الحمد لله القائل لسيد ولد آدم ﷺ: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
والصلاة والسلام على رسول الله القائل: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا» (^١).
وبعد، فالرحلة في طلب العلم النافع ابتغاء وجه الله الأعلى - مِنْ أَجَلّ العبادات وأقرب القُرَب وأشرف الزيارات في الله، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ
_________________
(١) صحيح: أخرجه الترمذي (٢٢٧)، وابن ماجه (٢٣١)، وأحمد (١٦٧٥٤)، والدارمي (٢٢٨)، والحاكم (٢٤٩)، والطبراني في «الكبير» (١٥٤١)، وأبو يعلى (٧٤١٣)، والبزار (٣٤١٦) من حديث الزُّهْري، عن محمد بن جُبير بن مُطعِم، عن أبيه جُبَيْر. وأخرجه الترمذي (٢٦٥٨)، وابن ماجه (٢٣٢)، والحُميدي (٨٨)، ومن طريقه الشاشي (٢٧٧) من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه. وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٢٣٦)، وأحمد (١٣٣٥٠) من حديث أنس بن مالك. وأخرجه ابن ماجه (٢٣٠) من حديث زيد بن ثابت. ورُوي عن أبي سعيد الخُدْري بسند ضعيف.
[ ١ / ٩ ]
يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] وقال النبي ﷺ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» (^١).
• وفيها الازدياد من العلم، ومعرفة مفاتيحه ومواكبة العصر ودقة الفهم والصحبة الصالحة والتعاون على البر والتقوى وإحياء السنن وإماتة البدع.
• وبها تُدْفَع الشبهات، فَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ، أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لِأَبِي إِهَابِ بْنِ عُزَيْزٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ. فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي، وَلَا أَخْبَرْتِنِي. فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟» فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ، وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ (^٢).
• وبها نال الشباب بركة صحبة النبي ﷺ، فَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﵁ قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَحِيمًا رَقِيقًا، فَظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَقْنَا أَهْلَنَا، فَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا مِنْ أَهْلِنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ، وَمُرُوهُمْ فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» (^٣).
• وفيها يَتلقى المتعلم من العالم، ويستفيد الشيخ من الطالب، وتُعْقَد مجالس الربانيين فتَحفُّهم ملائكة الرحمن، ويجدون بغيتهم.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٩٩) من حديث أبي هريرة ﵁. وانظر تعليقي عليه في تحقيقي كتاب «الرحلة» للخطيب البغدادي ط/ دار ابن تيمية بالقاهرة.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٨٨).
(٣) أخرجه البخاري (٦٠٠٨) ومسلم (٦٧٤).
[ ١ / ١٠ ]
فعن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ، يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ» قَالَ: «فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» قَالَ: «فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ: مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالُوا: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ» قَالَ: «فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟» قَالَ: «فَيَقُولُونَ: لَا وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ» قَالَ: «فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟» قَالَ: «يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا» قَالَ: «يَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونِي؟» قَالَ: «يَسْأَلُونَكَ الجَنَّةَ» قَالَ: «يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟» قَالَ: «يَقُولُونَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا» قَالَ: «يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟» قَالَ: «يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا، وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً» قَالَ: «فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟» قَالَ: «يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ» قَالَ: «يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟» قَالَ: «يَقُولُونَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ، مَا رَأَوْهَا» قَالَ: «يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟» قَالَ: «يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا، وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً» قَالَ: «فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ» قَالَ: «يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ المَلَائِكَةِ: فِيهِمْ فُلَانٌ، لَيْسَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ». قَالَ: «هُمُ الجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ» (^١).
وفي حديث أبي هريرة ﵁: «وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٤٠٨) ومسلم (٢٦٨٩).
[ ١ / ١١ ]
وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» (^١).
• والرحلة ومجالس العلم صِمام أمان للأمة والأجيال القادمة، وهذا واضح في رغبة نبي الله زكريا ﵇ من الذرية ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٥، ٦].
• والرحلة طريق للارتقاء والبحث عن المتقنين والترقي في درجات العلم والإيمان: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] وقال تعالى في شأن الصِّدِّيق يوسف ﵇: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦].
وخَيْر ما يجتهد فيه طالب العلم بعد تقوى الله (^٢) العمل بما تَعَلَّم وتعليم مَنْ لم يعلم، ومذاكرة مَنْ يَعْلم، وتقييد العلم ونشره في الآفاق، فحفظ العلم في الصدر أو في القرطاس أو الكتاب أو نَشْره عبر الوسائل الحديثة المتاحة - كلها طرائق لحفظ العلم ونشره في الآفاق، فربما بَلَغ علمك مكانًا لن تبلغه ببدنك طيلة عمرك، فيكون زادًا لك في رحلتَي البزخ والقيامة بعد مماتك، ورُبَّ مُبلَّغ أوعى من سامع.
وقد قال تعالى في فضل حفظ العلم عن ظهر قلب: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٩٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
[ ١ / ١٢ ]
صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩].
وقال النبي ﷺ في قصة وفد عبد القيس: «احْفَظُوهُنَّ، وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ» (^١).
وقال عمرو بن أَخْطَبَ ﵁: «فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا» (^٢).
وفي حديث أبي موسى ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ - كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ المَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الكَلَأَ وَالعُشْبَ الكَثِيرَ. وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ، لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً. فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» (^٣).
ولله دَرُّ القائل:
العلم في الصدر مثل الشمس في الفلك … والعقل للمرء مثل التاج للملك
فاشدد يديك بحبل العلم معتصمًا … فالعلم للمرء مثل الماء للسمك (^٤)
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٣) ومسلم (١٧) من حديث ابن عباس ﵄.
(٢) أخرجه مسلم (٢٨٩٢).
(٣) أخرجه البخاري (٧٩) ومسلم (٢٢٨٢).
(٤) «مجاني الأدب في حدائق العرب» (١/ ٢٢).
[ ١ / ١٣ ]