب.
قلت: سمع من الفضل؟ قال: أدركه.
قلت: يحتج بحديث ربيعة بن الحارث؟ قال: حسن.
فكررت عليه مرارًا، فلم يرد على قوله: حسن. ثم قال:
الحجة سفيان وشعبة.
قلت: فـ (عبد ربه بن سعيد)؟ قال: لا بأس به.
قلت: يحتج بحديثه؟ قال: هو حسن الحديث".
قلت: ومن هذه الأجوبة تكونت في الذهن إشكالات، احدها يتعلق بالجواب الذي نحن في صدد بيانه، والإشكال هو: إذا كان (ربيعة بن الحارث)، في هذا الحديث هو (ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب)، وهو صحابي معروف مترجم في (الصحابة)، بل وابنه (عبد المطلب) مترجم أيضًا في الصحابة، وقصة إرساله مع الفضل بن العباس من أبويهما ربيعة والعباس إلى النبي ﷺ ليؤمرهما على الصدقة مروية في "صحيح مسلم" (٣/١١٨) من حديث عبد المطلب هذا نفسه (١) .
وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يصح مع هذا قول أبي حاتم فيه بأنه أدرك الفضل، أي: عاصره، ولم يلقه؟! ثم قوله: بأنه لا يحتج به، وأن حديثه حسن
_________________
(١) وهو مخرج في "الإرواء" (٣/٣٨٦) .
[ ١٤ / ١١١ ]
فقط ويصر على ذلك فهذا وذاك يدل دلالة واضحة على أن ربيعة هذا ليس بصحابي عند أبي حاتم، بل هو آخر تابعي أدرك عصر الصحابة. ويؤيد هذا قوله في "الجرح والتعديل" (٢/١/٤٧٣):
"ربيعة بن الحارث: روى عن الفضل بن عباس. روى عنه عبد الله بن نافع ابن العمياء".
وكأنه في ذلك تابع للبخاري، فإنه قال عقب حديث الليث - وقد ساقه تحت ترجمة (ربيعة بن الحارث) -:
" لا يتابع عليه، ولا يعرف سماع هؤلاء بعضهم من بعض".
وقد تبعهما ابن حبان، فأورده في طبقة (التابعين) من كتابه "الثقات" (٤/٢٣٠)، ولكنه ذكر (ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب) في (الصحابة)، وأرَّخ وفاته سنة (٢٣)، وعلى ذلك جرى المؤلفون في (الصحابة)، فالعجب من
البخاري وابن أبي حاتم، كيف لم يذكراه في كتابيهما، مع ذكرهما (ربيعة بن الحارث) التابعي هذا؟!
ولما ترجم الحافظ المزي لربيعة الصحابي وذكر تحته هذا الحديث، استشكل ذلك فقال:
"وقد قيل: إن ربيعة بن الحارث راوي هذا الحديث: رجل آخر من التابعين، قال عبد الرحمن بن أبي حاتم عن أبيه (فذكر ما تقدم آنفًا) وإن سن ربيعة الصحابي قريب من سن عمه العباس بن عبد المطلب، ثم أشار إلى قصة الإرسال،
ثم قال (٩/١١١ -١١٢):
[ ١٤ / ١١٢ ]
"وفي ذلك دلالة ظاهرة على أن ربيعة بن الحارث - راوي هذا الحديث - رجل آخر، مع ما في إسناد حديثه من الاختلاف. والله أعلم". وتعقبه الحافظ بقوله:
"ليس في هذا دلالة ظاهرة على أنه غيره، بل روايته عن الفضل من رواية الأكابر عن الأصاغر"!
وأقول: كان يمكن القول بهذا لو أن (ابن العمياء) كان ثقة حافظًا، وصرح في روايته عن (ربيعة) أنه: (ابن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي)، والأمران معدومان هنا، ففي كل الطرق لم يزد على قوله: (ربيعة بن الحارث)، فمن أين نأخذ أنه:
(ابن عبد المطلب الهاشمي)؟ أما الأمر الأول: فقد سبق أنه مجهول حتى عند الحافظ، فما ادعاه أنه من باب (رواية الأكابر عن الأصاغر) مجرد دعوى.
وأيضًا، فإن من المستبعد جدًا أن يخفى ذلك على الحفاظ الثلاثة: البخاري، وأبو حاتم، وابن حبان، ولا سيما و(ربيعة بن الحارث الهاشمي) ليس له رواية عن رسول الله ﷺ، وإنما جاء ذكره في القصة المتقدمة، وهي من رواية ابنه المطلب ابن ربيعة، وقول ابن الأثير في ترجمة أبيه في "أسد الغابة" (٢/٥٨):
"روى عن النبي ﷺ أحاديث منها: "إنما الصدقة أوساخ الناس". روى عنه ابنه عبد المطلب".
فأقول: هذا خطأ مزدوج، فليس له رواية في كتب السنة - فيما علمت -، لا في "المسند"، ولا "المعاجم"، ولا في كتب (الصحابة)، حتى ولا في "جامع المسانيد" للحافظ ابن كثير.
والحديث الذي ذكره، هو من رواية ابنه في القصة، وليس له رواية عنه ولا عن غيره.
[ ١٤ / ١١٣ ]
والخلاصة: أنه ليس لدينا ما يرجح أن راوي هذا الحديث هو: (ربيعة الهاشمي) الصحابي، وبخاصة أنه لم يذكر في الرواة من الصحابة - كما تقدم -.
فالظاهر أنه غيره - كما استظهره الحافظ المزي -. والله أعلم.
وبهذا يتم الجواب عن السؤال الأول.
وأما الجواب عن السؤال الثاني، وهو ما حال ربيعة بن الحارث؟
فأقول: في اعتقادي أن الجواب يمكن استفادته مما سبق نقله عن البخاري وأبي حاتم في ترجمتهما له، وأنهما لم يذكرا له راويًا غير (ابن العمياء) المجهول، وإن ذكرهما ابن حبان في "الثقات"، فذلك من تساهله - كما تقدم -.
إلا أنه يشكل عليه جواب أبي حاتم لابنه بأنه " حسن الإسناد"، فإن هذا الجواب لا يلتقي لا من قريب ولا من بعيد من تصريحه بجهالة من ليس له إلا راو واحد في غالب الأحيان، ولو كان الرواي عنه ثقة، فكيف إذا كان مجهولًا مثل (ابن العمياء) هذا؟!
فهل معنى هذا التحسين إذن أنه وقف له على راو آخر، أو رواة آخرين، فاطمأنت نفسه من أجل ذلك إليه، فحسن إسناده، أو أنه حسنه لتابعيه؟ كل ذلك محتمل، ولكني لا أجد الآن ما يؤيد شيئًا منه.
نعم، قد وجدت عن البخاري ما يشبه شيئًا منه، فقد روى الترمذي (٥٥٠) من طريق أبي بسرة الغفاري عن البراء بن عازب حديثًا استغربه. وقال:
"سألت محمدًا عنه فلم يعرف اسم أبي بسرة الغفاري، ورأه حسنًا".
ووجه الشبه أن أبا بسرة هذا حاله كحال (ربيعة بن الحارث)، لم يرو عنه غير
[ ١٤ / ١١٤ ]