• يَغرس في جلسائه الاحتساب (^١) وحُب العلم والرسوخ فيه، والصبر على تحصيله وتعليمه ونشره، وأنه الثمرة التي يُنتفع بها من الباحث بعد رحيله ويَنتفع هو بها بعد مماته، وفي الحديث: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (^٢).
• يَغرس في طلابه الإتقان (^٣) والأمانة، فلا يَشرع باحث في عرض الأحاديث عليه للتدرب إلا بعد دراسة مصطلح الحديث، والاجتياز فيه بدرجة لا تَقِلّ عن ثمانين بالمائة (٨٠%)، ويَكتب الاختبار للباحثين الجدد بنفسه.
وأحيانًا يُوقِف الباحث خلال النقاش، ويسأله عن اجتيازه الاختبار.
وتارة يَطرح عليه أسئلة ويستمع إلى جوابه.
وتارة يُدقِّق وراء الباحث، ويُراجِع المصادر بنفسه أو بمساعدة الباحثين الحاضرين.
_________________
(١) وكم من كتب قام بمراجعتها في هذا المجلس، وقَدَّم لها حِسبة.
(٢) أخرجه مسلم (١٦٣١).
(٣) وقد قال تعالى لداود ﵇: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١٠، ١١] عدِّل المسمار في الحَلْقة، ولا تُصغِّره فيقلق، ولا تُعظِّمه فتنفصم الحَلْقة. انظر «زاد المَسِير» (٣/ ٤٩١) لابن الجوزي.
[ ١ / ١٦ ]
وثالثة: يَسأل عن طبعات الكتاب الذي يقوم الباحث بتحقيقه، وما الحامل له على هذا التحقيق؟ حتى يوجهه للأنفع له وللمسلمين، ويأمن من السطو على أعمال الآخرين، ويُذكِّر بسطو شخص على أحد كتبه، وتقديمها لإحدى الجهات، وفي ثنايا هوامشها: (قلت: مصطفى).
ورابعة: يَسأل عن الأبحاث المُؤلَّفة في بحث الشخص؛ حتى يَبدأ من حيث انتهى غيره.
وخامسة: يَرُدّ الباحثَ للبحث في كتب العلل أو لقصورٍ ظهر في البحث، أو للبحث عن شواهد أو عمومات، أو يسنده لمراجعته مع باحث متقدم، ويُبيِّن أن المجلس مهما اشتددنا فيه على الباحث، فهو أفضل له ولنا عند الله؛ لأن هذا دِين، وأَسْلَمُ من الانتقادات التي قد تَرِد.
• يَزرع فيهم الجد والاجتهاد ونَبْذ التقليد، والاعتناء في أول الطلب بتحرير العلم قبل الانشغال بأعباء الدعوة؛ فإن أثر ذلك ينعكس عليك في التأليف والتحقيق وكِبَر سنك، وبقاء ثمرة الاجتهاد دون نقض لها.
• يُذكِّر طلابه بشكر النعم، فهل يَستوي مَنْ مَنَّ الله عليه بتحفيظ القرآن للأطفال، ومَن مَنَّ الله عليه بصحبة حَمَلة القرآن وأصحاب الأبحاث النافعة؟ ففي كُلٍّ خير لكن الثاني أكثر ارتقاء ونفعًا واستنباطًا.
ويُذكِّر بأول طلبه وقلة المصادر، وبَذْل الأوقات الكثيرة في تخريج حديث من الكتب، أما الآن فيوجد وفرة في المراجع مع سرعة الجمع بالتِّقنيات الحديثة.
[ ١ / ١٧ ]
• لا يَبخل على الناس بما عنده من علم ونصيحة وخير، وكأني به يُذكِّر بقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤] وبقول عائشة ﵂: «وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ كَتَمَ فَقَدْ كَذَبَ» ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] (^١) وبعموم: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ، فَلْيَفْعَلْ» (^٢)
وحديث: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» (^٣).
• لا ينخدع ببهرجة القول وجمال العرض، واللف والدوران وكثرة القول، بل يطير فرحًا بالأدلة وصراحة الاستدلال، وتدعيم الفَهْم بأقوال أئمتنا من الصحابة ﵃ والتابعين، وأصحاب المذاهب الأربعة وابن حزم والشوكاني، ثم المعاصرين ﵏ جميعًا، ثم الربط بالواقع (العمل الميداني).
فإذا ما ظهر له وجه الحق في مسألة أو في الحُكم على حديث بالإعلال أو الصحة، اعتنقه؛ لأن هذا ديننا الذي نُسأل عنه في دنيانا ويوم نلقى الله: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] ثم يَشكر الباحثَ بالقول والفعل.
• يُذكِّر بالتزكية وسلامة الصدر وأخوة الإيمان، وأننا بَشَر، وللقدماء حق وللجُدُد أصحاب الفوائد حق، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٨٥٥).
(٢) أخرجه مسلم (٢١٩٩).
(٣) أخرجه مسلم (٥٥).
[ ١ / ١٨ ]
ويَنصح بعض الباحثين بتعديل بعض الأساليب مِنْ: (قلنا)، (بحثنا)، (لم يُعِل الخبرَ أحد) إلى (قلتُ)، (بحثتُ)، (لم يُعِله أحد فيما وقفتُ عليه).
• ويقول متواضعًا: إنه يستفيد من الباحثين أكثر مما يستفيدون منه، ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠] ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦].
• يُذكِّر بسَعة الشريعة والعلم، وأن خطة البحث والفترة الزمانية المحددة له سببان في الإنجاز، وقد قال تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣].
• يُعَوِّد الباحثَ الحفظ (^١) مع الفَهْم، فيفاجئه بإغلاق أوراق البحث، ويَطلب منه أن يُفصِح عما جاء به.
وتارة يُغلِق خريطة البحث لتشعبها، ويقول له مثلًا: هذا الخبر كم شخصًا رواه عن أبي هريرة؟ ثم مَنْ عنهم؟ ثم يَطلب الحُكم على كل طريق، وهل رجع بعضها إلى بعض أو لا؟.
• وتارة في نقاش الأبحاث يقول للباحث: أُخْبِرك بما عندي، ولو عندك زيادة أو تعقيب تَفضَّلْ به بعد الانتهاء.
وأحيانًا يَطلب من بعض الجالسين تلخيص ما قيل حتى يتأكد أنهم حَصَّلوا واستفادوا.
_________________
(١) ويَذكر أنه كان في أول الأمر يُلقِي المحاضرات من أوراق، ثم عَوَّد نفسه ألا يرتبط بالورق، وأن يُعوِّد الذاكرة الحفظ.
[ ١ / ١٩ ]
• يُبيِّن قيمة الوقت والثمرةَ المرجوة منه، فيُكلِّف بعض القائمين على العرض بضبط وقتٍ محدد، كخَمْس دقائق أو عَشْر أو ربع ساعة للباحث؛ حتى لا يطغى على حقوق الآخرين، ومِن ثَمّ لا تتراكم الأعمال.
• يَفتح مجالًا للمشاركة العلمية من الحاضرين (^١) ويُحفِّز عليها بعسل النحل أو التمر أو الهدايا، مع الثناء على قيمة الفائدة؛ شحذًا للهمم وإخراجًا للمزيد، وحضًّا على التكامل العلمي والتلقيح العقلي والتقويم البحثي.
• يتشاور مع إخوانه في مراجعة بعض الكتب، هل تقربه من الله أو تضر به؟ وأحيانًا وقته لا يَسمح بمراجعتها، فيُجَزِّئها على بعض الباحثين القدامى، ويَنص في تقديمه على ما رأى وسَمِع.
• توزيع الأبحاث النافعة التي حُررت في المكان على طلبة العلم، وعلى الوافدين بما يناسبهم منها.
_________________
(١) وفي قول أنس ﵁: «فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ، فَيَسْأَلَهُ، وَنَحْنُ نَسْمَعُ» أخرجه مسلم (١٢).
[ ١ / ٢٠ ]