• جبريل ﵇ اصطفاه الله بالوحي إلى رسل الله لإخراج البشرية من الظلمات إلى النور ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥].
وقال ﵎: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢١].
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٧].
ومن صحيح السُّنة:
١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ - فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا. وَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ - فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦، ١٧] قَالَ: جَمْعُهُ لَكَ فِي صَدْرِكَ وَتَقْرَأَهُ: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ
﴾ [القيامة: ١٨]
[ ١ / ٢٥٢ ]
قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا قَرَأَهُ (^١).
٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» (^٢).
٣ - وَعَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: «احْتَبَسَ جِبْرِيلُ ﷺ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ» فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ: أَبْطَأَ عَلَيْهِ شَيْطَانُهُ. فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ١ - ٣] (^٣).
٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ؛ يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ القُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ ﵇، كَانَ أَجْوَدَ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ» (^٤).
ووَجْه الجَمْع بين ما سبق من نصوص في اختصاص جبريل ﵇ بالوحي، وما أخرجه مسلم (٨٠٦) والنَّسَائي (٦٩٦٧) من طرق ثلاثة، عن أبي الأحوص، عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عِيسَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥) ومسلم (٤٤٨).
(٢) أخرجه البخاري (٣٢١٩) ومسلم (٨١٩).
(٣) أخرجه البخاري (١١٢٥) ومسلم (١٧٩٧).
(٤) أخرجه البخاري (١٩٠٢) ومسلم (٢٣٠٨).
[ ١ / ٢٥٣ ]
ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ (^١) فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ، لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ، فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ، لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَسَلَّمَ، وَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ».
وتابع أبا الأحوص معاوية بن هشام، أخرجه ابن أبي شيبة (٣١٧٠١) وأبو يعلى في «مسنده» (٢٤٨٨) وابن حِبان (٧٧٨) وغيرهم.
ووَجْه الجَمْع أن هذا المَلَك جاء مُبشِّرًا مبينًا ثوابهما.
وعلى فرض أنه أتى بهما، فجبريل حاضر أو مُستثنًى من عموم ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾.
أما وَجْه الترجيح فالأدلة الأكثر مقدمة على هذا الخبر، وإن كان رواته ثقات إلا أن علي بن المَديني قال في ترجمة عبد الله بن عيسى: منكر الحديث. وقال أبو نُعَيْم في «الحِلْيَة» (٤/ ٣٠٥): تَفرَّد به عمار بن رُزَيْق عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى.
• قال القرطبي في «تفسيره» (١/ ١٢١): قال ابن عطية: ظَنَّ بعض العلماء أن جبريل ﵇ لم يَنزل بسورة الحمد؛ لِما رواه مسلم عن ابن عباس قال: بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ، سَمِع نقيضًا من فوقه، فرَفَع رأسه فقال: هذا باب
من
_________________
(١) في «المفهم لأبي العباس القرطبي» (٢/ ٤٣٤): قوله: «سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ» أي: صوتًا. والنقيض: صوت الباب عند فتحه.
[ ١ / ٢٥٤ ]
السماء، فُتِح اليوم، لم يُفتَح قط إلا اليوم، فنَزَل منه مَلَك، فقال: هذا مَلَك نَزَل إلى الأرض، لم يَنزل قط إلا اليوم، فسَلَّم وقال: أَبشِر بنورين أُوتيتَهما، لم يُؤتَهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تَقرأ بحرف منهما إلا أُعطيتَه.
قال ابن عطية: وليس كما ظَن؛ فإن هذا الحديث يدل على أن جبريل ﵇ تَقدَّم الملكَ إلى النبي ﷺ مُعْلِمًا به وبما يَنزل معه، وعلى هذا يكون جبريل شارك في نزولها، والله أعلم.
• قلت: الظاهر من الحديث يدل على أن جبريل ﵇ لم يُعْلِم النبي ﷺ بشيء من ذلك.
وقد بينا أن نزولها كان بمكة، نَزَل بها جبريل ﵇؛ لقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وهذا يقتضي جميع القرآن، فيكون جبريل ﵇ نزل بتلاوتها بمكة، ونزل المَلَك بثوابها بالمدينة. والله أعلم.
وقد قيل: إنها مكية مدنية، نزل بها جبريل مرتين، حكاه الثعلبي. وما ذكرناه أَوْلَى.
• والخلاصة: انتهى شيخنا معي بتاريخ (١١) ربيع الآخِر (١٤٤٣ هـ) الثلاثاء (١٦/ ١١/ ٢٠٢١ م) إلى صحة إسناده، وأن المَلَك نزل بالفضل، ولم ينتقده أحد صراحة.
[ ١ / ٢٥٥ ]