• وردت نصوص كثيرة من الوحيين في إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة.
منها: قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وقال جل ذكره عن الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥].
ووردت أخبار كثيرة في ذلك منها:
١ - ما أخرجه مسلم رقم (١٨١): حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ» قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ﷿».
وتابع ابنَ مهدي أكثر من ستة عَشَر راويًا، كما خرجتُه في تحقيقي كتاب «رؤية الله ﷿» (١٥٣) للدارقطني، ط/ ابن تيمية.
وخالف حماد بن سلمة أربعة:
١ - حماد بن زيد، فجَعَله من قول ابن أبي ليلى مختصرًا، أخرجه عبد الله في «السُّنة» (٤٤٥) وغيره.
٢ - سليمان بن المغيرة، أخرجه ابن خُزيمة (٢/ ٤٤٧) وغيره.
[ ١ / ١٨٤ ]
٣ - مَعْمَر، أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٧٦٢٣).
٤ - حماد بن واقد، كما في «تحفة الأشراف» (٤/ ١٩٨) قاله أبو مسعود الدمشقي.
فمن حيث الترجيح حماد بن واقد هو العيشي، ضعيف، وقال العُقيلي: أَنْكَرُهم روايةً عن ثابتٍ مَعْمَر.
ورواية سليمان وحماد ثابتة، إلا أن حماد بن سلمة مُقَدَّم عليهما في ثابت.
قال علي بن المَديني في «العلل» (ص: ٧٢): لَمْ يَكُنْ فِي أَصْحَابِ ثَابِتٍ أَثْبَتُ مِنْ حَمَّادِ بْن سَلَمَةَ، ثُمَّ بَعْدَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، ثُمَّ بَعْدَهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. وَهِيَ صِحَاحٌ.
وقال مسلم في «التمييز» (ص: ١٥٢): اجتماع أهل الحديث ومن علمائهم على أن أثبت الناس في ثابتٍ البُناني حماد بن سلمة.
وكذلك قال يحيى القطان، ويحيى بن مَعِين، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أهل المعرفة.
وانظر «شرح علل الترمذي» (٢/ ٦٩٠) لابن رجب. وانظر «السُّنن الكبرى» (١/ ٤٦٣) للبيهقي. وتحقيقي كتاب «رؤية الله ﷿» للدارقطني، رقم (١٥٣)
• الخلاصة: صحة الخبر، وأن الأشهر فيه النظر إلى الله، بخلاف بعض الرواية النازلة، أو المختلف فيها وهي: النظر إلى وجه الله.
وكَتَب شيخنا معي بتاريخ الخميس (٢٦) من ذي الحجة (١٤٤٢) الموافق (٥/ ٨/ ٢٠٢١ م): خلصنا بأن رواية حمادبن سلمة في ثابت قوية:
[ ١ / ١٨٥ ]
١ - قوة حماد في ثابت.
٢ - كثرة الرواة لحماد بن سلمة لهذا الخبر مع علو السند.
٣ - قَبول العلماء لها في التفسير.
٤ - هل حماد بن زيد كمالك في التقصير في الأسانيد عند الخلاف أم لا؟
وقال يعقوب بن شيبة كما في «تهذيب التهذيب» (٣/ ١٠): حماد بن زيد أَثْبَتُ من ابن سلمة، وكُلٌّ ثقة، غير أن ابن زيد معروف بأنه يُقصِّر في الأسانيد، ويُوقِف المرفوع، كثير الشك بتَوَقِّيه وكان جليلًا، لم يكن له كتاب يرجع إليه، فكان أحيانًا يَذكر فيَرفع الحديث، وأحيانًا يهاب الحديث ولا يرفعه، وكان يُعَدّ من المتثبتين في أيوب خاصة.
• تنبيه: هناك خلاف على حماد بن سلمة في اللفظ، فالأكثر - ابن مهدي ويزيد بن هارون ورَوْح بن أسلم وبِشْر بن السَّرِيّ وحَجاج بن منهال وعفان بن مسلم في وجه، وقَبيصة كذلك - والأعلى إسنادًا بالنظر إلى الله. رواه آخرون - مسلم بن إبراهيم والأسود بن عامر ومحمد بن عبد الله الخُزَاعي وحَوْثَرة بن أشرس وسليمان بن داود والهيثم بن جميل وعفان بن مسلم في وجه، وكذلك هُدْبَة بن خالد وقَبيصة - بالنظر إلى وجه الله. فمن حيث الترجيح: الأول أعم وأرجح. وصفة الوجه لربنا ثابتة بالكتاب وصحيح السُّنة.
٢ - ومنها ما أخرجه الإمام البخاري رقم (٧٤٣٥): حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ اليَرْبُوعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا».
[ ١ / ١٨٦ ]
وتابع أبا شهاب على زيادة: «عِيَانًا» زيد بن أبي أُنيسَة، أخرجه الدارقطني في «الرؤية» (١٣٠)، والطبراني (٩٣٠١) بلفظ: «إنكم ستُعايِنون ربكم» وإسناد الدارقطني حسن؛ لأجل المعافى بن سليمان. وقال الدارقطني: جَوَّده زيد بن أبي أُنيسَة.
وقال الطبراني في «الأوسط» (٩/ ١٢٠): وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِمَّنْ رَوَى هَذَا الحَديثَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ: (تُعَايِنُونَ رَبَّكُمْ) إِلَّا زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ وَأَبُو شِهَابٍ الْحَنَّاطُ.
وتابعهما وكيع في وجه ذَكَره الدارقطني في «علله» (١٢/ ٤٥٣).
وخالفهم خَلْق، منهم شُعبة، أخرجه أحمد (١٩١٩٠) وابن إدريس والقطان - عن إسماعيل بن أبي خالد، وروايتهم في «الصحيحين» بدون لفظ: «عِيَانًا».
وتابع إسماعيلَ بن أبي خالد جماعة بدونها.
وتابع قيسَ بن أبي حازم عبد الله بن جرير عن أبيه، أخرجه الدارقطني في «الرؤية» (١٤٢) وتابع قيسًا أيضًا أبو بكر بن عمارة بن رُؤَيْبَة، أخرجه الدارقطني في «الرؤية» (١٤٢).
• والخلاصة: أن لفظة: «عِيَانًا» وإن كان إسنادها محفوظًا، إلا أنها مرجوحة من حيث جمع الطرق، ومعناها صحيح.
وهذا ما انتهيتُ إليه في تحقيقي «رؤية الله ﷿» للدارقطني (ص/ ١٦٤) ط/ ابن تيمية بالقاهرة.
[ ١ / ١٨٧ ]
وكذا يَرى الباحث محمد بن يحيى البسيوني، بتاريخ (٢٦) ربيع الأول (١٤٤٣ هـ) الموافق (١/ ١١/ ٢٠٢١ م).
بينما كَتَب شيخنا مع الباحث: «عِيَانًا» معلولة.
وانتهى من قبل إلى شذوذها في «المِائة الأولى» (ص/ ٣٤٨) ط/ دار اللؤلؤة.
[ ١ / ١٨٨ ]