• وردت عدة صيغ لاسم الله الرازق في قوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٤] وقال جل ذكره: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الحج: ٥٨].
وجاءَ الاسمُ علمًا مفردًا في حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: غَلَا السِّعْرُ بِالْمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، غَلَا السِّعْرُ، سَعِّرْ لَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ الرَّزَّاقُ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلَمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ» (^١).
_________________
(١) رواه أكثر الرواة بلفظ: (الرازق) - يونس بن محمد وسُريج بن يونس، كما عند أحمد (١٢٥٩١) وهُدْبة بن خالد كما عند ابن حِبان (٤٩٣٥) وعمرو بن عون كما عند الدارمي (٢٥٨٧) وإبراهيم بن الحَجاج وعبد الواحد كما عند أبي يعلى (٢٨٦١، ٣٨٣٠) وموسى بن إسماعيل كما عند البيهقي في «الأسماء والصفات» (١١١) وحَجاج بن مِنهال كما عند ابن ماجه (٢٢٠٠) وابن منده في «التوحيد» (٢٣٤) وعند الترمذي (١٣١٤) والبيهقي في «السُّنن الكبرى» (٦/ ٤٨) بلفظ: (الرزاق) وعفان بن مسلم في وجه كما عند أبي داود (٣٤٥١) وفي وجه كلفظ الترمذي كما عند أحمد (١٤٠٥٧) والبيهقي في «السُّنن الكبرى» (٦/ ٤٨) عن حماد بن سلمة عن حميد وقتادة وثابت، عن أنس ﵁ بلفظ: (الرازق). ورواية حماد بن سلمة عن قتادة فيها ضعف، وكذلك في جمعه أصحاب أنس س نظر. وذَكَر الخليلي في «الإرشاد» (١/ ٤١٦) عن بعض الحفاظ لماذا لم يُخْرِج البخاري عن حماد بن سلمة في «الصحيح»؟ لأنه جَمَع بين جماعة من أصحاب أنس فيقول: حدثنا قتادة وثابت وعبد العزيز بن صُهيب، وربما خالف في بعض ذلك. وأَعَل الإمام أحمد خبرًا في ذلك، وهو: «إذا لم تجدوا غيرها، فارحضوها بالماء» فقال: هذا من قبيل حماد، وكان لا يقوم على مثل هذا، يَجمع الرجال ثم يجعله إسنادًا واحدًا، وهم يختلفون. وللخبر متابعة رواها مبارك - وهو ابن فَضَالة - عن الحسن عن أنس، باسمي القابض الباسط. أخرجه أبو يعلى في «مسنده» (٢٧٧٤) وفي سنده مبارك، يُدلِّس وقد عنعن، وهو لَيِّن كثير الخطأ. الخلاصة: أني أختار تصحيح السند لأنه لم يَظهر لرواية العطف أثر في الاختلاف، ولم أجد مَنْ أَعَل الخبر بخصوصه. أما شيخنا فكتَبَ معي بتاريخ (١٥) ربيع الأول (١٤٤٣ هـ) الموافق (٢١/ ١٠/ ٢٠٢١ م): العطف يريبنا.
[ ١ / ٧٢ ]
الرزاق بصيغة المبالغة مرة واحدة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] (^١).
• كيفية التعبد باسمي الله الرازق الرازق:
أولًا - غنى الله لا نهاية له ولا نفاد له، وخزائن كل شيء بيديه تعالى، ورِزق الخلق كلهم بيديه جل ذكره: قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦].
وقال جل ذكره: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ
_________________
(١) في «إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر» (ص: ٥١٦ (لشهاب الدين الدمياطي: عن ابن مُحيصِن من «المبهج» من رواية البَزّيّ: (وفي السماء رازقكم) اسم فاعل.
[ ١ / ٧٣ ]
يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: ٣]
﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧]
﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ [ص: ٩]
﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧].
•وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ» وَقَالَ: «أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ» وَقَالَ: «عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَبِيَدِهِ الأُخْرَى المِيزَانُ، يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ» (^١).
فهذا يملأ قلبك حسن ظن في الله وغنى بالله واستغناء عن خلقه تعالى قال تعالى عن إبراهيم؛: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧].
وفي طلب نزول المائدة قال عيسى ﵇: ﴿وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٤].
ثانيا - الشكر يُثبِّت النعمة وينميها، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧].
ومن صور الشكر شكر نبي الله سليمان؛، لما جاء عرش ملكة بلقيس إليه: ﴿فَلَمَّا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٤١١)، واللفظ له، ومسلم (٩٩٣)، بلفظ: «يمين الله» وهو المتفق عليه.
[ ١ / ٧٤ ]
رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠]
وتأمل جواب مريم ﵍ نبيَّ الله زكريا ﵇، وهي تَنسب الفضل لله: ﴿يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧].
•وتأمل قصة صاحب الحديقة!
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ. فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ، فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ، فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ، مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ - لِلِاسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ - فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ، لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي؟! فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ: (اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ) لِاسْمِكَ، فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟ قَالَ: أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا، فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا، وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ» (^١).
ثالثًا - أمثلة وصور في الأرزاق في الدنيا والآخرة:
فهذا نبي الله يوسف ﵇، يَمُن الله عليه برزق الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٩٨٤).
[ ١ / ٧٥ ]
(٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٥ - ٥٧].
وهذا نبي الله سليمان ﵇، مَنَّ الله عليه برزق النبوة والرسالة والمُلك والمال، بدعوة، حيث قال: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٣٥ - ٤٠].
وتأمل عموم الخلق لو أن الله وَكَّل أحدًا بأرزاقهم كيف يكون حالك من الأرق والخوف؟ والأصل في البشر الإمساك والإقتار: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠].
وقال الله جل ذكره: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤].
وتأمل كرم الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦]
وتأمل أن يَرزقك بضعفائك، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١].
وَعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: رَأَى سَعْدٌ ﵁، أَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ، فَقَالَ
[ ١ / ٧٦ ]
النَّبِيُّ ﷺ: «هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ؟» (^١).
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كَانَ أَخَوَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ، وَالآخَرُ يَحْتَرِفُ، فَشَكَا المُحْتَرِفُ أَخَاهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ» (^٢).
وسيأتي إن شاء الله فضل الله ومنه وعطاءه لأدنى أهل الجنة منزلة.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٨٩٦).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٥١٦).
[ ١ / ٧٧ ]