• قال الله جل ذكره في ختام سورة الحشر: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٤].
•وجاء من فعله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦].
• ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] [التغابن: ٣].
• قال الخَطَّابي: المُصوِّر: هو الذي أنشأ خَلْقه على صُوَر مُختلِفة ليتعارفوا بها، فقال الله تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤].
وقال [تعالى]: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار ٦، ٧]. ومعنى التصور: التخطيط والتشكيل (^١).
• فائدة: في دلالة اقتران الأسماء الثلاثة الخالق الباريء المصور ﷿.
_________________
(١) «شأن الدعاء» (١/ ٥١) للخَطَّابي.
[ ١ / ٥٧ ]
• قال ابن القيم في «شفاء العليل» (ص: ١٢١): وهذه الأسماء الثلاثة نظير الأسماء الثلاثة، وهي الخالق البارئ المصور، فالجبار المتكبر يجريان مَجرى التفصيل لمعنى اسم العزيز، كما أن البارئ المصور تفصيل لمعنى اسم الخالق.
• وقال الشنقيطي في «أضواء البيان» (٨/ ٧٧): في نهاية هذا السياق يقف المؤمن وقفة إجلال وتعظيم لله!
فـ (الخالق) هو المُقدِّر قبل الإيجاد.
و(البارئ): الموجد من العدم على مقتضى الخلق والتقدير، وليس كل مَنْ قَدَّر شيئا أوجده إلا الله.
و(المصور) المشكل لكل موجود على الصورة التي أوجده عليها، ولم يُفرِد كل فرد من موجوداته على صورة تختص به إلا الله ﷾، كما هو موجود في خلق الله للإنسان والحيوان والنبات، كل في صورة تخصه.
وبالرجوع مرة أخرى إلى أول السياق، فإن الخلق والتقدير لابد أن يكون بموجب العلم، سواء كان في الحاضر المُشاهَد أو للمستقبل الغائب، وهذا لا يكون إلا لله وحده عالم الغيب والشهادة، فكان تقديره بموجب علمه. والملك القدوس القادر على التصرف في ملكه يوجد ما يقدره.
• التعبد باسم الله المصور ﷿:
أولًا: بالتفكر في ألوان خلق الله واختلاف صورهم، وأن لا يُعجَب الإنسان بجمال صورته على غيره، قال تعالى مذكرًا عبده بسابق إحسانه إليه: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٦ - ٨].
[ ١ / ٥٨ ]
ثانيًا: اللجأ إلى الله في تحسين صور نسلك وعقبك وأحفادك، فالله على كل شيء قدير ولا يَثقُله شيء.
ثالثا: معرفة حكم التماثيل (^١) والتصاوير
• أما صنع التماثيل فكان جائزًا في شرع نبي الله سليمان ﵇:
١ - قال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣]
• عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ [سبأ: ١٣] قَالَ: «مِنْ نُحَاسٍ» (^٢).
• وعَنْ قَتَادَةَ ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ [سبأ: ١٣] قَالَ: «مِنْ زجاجٍ وَشَبَهِ» (^٣).
• عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِ اللَّهِ ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ [سبأ: ١٣] قَالَ: «الصُوَرُ» (^٤).
• قال القرطبي: فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ اسْتَجَازَ الصُّوَرَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا؟ قُلْنَا: كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي شَرْعِهِ وَنُسِخَ ذَلِكَ بِشَرْعِنَا كَمَا بَيَّنَّا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (^٥).
_________________
(١) في «فتح الباري» (١/ ٥٣١) لابن حجر: التَّمَاثِيلِ هُوَ جَمْعُ تِمْثَالٍ بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ بَيْنَهُمَا مِيمٌ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الصُّورَةِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ فَالصُّورَةُ أَعَمُّ.
(٢) إسناده ضعيف: أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٩/ ٢٣١) من طريق ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ به.
(٣) إسناده حسن: أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٩/ ٢٣١) حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ به.
(٤) ضعيف جدًّا: أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٩/ ٢٣١) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، قَالَ: ثنا مَرْوَانُ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ به. وجويبر هو ابن سعيد متروك.
(٥) «تفسير القرطبي» (١٤/ ٢٧٣) وانظر: «فتح الباري» (١٠/ ٣٨٢) لابن حجر.
[ ١ / ٥٩ ]
٢ - عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ لَنَا سِتْرٌ فِيهِ تِمْثَالُ طَائِرٍ، وَكَانَ الدَّاخِلُ إِذَا دَخَلَ اسْتَقْبَلَهُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: «حَوِّلِي هَذَا، فَإِنِّي كُلَّمَا دَخَلْتُ فَرَأَيْتُهُ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا» (^١).
• قال النووي: هذا محمول على أنه كان قبل تحريم اتخاذ ما فيه صورة فلهذا كان رسول الله ﷺ يدخل ويراه ولا ينكره قبل هذه المرة الأخيرة (^٢).
٣ - عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ، صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ الصُّورَةُ» قَالَ بُسْرٌ: ثُمَّ اشْتَكَى زَيْدٌ، فَعُدْنَاهُ، فَإِذَا عَلَى بَابِهِ سِتْرٌ فِيهِ صُورَةٌ، فَقُلْتُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ، رَبِيبِ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ: أَلَمْ يُخْبِرْنَا زَيْدٌ عَنِ الصُّوَرِ يَوْمَ الأَوَّلِ؟ فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَلَمْ تَسْمَعْهُ حِينَ قَالَ: «إِلَّا رَقْمًا (^٣) فِي ثَوْبٍ» (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢١٠٧).
(٢) «شرح النووي على مسلم» (١٤/ ٨٧) وانظر: «آداب الزفاف» (ص: ١١٣).
(٣) قال ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٣٩٠): قَالَ النَّوَوِيُّ يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِاسْتِثْنَاءِ الرَّقْمِ فِي الثَّوْبِ مَا كَانَتِ الصُّورَةُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ كَصُورَةِ الشَّجَرِ وَنَحْوِهَا اه وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّهْيِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ. قال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٢/ ١٢٣): «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا تمثال» وفيه أنه قال: إلا رقما في ثوب فهذا إن صح رفعه كان مخصصا لما رقم في الأثواب من التماثيل. قال ابن عثيمين في «شرح رياض الصالحين» (٦/ ١٧٨): قال بعض العلماء: إنه لا بأس به إذا كان ملونا واستدلوا بحديث زيد بن خالد وفيه: «إلا رقما في ثوب» قالوا: هذا يدل على أن هذا مستثنى فيدل على أن المحرم ما له روح فقط، ولكن الراجح الذي عليه جمهور العلماء أنه لا فرق بين المجسم وبين الملون الذي يكون بالرقم كله =
[ ١ / ٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) محرم؛ لأن الذي يرقم باليد صورة يحاول أن يكون مبدعا مشابها لخلق الله ﷿ فيدخل في العموم.
(٢) أخرجه البخاري (٥٩٥٨)، ومسلم (٢١٠٦). وأخرجه الترمذي (١٧٥٠) وغيره من طريق أَبِي النَّضْرِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيِّ يَعُودُهُ، قَالَ: فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ، قَالَ: فَدَعَا أَبُو طَلْحَةَ إِنْسَانًا يَنْزِعُ نَمَطًا تَحْتَهُ، فَقَالَ لَهُ سَهْلٌ: لِمَ تَنْزِعُهُ؟ فَقَالَ: لِأَنَّ فِيهِ تَصَاوِيرَ، وَقَدْ قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ مَا قَدْ عَلِمْتَ، قَالَ سَهْلٌ: أَوَلَمْ يَقُلْ «إِلَّا مَا كَانَ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ»، فَقَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّهُ أَطْيَبُ لِنَفْسِي. وخالفه ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو طَلْحَةَ ﵁، صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ». أخرجه البخاري (٤٠٠٢) ومسلم (٢١٠٦). فلم يذكر «رقما في ثوب». قال ابن عبد البر في "الاستذكار" (٨/ ٤٨٣): مضعفًا سند أبي النضر مع إن ظاهره الصحة: هَذَا الْحَدِيثُ مُنْقَطِعٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ لِأَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ لَمْ يُدْرِكْ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ وَلَا أَبَا طَلْحَةَ وَلَا حُفِظَ لَهُ عَنْهُمَا وَلَا عَنْ أَحَدِهِمَا سَمَاعٌ وَلَا لَهُ سِنٌّ يدركها بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَلَا خِلَافَ أَنَّ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ بَعْدَ شُهُودِ صِفِّينَ وَصَلَّى عَلَيْهِ عَلِيٌّ ﵁ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ سِتًّا وَكَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ بِالْبَدْرِيِّينَ وَأَمَّا أَبُو طَلْحَةَ فَاخْتُلِفَ فِي وَقْتِ وَفَاتِهِ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا فَقِيلَ توفي سنة أربع وثلاثين في خِلَافَةِ عُثْمَانَ ﵁. ثم قال: والصَّحِيحُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ بَيْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ وَبَيْنَ أَبِي طَلْحَةَ وَسَهْلِ بن حنيف فيه بن عباس كذا رواه الزهري من رواية بن أبي ذئب وغيره.
[ ١ / ٦١ ]
• وأما التماثيل والتصاوير فقد حرمت في شريعتنا:
١ - شدة عذاب الآخرة فعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَفِي البَيْتِ قِرَامٌ فِيهِ صُوَرٌ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ ثُمَّ تَنَاوَلَ السِّتْرَ فَهَتَكَهُ، وَقَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ» (^١).
٢ - عدم دخول الملائكة البيت عن أَبَي طَلْحَةَ، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا صُورَةُ تَمَاثِيلَ» (^٢).
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: وَاعَدَ رَسُولَ اللهِ ﷺ جِبْرِيلُ ﵇ فِي سَاعَةٍ يَأْتِيهِ فِيهَا، فَجَاءَتْ تِلْكَ السَّاعَةُ وَلَمْ يَأْتِهِ، وَفِي يَدِهِ عَصًا، فَأَلْقَاهَا مِنْ يَدِهِ، وَقَالَ: «مَا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلَا رُسُلُهُ»، ثُمَّ الْتَفَتَ، فَإِذَا جِرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ سَرِيرِهِ، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، مَتَى دَخَلَ هَذَا الْكَلْبُ هَاهُنَا؟» فَقَالَتْ: وَاللهِ، مَا دَرَيْتُ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَاعَدْتَنِي فَجَلَسْتُ لَكَ فَلَمْ تَأْتِ»، فَقَالَ: «مَنَعَنِي الْكَلْبُ الَّذِي كَانَ فِي بَيْتِكَ، إِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ» (^٣).
٣ - الحفاظ على توحيد الربوبية من المشابهة بخلق الله قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦] وعن عَائِشَةَ ﵂: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ سَفَرٍ، وَقَدْ سَتَرْتُ بِقِرَامٍ لِي عَلَى
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦١٠٩).
(٢) أخرجه البخاري (٤٠٠٢)، ومسلم (٢١٠٦).
(٣) أخرجه مسلم (٢١٠٤).
[ ١ / ٦٢ ]
سَهْوَةٍ لِي فِيهَا تَمَاثِيلُ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَتَكَهُ وَقَالَ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ» قَالَتْ: فَجَعَلْنَاهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ (^١).
٤ - سد ذريعة الغلو في الصالحين قال تعالى عن قوم نوح: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] وعن عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَذَكَرَتَا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» (^٢).
• الشاهد: قوله: «وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةِ أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ» فَإِنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي ذَلِكَ الشَّرْعِ مَا أَطْلَقَ عَلَيْهِ ﷺ أَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ شَرُّ الْخَلْقِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِعْلَ صُوَرِ الْحَيَوَانِ فِعْلٌ مُحْدَثٌ أَحْدَثَهُ عُبَّادُ الصُّوَرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ (^٣).
وعَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عُمَرُ، الشَّامَ صَنَعَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ عُظَمَاءِ النَّصَارَى طَعَامًا وَدَعَاهُ، فَقَالَ عُمَرُ: «إِنَّا لَا نَدْخُلُ كَنَائِسَكُمْ مِنَ الصُّوَرِ الَّتِي فِيهَا» - يَعْنِي التَّمَاثِيلَ - (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٩٥٤).
(٢) أخرجه البخاري (٣٢٢٥) ومسلم (٥٢٨).
(٣) في «فتح الباري» (١٠/ ٣٨٢) لابن حجر.
(٤) صحيح: أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» () وعلقه البخاري.
[ ١ / ٦٣ ]
٥ - حب الدنيا وانشغال القلب عن الطاعة فعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ لَنَا سِتْرٌ فِيهِ تِمْثَالُ طَائِرٍ، وَكَانَ الدَّاخِلُ إِذَا دَخَلَ اسْتَقْبَلَهُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: «حَوِّلِي هَذَا، فَإِنِّي كُلَّمَا دَخَلْتُ فَرَأَيْتُهُ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا» (^١).
• مذاهب العلماء:
• قال النووي: قال أصحابنا وغيرهم من العلماء تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم وهو من الكبائر لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث وسواء صنعه بما يمتهن أو بغيره فصنعته حرام بكل حال لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى وسواء ما كان فى ثوب أو بساط أودرهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها.
وأما تصوير صورة الشجر ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان فليس بحرام هذا حكم نفس التصوير وأما اتخاذ المصور فيه صورة حيوان فإن كان معلقا على حائط أو ثوبا ملبوسا أو عمامة ونحوذلك مما لايعد ممتهنا فهو حرام وإن كان في بساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها مما يمتهن فليس بحرام ولكن هل يمنع دخول ملائكة الرحمة ذلك البيت فيه كلام نذكره قريبا إن شاء الله ولافرق فى هذا كله بين ماله ظل ومالاظل له هذا تلخيص مذهبنا في المسألة وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢١٠٧).
(٢) «شرح النووي على مسلم» (١٤/ ٨١).
[ ١ / ٦٤ ]
• قال ابن العربي: حاصل ما في اتخاذ الصور أنها إن كانت ذات أجسام حرم بالإجماع وإن كانت رقما فأربعة أقوال: الأول: يجوز مطلقا على ظاهر قوله في حديث الباب إلا رقما في ثوب.
الثاني: المنع مطلقا حتى الرقم.
الثالث: إن كانت الصورة باقية الهيئة قائمة الشكل حرم وإن قطعت الرأس أو تفرقت الأجزاء جاز قال وهذا هو الأصح.
الرابع: إن كان مما يمتهن جاز وإن كان معلقا لم يجز (^١).
• وثمَّ مستثنيات من التصوير:
١ - تصوير الأشجار والأنهار والجبال عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الحَسَنِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ، إِنِّي إِنْسَانٌ إِنَّمَا مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ يَدِي، وَإِنِّي أَصْنَعُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً، فَإِنَّ اللَّهَ مُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا» فَرَبَا الرَّجُلُ رَبْوَةً شَدِيدَةً، وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ، إِنْ أَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ، فَعَلَيْكَ بِهَذَا الشَّجَرِ، كُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ (^٢).
٢ - اللعبة من العهن فعَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ، قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ: «مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا، فَليَصُمْ»، قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ
_________________
(١) «فتح الباري» (١٠/ ٣٩١).
(٢) أخرجه البخاري (٢٢٢٥)، ومسلم (٢١١٠).
[ ١ / ٦٥ ]
مِنَ العِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ (^١).
وعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ (^٢) يَلْعَبْنَ مَعِي، «فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ يَتَقَمَّعْنَ (^٣) مِنْهُ، فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ فَيَلْعَبْنَ مَعِي» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٩٦٠)، ومسلم (١١٣٦).
(٢) صواحب جمع صاحبة؛ لأن وزن فاعله يجمع جمع تكسير على فواعل قياسًا سواءٌ أكان علَمًا كفاطمة وفواطم وفاختة وفواخت أم كان وصفًا كما هنا ومثل ذلك كافرة وكوافر قال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] وحاجة وحواجّ وصافة وصواف قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] وأما فاعل فإن كان لغير عاقل جمع هذا الجمع كفرس صاهلٍ وخيل صواهل وحمار ناهق وكلاب نابح. وإن كان فاعلًا وصفًا لمؤنث عاقل جمع أيضًا هذا الجمع كنساء حوائض وحوامل وطوالق. وإن كان مذكرًا لعاقل فقليلًا ما يجمع هذا الجمع وذلك كفارس وفوارس وناكس ونواكس ولا يجوز جمع فواعلَ جمع تكسير لأنه صيغة منتهى الجموع وهي أقصى الجمع وإنما يجوز جمع تصحيح فنقول: نواكسون وحوائضات وهكذا.
(٣) أي يتغيبن. يقال للإنسان: قد انقمع وقمع، إذا دخل في الشيء أو دخل بعضه في بعض، قال الأصمعي: ومنه سمي القمع الذي يصب فيه الدهن وغيره؛ لأنه يدخل في الإناء. انظر: «التوضيح لشرح الجامع الصحيح» (٢٨/ ٥٠٩).
(٤) أخرجه البخاري (٦١٣٠)، ومسلم (٢٤٤٠).
[ ١ / ٦٦ ]
• ما يمتهن كالمفارش والسجاجيد
عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّهَا كَانَتِ اتَّخَذَتْ عَلَى سَهْوَةٍ (^١) لَهَا سِتْرًا فِيهِ تَمَاثِيلُ، فَهَتَكَهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَاتَّخَذَتْ مِنْهُ نُمْرُقَتَيْنِ، فَكَانَتَا فِي البَيْتِ يَجْلِسُ عَلَيْهِمَا» (^٢)
٣ - التصوير لأجراء المعاملات الرسمية كالبطاقات والجوزات وغيرهما للضرورة قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]
٤ - بعض أهل العلم جوز تصوير مجالس العلم وخطب الجمعة لنفعها وتقليلًا للفساد وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
• فائدة: صح عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أنه قَالَ: الصُّورَةُ الرَّأْسُ فَإِذَا قُطِعَ الرَّأْسُ فَلَيْسَ بِصُورَةٍ (^٣).
_________________
(١) بفتح سين مهملة وسكون هاء كوة بين الدارين ذكره في شرح السنة، وفي الفائق هي كالصفة تكون بين يدي البيت، وقيل: هي بيت صغير منحدر في الأرض وسمكه مرتفع منها شبيه بالخزانة، يكون فيها المتاع، وقيل: شبيهة بالرف أو الطاق يوضع فيه الشيء كأنها سميت بذلك، لأنها يسهى عنها لصغرها وخفائها. انظر: «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» (٧/ ٢٨٥١).
(٢) أخرجه البخاري (٢٤٧٩).
(٣) رواه عكرمة واختلف عليه:
(٤) رواه عنه مقطوعًا أيوب السختياني وعنه ابن عليه أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٢٥٨٠٨) بلفظ: إِنَّمَا الصُّورَةُ الرَّأْسُ، فَإِذَا قُطِعَ فَلَا بَأْسَ. وإسناده صحيح.
(٥) وخالف ابن المديني عدي بنُ الفضل فأسنده عن ابن عباس مرفوعًا كما في «معجم شيوخ الإسماعيلي» (٢٩١) وعدي متروك.
(٦) خالفهما وهيب بن خالد فأوقفه أخرجه البيهقي في «السنن الكبير» (١٤٥٨٠).
[ ١ / ٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ومرة أبدل أيوب بخالد بن مهران كما في «مسائل أحمد لأبي داود» (٦٧٦). وأخرجه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٢٨٧) من طريق حَمَّاد بْن زَيْدٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «الصُّورَةُ الرَّأْسُ، فَكُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ لَهُ رَأْسٌ، فَلَيْسَ بِصُورَةٍ» وإسناده ضعيف لإبهام الراوي عن عكرمة.
[ ١ / ٦٨ ]