• مدار هذه الصفة (حَقْو الرحمن) على معاوية بن أبي مُزَرِّد (^١) وعنه ثلاثة: سليمان بن بلال بالزيادة في المرجوح عنه، وكذلك حاتم بن إسماعيل، وأما أبو بكر الحنفي ففي الأرجح عنه بالزيادة، وتَابَعه بلا خلاف عنه محمد بن جعفر بن أبي كثير.
وروى الخبر دون الزيادة عن معاوية جماعة - وكيع (^٢) ويزيد بن الهاد (^٣) وابن المبارك (^٤) -.
أما الثلاثة فـ:
١ - سليمان بن بلال، أخرجه البخاري (٤٨٣٠): حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ لَهُ: مَهْ. قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ.
_________________
(١) قال فيه ابن مَعِين: صالح. وقال أبو حاتم وأبو زُرْعَة: لا بأس به. وذَكَره ابن حِبان في «الثقات». وأخرج له الشيخان.
(٢) أخرجه مسلم وأحمد في «الزهد» وابن أبي شيبة بلفظ: «الرحم معلقة بالعرش …».
(٣) أخرجه الطبراني في «الأوسط» بلفظ: «الرحم شجنة».
(٤) أخرجه البخاري والنَّسَائي دون الزيادة.
[ ١ / ١٧٦ ]
قَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: فَذَاكِ» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢].
خالف خالدَ بن مَخْلَد ثلاثةٌ:
١ - إسماعيل بن أبي أويس، كما عند البخاري أيضًا.
٢ - ابن وهب في «جامعه» (١٤٨).
٣ - سعيد بن أبي مريم، كما عند البخاري (^١).
• وأما الطريق الثاني، فطريق حاتم بن إسماعيل، رواه عنه الجماعة - أبو مصعب الزُّهْري وهشام بن عمار، كما عند الحاكم بسند ثابت، وإبراهيم بن حمزة، كما عند البخاري (^٢) وقُتيبة بن سعيد واختُلف عليه، فأخرجه عنه الإمام مسلم بدونها.
وأخرجه البيهقي كما في «الشُّعَب» و«الأسماء والصفات» بإسناديه عنه بذكر الزيادة.
• ورواه محمد بن عَبَّاد واختُلف عليه في السند والمتن، فرواه عنه الإمام مسلم بدونها. وأخرجه عنه أبو يعلى فأبدل سعيد بن يسار عن أبي هريرة بيزيد
_________________
(١) رواه سعيد بن أبي مريم. وفي وجه عن إسماعيل بن أبي أويس، ووَجْه عن ابن وهب بإبدال سعيد بن يسار عن أبي هريرة بيزيد بن رُومان عن عروة عن عائشة بلفظ: «الرحم شجنة، فمَن وَصَلها وصلتُه …».
(٢) ذَكَر السند عقب رواية خالد بن مَخْلَد التي فيها (حقو الرحمن) وقال: بهذا. لكن من صنيعه في رواية بشر بن محمد قال أيضًا بهذا، ثم ذَكَر متنه في موطن آخر، وليس فيه الزيادة، فهي محتملة أن تكون بالزيادة وعدمها.
[ ١ / ١٧٧ ]
بن رومان عن عروة عن عائشة مرفوعًا بلفظ: «الرَّحِمُ شِجْنَةٌ، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ».
• والخلاصة: لم يُصَرِّح بالزيادة من طريق حاتم إلا البيهقي، والإمام مسلم أعرض عنها.
• وأما الطريق الثالث، فرواه أبو بكر الحنفي واختُلف عليه، فرواه عنه بالزيادة الإمام أحمد في «مسنده» والحاكم في «مستدركه».
وخالفهما بدونها ثلاثة:
١ - يزيد بن سِنان، كما عند أبي عَوَانة في «مستخرجه».
٢ - وأحمد بن الفرات كما في «التوحيد» لابن منده (^١).
٣ - أبو موسى محمد بن المُثَنَّى، أخرجه المحاملي في «أماليه» فأبدل سعيد بن يسار عن أبي هريرة، بيزيد بن رُومان عن عروة عن عائشة بلفظ: «الرحم شجنة، فمَن وَصَلها …».
فالأرجح لديَّ في طريق أبي بكر الحنفي ذكر الزيادة؛ لقوة الإمام أحمد وعلو سنده.
• وأما الطريق الرابع، فطريق محمد بن جعفر بن أبي كثير، أخرجه الطبري في «تفسيره» (٢١/ ٢١٤): حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْقِيُّ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، قَالَا: ثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي الْمُزَرِّدِ الْمَدِينِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ
_________________
(١) لكنه زاد في المتن: «لما خَلَق الله آدم فَضَل من طينه، فخَلَق منه الرحم» وهي منكرة، كما أشار بذلك الإمام الألباني في بعض كتبه.
[ ١ / ١٧٨ ]
قَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُمْ تَعَلَّقَتِ الرَّحِمُ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ (^١)، فَقَالَ: مَهْ. فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ. قَالَ: أَفَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ، وَأَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فَذَلِكَ لَكِ».
قَالَ سُلَيْمَانُ فِي حَدِيثِهِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢].
وأخرجه أبو عَوَانة من طريق صالح بن عمرو عن سعيد بن أبي مريم، به.
• وتابع معاويةَ بن أبي مُزَرَّد عبد الله بن دينار بلفظ: «الرحم شجنة» كما عند أبي بكر الشافعي في «الغيلانيات» رقم (٣٨٤): حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ (^٢) قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ (^٣) قَالَ: حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ (^٤)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ تَبَارَكَ
_________________
(١) الحَقْو (بفتح فسكون): مَعقِد الإزار من الإنسان. والحقو في حق الرحمن ﷿ على ظاهر الخبر ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وانظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٥/ ٥٦٦).
(٢) وهو ابن غالب، قال عنه ابن أبي حاتم: صدوق. وقال الدارقطني: ثقة وَهِم في أحاديث.
(٣) وعبد الصمد بن النعمان قال عنه أبو حاتم: صدوق. وقال ابن مَعِين: ثقة، لا أراه ممن كان يَكذب. وقال الدارقطني والنَّسَائي: ليس بالقوي.
(٤) هو ابن عمر اليشكري، صدوق إلا عن منصور.
[ ١ / ١٧٩ ]
وَتَعَالَى، مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا: مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ» (^١).
• وتابع سعيدَ بن يسار محمدُ بن كعب القُرَظِيّ عن أبي هريرة ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الرَّحِمَ شُجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ، تَقُولُ: يَا رَبِّ إِنِّي قُطِعْتُ، يَا رَبِّ إِنِّي أُسِيءَ إِلَيَّ، يَا رَبِّ إِنِّي ظُلِمْتُ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ. قَالَ: فَيُجِيبُهَا: أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟» (^٢).
أخرجه أحمد (٨٩٧٥) وغيره، من طرق عن شُعبة عن محمد بن عبد الجبار (^٣) عنه.
• الخلاصة: قال شيخنا مع الباحث/ وائل بن عبد الله، بتاريخ شهر ربيع الأول (١٤٤٠ هـ) الموافق (٢/ ١/ ٢٠١٩ م): في النفس منها شيء.
ثم كَتَب شيخنا مع الباحث/ عاطف بن رشدي، بتاريخ (٢٤) ذي القعدة (١٤٤٢ هـ) الموافق (٥/ ٧/ ٢٠٢١ م): لفظة (حقو الرحمن) شاذة في هذا الخبر، وتَفَرَّد بها خالد بن مَخْلَد من طريق سليمان بن بلال وقُتيبة، من طريق البيهقي في «الشُّعَب».
قال ابن أبي حاتم في «العلل» (٢١١٨): وَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ تَفْسِيرِ حَدِيثٍ النَّبِيِّ ﷺ: «الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ، وَإِنَّهَا آخِذَةٌ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ» فَقَالَ: قَالَ
_________________
(١) ذَكَر الدارقطني في «العلل» طرقًا عن عبد الله بن دينار، ثم رَجَّح طريق ورقاء.
(٢) ذَكَر العُقيلي هذا الخبر في «الضعفاء» (٤/ ١٠٤) وقال: وهذا يُروَى من غير وجه بأسانيد جياد.
(٣) قال عنه الحافظ: مقبول.
[ ١ / ١٨٠ ]
الزُّهْرِيُّ: عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ البَلَاغُ، وَمِنَّا التَّسْلِيمُ. قَالَ: أَمِرُّوا حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَا جَاءَتْ (^١).
وساق بسنده إلى سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، عن هذه الأحاديث التي فيها الصفة والرؤية والقرآن، فقال: أَمِرُّوها كما جاءت بلا كَيْفٍ.
• تنبيه: وردت رواية بلفظ: «الرحم شجنة معلقة بحقوي الرحمن». وفي سندها أبو جعفر الرازي عن بَشير بن يسار عن أبي هريرة، مخالفًا الجميع، وهو سيئ الحفظ.
وقال أبو حاتم في «العلل» (٥/ ٤٧٤): هَذَا خَطَأٌ، إِنَّمَا هُوَ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي الحُبَابِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أَبِي: أَخْطَأَ فِيهِ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ.
_________________
(١) جاء.
[ ١ / ١٨١ ]