• قال الله جل ذكره في ختام سورة الحشر: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٤].
وقال تعالى في سياق توبة بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٥٤].
• كيفية التعبد باسم الله البارئ ﷿:
١ - يقف العبد متفكرًا في أثر أسماء الله الحسنى في خلقه وخَلْق ذريته، وما أنعم الله عليه من نعم التقدير والخلق والبرء وحُسن الخلق والتصوير، فحقًّا دعوة لتعظيم الله ﷿.
٢ - التسمي بعبد البارئ.
• الفارق بين اسمي الله ﷿ الخالق الخلاق، والبارئ المصور ﷿.
أولًا - الخالق: المبدع فاطر المخلوقات على غير مثال سابق.
والخَلْق في كلام العرب: ابتداع الشيء على مِثال لم يُسبَق إليه: وَكل شيء
[ ١ / ٥٢ ]
خَلَقه الله فهو مبتدئه على غير مثال سُبق إليه: ألا له الخَلْق والأَمْر (^١).
وأما الخَلَّاق، فكرَزَّاق، صيغة مبالغة تدل على كثرة الخَلْق، فكم في اللحظة الواحدة من المليارات التي يخلقها الله ﷿ وتأمل قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ١٩، ٢٠] [فاطر: ١٦، ١٧].
• قال الأزهري: وَمِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الْخَالِقُ والخلَّاقُ، وَلَا تَجُوزُ هَذِهِ الصِّفَةُ بالأَلف وَاللَّامِ لِغَيْرِ اللَّهِ ﷿، وَهُوَ الَّذِي أَوْجَدَ الأَشْيَاءَ جَمِيعَهَا بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً (^٢).
ثانيًا - هل بين البارئ والخالق فارق؟ قولان:
١ - بمعنى واحد، قال البخاري: «فَاطِرٌ وَالبَدِيعُ وَالمُبْدِعُ وَالبَارِئُ وَالخَالِقُ وَاحِدٌ» (^٣).
• وقال الخَطَّابي: البَارئُ: هُوَ الخَالِقُ، يُقَالُ مِنْهُ: بَرَأَ اللهُ الخَلْقَ يَبْرَؤُهُمْ. وَالبَرِيَّةُ: الخَلْقُ - فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ - إِلَّا أَنْ لِهَذهِ اللَّفْظَةِ مِنَ الاخْتِصَاصِ بالحَيَوَانِ مَا لَيْسَ لَهَا بِغَيْرِهِ مِنَ الخَلْقِ، وَقَلَّما يُسْتَعْمَلُ فِي خَلْقِ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ وَالجِبَالِ، فَيُقالُ: بَرَأَ اللهُ السَّمَاءَ، كَمَا يُقَالُ: بَرأَ اللهُ النَّسَمَةَ (^٤).
_________________
(١) «لسان العرب» (١٠/ ٨٥).
(٢) «لسان العرب» (١٠/ ٨٥).
(٣) في «صحيحه» عقب رقم (٦٩٩٠).
(٤) «شأن الدعاء» (١/ ٥٠).
[ ١ / ٥٣ ]
٢ - (الخالق) أعم من (البارئ): قال الزَّجَّاج: البَرْء خَلْق على صفة، فكل مبروء مَخْلُوق، وَلَيْسَ كل مَخْلُوق مبروءًا، وَذَلِكَ لِأَن الْبُرْء من تبرئة الشَّيء من الشَّيء، من قَوْلهم: برأتُ من الْمَرَض وبرئتُ من الدَّين، أَبْرَأ مِنْهُ. فبعض الخلق إذا فصل من بعض سُمي فاعله بارئًا. وَفِي الْأَيْمَان: لَا وَالَّذِي فلق الْحبَّة وبرأ النَّسمَة.
وَقَالَ أَبُو عَليّ: هُوَ الْمَعْنى الَّذِي بِهِ انفصلت الصُّور بَعْضهَا من بعض، فصورة زيد مُفَارِقَة لصورة عَمْرو، وَصُورَة حمَار مُفَارقَة لصورة فرس، فَتَبَارَكَ الله خَالِقًا وبارئًا (^١).
• وقد يُحمَل البَرء على نقل الخَلْق وفصله من مرحلة سابقة إلى نفخ الرُّوح؛ لأَثَر علي ﵁.
فعنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ ﵁: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنَ الوَحْيِ إِلَّا مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَا وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ (^٢)، مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا فَهْمًا
_________________
(١) «تفسير أسماء الله» (ص: ٣٧) للزَّجَّاج.
(٢) أي: الرُّوح. ويؤيده ما أخرجه مالك في «الموطأ» (٤٩) والنَّسَائي (١٥٧٧٨) وابن ماجه (٤٢٧١) وأحمد (١٥٧٧٨): عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَيْرٌ يَعْلَقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ». وتابع مالكًا يونسُ بن يزيد. أخرجه أحمد (١٥٧٨٠)، والليث بن سعد في الموصول عنه، أخرجه ابن حِبان (٤٦٥٧)، ومَعْمَر، أخرجه أحمد (١٥٧٧٦) وفي وجه عن عمرو بن دينار كرواية الجماعة عن الزُّهْري، أخرجه الحُميدي (٨٩٧) وفي وجه عن شُعيب بن أبي حمزة، أخرجه أحمد (١٥٧٨٧) وأبو أويس في وجه، أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (١٢١). وخالفهم صالح - هو ابن كَيْسَان - فقال: عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، أنه بلغه أن كعب بن مالك قال. أخرجه أحمد (١٥٧٧٧). وخالفهم زَمْعة بن صالح - وهو ضعيف - فأرسله. أخرجه الطيالسي (١٠٣١). أورد البخاري في «التاريخ الكبير» خلافًا على بعض الرواة، وخَتَمه برواية الليث عن عُقيل عن الزُّهْري عن ابن لكعب مرسلًا. والخلاصة: أن الأصح فيما سبق رواية مالك ومَن تابعه وإسناده صحيح.
[ ١ / ٥٤ ]
يُعْطِيهِ اللَّهُ رَجُلًا فِي القُرْآنِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ»، قُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: «العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» (^١).
• وقد قال ابن كَثير في «تفسيره» (٤/ ٤١٣): الخَلْق: التقدير، والبَرْء هو الفَرْي، وهو التنفيذ وإبراز ما قَدَّره وقرره إلى الوجود، وليس كل مَنْ قَدَّر شيئًا ورتبه يَقدر على تنفيذه وإيجاده سوى الله ﷿.
قال الشاعرُ يمدح آخَر:
ولأنت تَفري ما خلقتَ وبعـ … ـض القوم يَخلق ثم لا يفري
أي: أنت تُنفِّذ ما خلقتَ، أي قدرتَ، بخلاف غيرك فإنه لا يستطيع ما يريد، فالخلق: التقدير، والفري: التنفيذ. ومنه يقال: قدر الجلاد ثم فرى، أي: قطع على ما قدره بحَسَب ما يريده.
• تنبيه: اختار شيخنا معي هذا الرأي بتاريخ ٤ جمادى ١٤٤٣ موافق ٨/ ١٢/ ٢٠٢١ م وكتب على قول الزجاج السابق: تكرما
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٠٤٧) ومسلم (٧٨) مختصرًا.
[ ١ / ٥٥ ]
وتفضلا تولي أقوال السلف الصالح من الصحابة والتابعين اهتمامًا أكبر قبل علماء اللغة.
٣ - إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا.
[ ١ / ٥٦ ]