وصبيان بنيك، وجيرانك، فإنها المنجية، وهي المجادلة التي تجادل وتخاصم يوم القيامة عند ربها لقارئها، وتطلب له إلى ربها أن ينجيه من النار إذ كانت في جوفه، وينجي الله بها صاحبها من عذاب القبر. قال إبراهيم: قال أبي (فذكر
الحديث) .
ولاحظوا أيضًا أن مدار رواية البزار على شيخه (سلمة بن شبيب) - وهو ثقة من شيوخ مسلم -، وتابعه عنه شيخ الطبراني (محمد بن الحسين بن عجلان)، لكن خالفه في تسمية السورة - كما رأيت، وهو ثقة أيضًاَ، كما قال الخطيب في ترجمته في "التاريخ" (٢/٢٢٧) -، فروايته أرجح، لموافقتها لرواية الآخرين.
و(عجلان) جده الأعلى، فإنه: (محمد بن الحسين بن إبراهيم بن زياد ابن عجلان أبو شيخ الأصبهاني)، هكذا ساق نسبه الخطيب، وكذا أبو نعيم في "أخبار أصبهان" (٢/٢٢٧)، وذكروا أن وفاته كانت سنة (ست وثمانين
ومئتين)، ووقعت في كتاب " شيوخ الطبراني" للشيخ الفاضل صاحبنا حماد الأنصاري (٢٧٧/٥٣٨) سنة (٢٧٦) هكذا بالرقم.. فيصحح، كما فاته توثيق الخطيب فيستدرك، لأنه مهم.
٦٥٧٣ - (كَانَ سُلَيمانُ نبيُّ اللهِ إذَا صَلَّى، رأى شجرة نابتة بين يديه، فيقول لها ما اسمك؟ فتقول كذا، فيقول لأي شيء أنت؟ فإن كانت تُغْرَسُ، غُرسَت، وإن كان لدواءٍ كُتبتْ.
فبينما هو يصلي ذاتَ يَومٍ، إذ رأى شجرةً بين يديه، فقال لها: ما اسمك؟ قالت: (الخرنوب)، قال: لأي شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت، فقال سليمان: اللهم عمِّ على الجن موتي؛ حتى يعلم الإنس
[ ١٤ / ١٦٦ ]
أن الجن لا يعلمون الغيب، فنَحَتَها عصا، فتوكَّأ عليها حولا ميتًا، والجن تعمل، فأكلتها الأرضة، فسقط، (فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب المهين) . قال: وكان ابن عباس يقرأها كذلك. قال: فشكرت الجن للأرضة، فكانت تأتيها بالماء) .
ضعيف.
أخرجه ابن جرير الطبري في "التفسير" (٢٢/٥١) والحاكم (٤/١٩٧ و٤٠٢)، والبزار (٣/١٠٦/٢٣٥٥)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١١/٤٥١ -٤٥٢) من طريق إبراهيم بن طهمان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن
جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: فذكره. وقال الحاكم في الموضعين:
"صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي.
وأما ابن كثير فقال في "التفسير" (٣/٥٢٩):
"حديث مرفوع غريب، وفي صحته نظر".
قلت: وعلته: (عطاء بن السائب)، فإنه كان اختلط، وإبراهيم بن طهمان لم يذكر في جملة الذين سمعوا منه قبل الاختلاط. ثم قال ابن كثير:
"وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث إبراهيم بن طهمان به. ورفعُه في غرابة ونكارة، والأقرب أن يكون موقوفًا، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني (كذا، ولعله سبق قلم، أو خطأ من الناسخ)، له غرابات، وفي بعض حديثه نكارة".
قلت: والوقف الذي استغربه ابن كثير هو الصحيح عن ابن عباس، فقد جاء عن ثقتين آخرين عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عنه.
أحدهما: جرير - وهو: ابن عبد الحميد - عنه مختصرًا، وليس فيه قراءة ابن
[ ١٤ / ١٦٧ ]
عباس للآية.
أخرجه الحاكم (٢/٤٢٣)، وقال:
"صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا، إن جرير سمعه منه قبل الاختلاط.
والآخر: سفيان بن عيينة عن عطاء به.
أخرجه البزار (٢٣٥٦): حدثنا أحمد بن أبان: ثنا سفيان بن عيينة
قلت: وهذا إسناد صحيح، فقد ذكروا في ترجمة (عطاء) أن ابن عيينة سمع منه قبل الاختلاط وبعده، ولكنه اتقاه في الاختلاط واعتزله، ولذلك قال أحمد:
"سماعه من مقارب".
وإنما مما يرجح الوقف أن عطاء بن السائب قد تابعه على وقفه سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به، دون الآية أيضًا.
أخرجه الحسين المروزي في زياداته على "زهد ابن المبارك" (ص ٣٧٨/١٠٧٢) .
قلت: وإسناده جيد، رجاله ثقات رجال مسلم، غير عبد الجبار بن عباس الهمداني، وهو صدوق.
وكذلك رواه أسباط عن السدي - في خبر ذكره - عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ قال:فذكره.
[ ١٤ / ١٦٨ ]
قلت: وأسباط - هو ابن نصر الهمداني، وهو -، صدوق كثير الخطأ، يغرب - كما في "التقريب" -. وحديثه ليس صريحًا في الرفع، بل إن ظاهره الوقف.
والله ﷾ أعلم.
ومع عدم ثبوت القراءة المذكورة في الحديث عن ابن عباس، لا مرفوعًا ولا موقوفًا، فهي مع ذلك مخالفة لنصها المتواتر في المصحف ﴿فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين﴾ . [سبأ: ١٤] .
ولذلك جزم بعض المحققين من علماء التفسير بشذوذها، مثل: أبي حيان التوحيدي (٧/٢٦٨)، والآلوسي (٢٢/١٢٣)، وابن كثير - وقد سبق كلامه -، وخالف الإمام القرطبي، فقال في "تفسيره" (١٤/٢٧٩) بصحتها!
وفي الختام: لا بد لي من التنبيه على خطأين اثنين:
أحدهما: أن ناسخ أو طابع "كشف الأستار" ساق الآية في حديث ابن عباس بنصها الوارد في المصحف، إلا في الكلمة الأولى منها: (فتبينت)، وصوابها: ﴿فلما خرَّ تبينت﴾ وهذا خطأ، وفي اعتقادي أن الذي حمله على
ذلك إنما هو ظنه أن الرواي أخطأ في تلاوتها، فصححها دون أن ينتبه أنه أفسد الحديث، لأن هذا التصحيح لا يتناسب مع قوله في الحديث: "وكان ابن عباس يقرأها كذلك"، فقراءته حسب الرواية على وجه آخر غير ما في المصحف، على أن الذي في المصحف: ﴿تبينت﴾ ليس: ﴿فتبينت﴾ - كما ذكرت -، وغفل عن ذلك محققه الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي فقال:
"نظم القرآن في المصحف كما هنا"!! ثم ساق الآية كما جاءت في الحديث نقلًا عن "الزوائد" (٨/٢٠٨) . ويعني: "مجمع الزوائد".
[ ١٤ / ١٦٩ ]