متفق عليه من حديث عائشة ﵂، وفي معناه أحاديث، فانظر "الصحيحة" (٢٠٣٨)، و"مختصر الشمائل" (٣٣٦ -٣٤٢) .
(تنبيه): لم يعز الهيثمي هذا الحديث في "المجمع" للبزار، وإنما قال (٧/٤٩):
"رواه الطبراني، وفيه عطية العوفي، وهو ضعيف متروك".
وأنا أظن أن عزوه للطبراني وهم، فإني لم أره في "المعجم الكبير" - وهو المراد عند الإطلاق -، ولا عزاه إليه أحد كالسيوطي في "الدر" (٤/١٧٧)، ولعله أراد أن يقول: "البزار" فسبقه القلم فقال: "الطبراني"! أو: هو من أوهام
النساخ.
وقد عزاه السيوطي للبزار وأبي يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد. ولابن مردويه عن ابن عباس. ولهل ذكر ابن عباس من تخاليطه (عطية) أو من بعض الضعفاء دونه. والله أعلم.
٦٥٧١ - (في قول الله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قال: لو أن رجلًا همَّ فيه (يعني: المسجد الحرام) بسيئة وهو بـ (عدن أبين)، لأذاقه الله عذابًا أليمًا) .
موقوف.
أخرجه أحمد (١/٤٢٨ و٤٥١)، والبزار (٣/٦٠/٢٢٣٦ - الكشف)، وأبو يعلى (٩/٥٣٨٤)، والطيري (١٧/١٠٤)، والحاكم (٢/٣٨٨) من طريق يزيد بن هارون: أبنا شعبة عن السدي عن مرة عن عبد الله - قال
[ ١٤ / ١٥٩ ]
شعبة: رفعه، وأنا لا أرفعه.
كذا قالوا جميعًا، إلا الحاكم فليس عنده: " وأنا لا أرفعه". وقال:
"صحيح على شرط مسلم". ووافقه الذهبي.
وقال ابن كثير عقب عزوه إياه لابن أبي حاتم وأحمد:
"قلت: هذا الإسناد صحيح على شرط البخاري، ووقفه أشبه من رفعه، ولهذا صمم شعبة على وقفه من كلام ابن مسعود، وكذلك رواه أسباط وسفيان الثوري عن السدي عن مرة عن ابن مسعود موقوفًا. والله أعلم".
قلت: رواية الثوري أسندها الطبري والحاكم من طريقين عنه به موقوفًا. ولفظ الطبري:
" ما من رجل يهم بسيئة، فتكتب عليه، ولو أن رجلًا بـ (عدن أبين) همّ أن يقتل رجلًا بهذا البيت، لأذاقه الله من العذاب الأليم".
وذكره السيوطي في "الدر" (٤/٣٥١) من رواية سعيد بن منصور والطبراني عن ابن مسعود موقوفًا بلفظ:
"من هم بخطيئة لم يعملها في سوى البيت، لم تكتب عليه حتى يعملها، ومن هم بخطيئة في البيت، لم يمته الله من الدنيا حتى يذيقه من عذاب أليم".
وسكت السيوطي عنه، فما أحسن! فإنه عند الطبراني (٩/٢٥٣/٩٠٧٨) من طريق الحكم بن ظُهير عن السدي به.
وابن ظهير هذا، متروك - كما قال الهيثمي (٧/٧٠)، والحافظ في "التقريب" -،
[ ١٤ / ١٦٠ ]
فالعمدة على رواية الثوري المتقدمة. ولا سيما وقد تابعه أسباط - وهو: ابن نصر الهمداني -، وهو صدوق كثير الخطأ من رجال مسلم، فيستشهد به، ولكني لم أجد الآن من أسنده عنه، ومهما يكن من أمر، فما قاله ابن كثير: إن الوقف أشبه. هو المختار، وقد أشار إلى ذلك الحافظ في "الفتح" (١١/٣٢٨) .
وأما قول ابن كثير في الإسناد المرفوع:
" إنه على شرط البخاري"!
فهو خطأ، لعله سبق قلم منه، وإن سكت عليه الشيخ أحمد شارك ﵀ (٦/٦٥ -٦٦)، والصواب أنه على شرط مسلم - كما قال الحاكم -لولا الوقف، فإن: (السدي) - وهو: الكبير، واسمه: إسماعيل بن عبد الرحمن -، لم يخرج له
البخاري، على أنه قد ضعف، وأوده الذهبي في "المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد"، وقال (٦٩/٣٦):
"روى له مسلم متابعة، وثقه بعضهم، وقال أبو حاتم: لا يحتج به (١)، وقال أبو زرعة: لين". وقال الحافظ في "التقريب":
"صدوق يهم".
إذا عرفت ما سلف، فقد تعقب الشيخ أحمد كلام ابن كثير المتقدم بقوله:
وهذا تحكم من شعبة ثم من ابن كثير، وكلمة يزيد بن هارون التي رواها ابن أبي حاتم كلمة حكيمة، وإشارة دقيقة، يريد أن شعبة قد حكى رفعه عن شيخه، فهو قد رفعه رواية، وإن وقفه رأيًا، والرفع زيادة من ثقة، فتقبل، ونحن نأخذ عن
_________________
(١) () الأصل: "بقوله"، والتصحيح من "الجرح والتعديل" (١/١/١٨٥)، و"المغني".
[ ١٤ / ١٦١ ]
الرواي روايته، ولا نتقيد برأيه، وأما أن غير شعبة رواه موقوفًا، فلا يكون علة للمرفوع، والرفع زيادة ثقة، كما قلنا".
قلت: وهذا كلام وجيه من عالم تحرير، إلا أن قوله: "والرفع زيادة من ثقة فتقبل" ليس على إطلاقه عند الحفاظ النقاد - كما هو محقق في علم المصطلح -، وإن كان الشيخ ﵀ مال في تعليقه على "اختصار علوم الحديث" لابن كثير (ص ٦٧ -٦٨) أنها مقبولة على الإطلاق، ولا يخفى على المحققين في هذا العلم الشريف ما في ذلك من تعطيل نوع هام من علوم الحديث، وهو (الحديث الشاذ) الذي ذكروا في تعريفه قول الإمام الشافعي:
" هو أن يروي الثقة حديثًا يخالف ما روى الناس، وليس من ذلك أن يروي ما لم يروه غيره".
وعلى هذا قامت كتب (العلل) مثل: كتاب ابن أبي حاتم، وكتاب الدارقطني وغيرهما من الحفاظ، فكم من أحاديث رواها الثقات أعلوها بمخالفتهم لم هو أحفظ أو أوثق أو أكثر عددًا! وهذا مما لا مناص منه لكل باحث عارف نقاد، وكأن الشيخ ﵀ شعر بهذا في نهاية تعليقه المشار إليه، فختمه بقوله:
"نعم، قد يتبين للناظر المحقق من الأدلة والقرائن القوية أن الزيادة التي زادها الرواي الثقة زيادة شاذة، أخطأ فيها، فهذا له حكمه، وهو من النادر الذي لا تبنى عليه القواعد"!
قلت: ولذلك، فإني أقول:
إن زيادة الرفع هنا شاذة غير مقبولة، للأسباب التالية:
[ ١٤ / ١٦٢ ]
الأول: أن شعبة الذي روى الرفع عن شيخه (السدي)، لو أنه شك صراحة في الرفع، لكان ذلك من دواعي التوقف في قبول الرفع، فكيف وهو يقول: "وأنا لا أرفعه"؟! فينبغي على الباحث المحقق أن يقف قليلًا، ويتسائل عن السبب الذي حمل شعبة عليه، فإن مما لا شك فيه عارف بفضل شعبة وإمامته في هذا العلم أنه ما كان ليقول ذلك، لولا أنه بدا له شيء من الشك في رفع شيخه للحديث، فأوقفه هو من عنده، خشية أن يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل، ولعل من ذلك الضعف الذي في شيخه - كما سبق الإشارة إليه -.
الثاني: لو أن شعبة لم يوقفه، وروى الحديث عن شيخه مرفوعًا على الجادة ثم خالفه سفيان الثوري فأوقفه - كما تقدم -، لكان الوقف هو الراجح، لأن سفيان أحفظ من شعبة اتفاقًا، وباعتراف شعبة نفسه، فكيف وقد أوقفه أسباط بن نصر أيضًا؟ فكيف وقد جزم به شعبة؟!
الثالث: مخالفة الرفع لعموم الأحاديث القاطعة بأنه لا مؤاخذة على الهم بالسيئة، وإنما على العمل بها، وهي كثيرة معروفة، منها قوله ﷺ: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تتكلم أو تعمل به".
متفق عليه، وهو مخرج في "الإرواء" (٢٠٦٢) .
ولذلك اختار الإمام الطبري في تفسير الآية أن المراد بها المعصية، فقال بعد أن ساق الأقوال في تفسيرها، ومنها حديث ابن مسعود مرفوعًا وموقوفًا:
"فتأويل الكلام: ومن يرد في المسجد الحرام بأن يميل بظلم، فيعصي الله فيه، نذقه يوم القيامة من عذاب موجع له".
فقوله: "فيعصي الله فيه"..فيه إشارة قوية إلى عدم اعتداده بالمرفوع من
[ ١٤ / ١٦٣ ]