" ضعيف، مع كونه فقيهًا، وقد اتهمه ابن معين ".
ومما تقدم [تعلم] أنه تسامح معه حين اقتصر على قوله فيه في كتابه "القول المسدد" (ص ٢٥):
" وفي هذا السند ضعف ".
ولقد كان أقوى منه حكمًا شيخه الهيثمي - على خلاف العادة -، فقال عقب الحديث في " كشفه ":
" قلت: لا يثبت في هذا شيء، وقد شهد عبد الرحمن بدرًا. وشهد ﷺ له بالجنة، وهو أحد العشرة، فلا نلتفت إلى أحاديث ضعيفة".
هذا، ومن الملاحظ أن الحديث تميز في النكارة على أحاديث (الحبو) المتقدمة: أنه زاد فيه أمر عبد الرحمن بالخروج من ماله كله، ثم تراجع عنه بأمر جبريل بالإبقاء عليه، مع الأمر بإطعام الضيف وغيره مما ذكره، فكأن راويه يرد بهذه
الزيادة على الذين استدلوا بتلك الأحاديث على ذم المال، والحض على الخروج منه من المتزهدين، وقد ذكرنا كلام ابن الجوزي في الرد عليهم فيما تقدم تحت الحديث (٦٥٩٠) .
٦٥٩٤ - (نعم الفرس تحتكما، ونعم الفارس هما. يعني: الحسن والحسين ﵄) .
ضعيف جدًا.
روي عن عمر، وسلمان، وأبي جعفر الباقر مرسلًا، ﵃ جميعًا، والأسانيد عنهم واهية، وإليك البيان:
[ ١٤ / ٢٢٦ ]
١ - أما حديث عمر: فيرويه علي بن هاشم بن البريد عن محمد بن عبيد الله ابن أبي رافع عن زيد بن أسلم عن أبيه عنه.
أخرجه البزار في " مسنده" (٣/ ٢٢٥/ ٢٦٢١ - كشف الأستار) من طريق الحسن بن عنبسة، وأبو يعلى في " المسند الكبير " من طريق الحسين الأشقر - كما في "المجمع " (٩/ ١٨٢)، و" المقصد العلي " (٢/ ١ ٠ ٢/ ١٣٦٦)، و" المطالب العالية المسندة " (ق ٦٤/ ١) -، وابن عدي في "الكامل " (٢/٣٦٦) عن شيخه أبي يعلى، وقال البزار:
" لا يروى إلا عن عمر بهذا الإسناد، ولم يتابع محمد بن عبيد الله على هذا ". وقال ابن عدي:
"والبلاء فيه من علي بن هاشم، لامن حسين ".
كذا قال! ولا وجه للحمل فيه على (علي بن هاشم)، فقد وثقوه، وروى له مسلم، ومن الموثقين ابن عدي نفسه، فقد ترجمه في " الكامل " وختمها بقوله:
" وقد حدث عنه جماعة من الأئمة، وهو - إن شاء الله - صدوق في روايته ".
قلت: يشير إلى أنه كان يتشيع، وأن ذلك لا يضر في حديثه، لأنه صدوق، وهو الحق.
وإذ الأمر كذلك، فالصواب خلاف ما ادعى من البلاء، أعني: أن البلاء من الراوي عنه عنده: الحسين الأشقر، لأن فيه كلامًا كثيرًا، حتى كذبه بعضهم، وابن عدي نفسه ذكر له في ترجمته بعض المناكير وقال في أحدها: " البلاء منه "!
وسيأتي تخريجه برقم (٦٥٩٥) . وذكر له الذهبي حديثًا آخر، وقال: "باطل "،
[ ١٤ / ٢٢٧ ]
وهو مخرج في المجلد الثامن منها برقم (٣٩١٣)، وتقدمت له أحاديث أخرى واهية في مجلدات أخرى منها - أعني: " الضعيفة " -، فليراجع من شاء فهارسها الخاصة بالرواة المترجم لهم.
ومع ذلك كله فهناك من وثقه، فقال ابن معين: " صدوق "، وذكره ابن حبان في " الثقات " (٨/ ١٨٤)، ولكنه لم يخرج له في "صحيحه " شيئًا، وقال الحافظ في " التقريب ":
"صدوق يهم، ويغلو في التشيع".
ومهما يكن من أمر، فالحمل عليه في هذا الحديث غير وارد لوجهين:
أحدهما: أنه قد تابعه عند البزار - كما تقدم - (الحسن بن عنبسة) . وقد ترجمه ابن أبي حاتم (١/ ٢/ ٣١) برواية ثلاثة من الثقات، ويلحق بهم رابع، وهو: الجراح بن مخلد، شيخ البزار فيه، وقد وثقه ابن حبان (٨/ ١٦٤) والبزار
وغيرهما، وعلى هذا فـ (الحسن بن عنبسة) هو على شرط ابن حبان لرواية هؤلاء الثقات عنه، فكان عليه أن يذكره في " ثقاته " ولم أره فيه!
والمقصود أن هذه متابعة قوية من (الحسن) لـ (الحسين)، فكأنه من أجلها انصرف ابن عدي عن إعلاله بـ (الحسين) إلى إعلاله بـ (علي بن هاشم)، لكن فيه ماعرفت.
والوجه الآخر: أن شيخ (علي بن هاشم) - وهو: (محمد بن عبيد الله بن أبي رافع) - هو العلة، فإنه من المتفق على تضعيفه، ولقد أحسن البزار بالإشارة إلى ذلك بقوله فيما تقدم:
[ ١٤ / ٢٢٨ ]
" ولم يتابع عليه ".
فالعجب من ابن عدي كيف غفل عنه، وقد ساق له في ترجمته (٥/ ١١٣) عدة أحاديث منكرة، بعد أن روى عن البخاري أنه " منكر الحديث"، ومنها حديث طنين الأذن، وقد تقدم تخريجه في " الضعيفة" (٢٦٣١)، وقال ابن
عدي:
" هو في عداد شيعة الكوفة، ويروي من الفضائل أشياء لا يتابع عليها".
وأما ابن حبان فشذ عن الجماعة، فوثقه! لكنه عاد إليهم؟ فأورده في " الضعفاء " وقال:
" منكر الحديث جدًا". وكذا قال أبو حاام. انظر كتابي " تيسير انتفاع الخلان".
إذا عرفت هذا، فمن الأوهام الفاحشة قول الهيثمي في " المجمع" (٩/ ٨٢):
"رواه أبو يعلى في " الكبير "، ورجاله رجال الصحيح، ورواه البزار بإسناد ضعيف"!!
قلت: فرقٌ بين إسناديهما مع أن مدارهما على (علي بن هاشم)، فهو إسناد واحد، لكن هناك فرق شكلي - لعله من سبب الوهم - وهو أن (محمد بن عبيد الله ابن أبي رافع) لم يقع مسمى في رواية أبي يعلى، ولكن هكذا: (ابن أبي رافع)، فتوهم الهيثمي أنه (عبيد الله بن أبي رافع) والد محمد، وهو من رجال "الصحيح" ولم يتأمل في رواية البزار الكاشفة عن أنه ولده! هذا يمكن أن يوجه وهمه فيه، ولكن ما وجهه، وفي سند أبي يعلى (الحسين الأشقر) وهو مع ضعفه الشديد
ليس من رجال (الصحيح)؟! ليس إلا كونه بشرًا. والمعصوم من عصمه الله تعالى.
[ ١٤ / ٢٢٩ ]
ولم يتنبه لهذا الوهم الفاحش الشيخ الأعظمي، قأره في تعليقه على "كشف الأستار"، وذلك من شؤم التقليد، والنأي عن التحقيق! وكذلك أقره الدكتور المعلق على " البحر الزخار " (١/ ٤١٨) !
ثم جاء من بعدهم من ليس في العير ولا النفير، فحذا حذوهم، وهو المدعو:
(سيد كسروي حسن)، وزاد عليهم أنه صدر كلام الهيثمي بقوله في تعليقه على " المقصد العلي ": " إسناده حسن، وذكره الهيثمي " إلخ. جاهلًا أو متجاهلًا ما قيل في (الحسين الأشقر)، قانعًا بمقولة الحافظ المذكورة فيما تقدم!
وبهذا ينتهي الكلام على إسناد حديث عمر، وخلاصته: أنه ضعيف جدًا، من أجل (محمد بن عبيد الله بن أبي رافع) .
٢ - أما حديث سلمان: فيرويه الطبراني في " المعجم الكبير" (٣/ ٦٢/٢٦٧٧): حدثنا الحسين بن محمد الحناط (!) الرامهرمزي: ثنا أحمد بن رشد ابن خثيم الهلالي: ثنا عمي سعيد بن خثيم: ثنا مسلم الملائي عن حبة
العرني وأبي البختري عن سلمان قال:
كنا حول النبي ﷺ، فجاءت أم أيمن، فقالت: يا رسول الله! لقد ضل الحسن والحسين الحديث بطوله، وفيه:
أنهم لما طلبوهما، وجدوهما في سفح جبل، ملتزق أحدهما بأخيه، خوفًا من شجاع قائم على ذنبه، يخرج من فيه شبه النار، فلما جاءهما النبي ﷺ، انساب الشجاع، وقال لهما:
" بأبي وأمي أنتما، ما أكرمكما على الله! ".
[ ١٤ / ٢٣٠ ]
ثم حمل أحدهما على عاتقه الأيمن، والآخر على عاتقه الأيسر، فقلت، طوبا لكما؟ نعم المطية مطيتكما. فقال رسول الله ﷺ:
" ونعم الراكبان هما، وأبوهما خير منهما ".
قلت: وهذا إسناد واه جدًا، مسلسل بالعلل والضعفاء، وبعضهم من الشيعة.
فلنبدأ ببيان ذلك فأقول:
١ - الحسين بن محمد الحناط، كذا وقع هنا بالنون، وفي "المعجم الصغير " و" الأوسط " في حديث آخر له " الخياط " بالمثناة التحتية، وهو مخرج في "الروض النضير " (٤٨٠)، ولم أجد له ترجمة، ولم يورده الشيخ الأنصاري في كتابه
النافع " بلغة القاصي "، ويحتمل عندي أن يكون الذي في " تاريخ بغداد " (٨/٩٢):
" الحسن بن محمد بن عبد الرحمن أبو علي الخياط، صاحب بشر الحافي ".
فإنه من هذه الطبقة، فقد ذكر أنه توفي سنة (٢٨٢)، وقال:
"كتب الناس عنه شيئأ من حكاياته، وبعض أطرافه من الحديث فيما قيل لنا".
٢ - أحمد بن رشد بن خثيم الهلالي: لم يوثقه أحد غير ابن حبان (٨/ ٤٠)،
لكن اتهمه الذهبي بحديث باطل في ذكر بني العباس، وقال:
" فهو الذي اختلقه بجهل ".
وقد سبق تخريجه برقم (٦١٤٥)، وأرى أن حديثه هذا الطويل نحو ذاك بما فيه من ضلال الحسنين، وانطوائهما على أنفسهما خوفًا من (الشجاع ) إلخ، فإني أشعرأن يد الصنع فيه ظاهرة، وبخاصة أن فيه بعض الضعفاء من غلاة
[ ١٤ / ٢٣١ ]
الشيعة - كما يأتي -. والله أعلم.
٣ - عمه (سعيد بن خثيم): قال الحافظ في " التقريب":
"صدرق، رمي بالتشيع، له أغاليط". وقال الذهبي في "المغني":
" وثقه ابن معين. وقال الأزدي: منكر الحديث. وقال ابن عدي: مقدار ما يرويه غير محفوظ ".
٤ - مسلم الملائي - هو: ابن كيسان الأعور -: قال الذهبي في "المغني":
"تركوه ". وقال الحافظ:
"ضعيف".
٥ - حبة العرني - هو: ابن جوين -: قال الذهبي:
" من الغلاة، حدث أن عليًا كان معه بصفين ثمانون بدريًا! قال السعدي:
غير ثقة ". وقال في "التقريب ":
"صدوق له أغاليط، وكان غاليًا في التشيع ".
والجمهور على تضعيفه، وتناقض فيه ابن حبان، فأورده في "الضعفاء " (١/٢٦٧) وقال:
" كان غاليًا في التشيع، واهيًا في الحديث، قال ابن معين: ليس بشيء ".
وأورده في "الثقات " (٤/ ١٨٢) ! لكنه قال - كما في نسخةٍ -:
"ضعيف"!
[ ١٤ / ٢٣٢ ]
لكني أخشى أن تكون مدرجة من بعض النساخ، لأنها شاذة عن أسلوب المؤلف في كل تراجم " ثقاته "، وإن كان فيها من صرح بأنه أدخله في " الضعفاء " مثل (مصعب بن ثابت بن عبد الله الزبيري)، وانظر في آخر كتابي " تيسير
الانتفاع " (فهرس الرواة الذين ضعفهم المؤلف) . ويؤيد شذوذها أنها لم ترد في كتاب الهيثمي " ترتيب الثقات ". والله أعلم.
ولا تتقوى رواية (حبة العرني) لهذا الحديث، أن الراوي قرن معه (أبا البختري) - واسمه: سعيد بن فيروز، وهو - ثقة ثبت، لأنه لم يسمع من سلمان، كما في "التهذيب " وغيره.
والحديث قال الهيثمي في "مجمع الزوائد " (٩/ ١٨٢):
"رواه الطبراني، وفيه أحمد بن راشد (!) الهلالي، وهو ضعيف "!
٣ - أما حديث أبي جعفر: فيرويه جابر عنه قال:
مر رسول الله ﷺ بالحسن والحسين وهو حاملهما على مجلس من مجالس الأنصار، فقالوا: يا رسول الله! نعمت المطية! قال:
" ونعم الراكبان ".
أخرجه ابن أبي ضيبة في "المصنف " (٢ ١/ ٢ ٠ ١/ ٢٢٤٣ ١) .
قلت: وهذا مع إرساله ضعيف جدًا، فإن جابرًا هذا، هو: ابن يزيد الجعفي، وفيه كلام كثير، وقد كذبه بعضهم، وهو رافضي، وقيل: إنه كان يؤمن برجعة علي! وهو إلى ذلك مدلس وقد عنعنه - كما ترى -.
وبالجملة، فالحديث ضعيف جدًا من جميع طرقه، ومدارها كلها على بعض
[ ١٤ / ٢٣٣ ]