وموقوفًا فأيهما أصح من حديث عمر ﵁-؟
قال الإمام مسلم في «صحيحه» رقم (٢٠٦٩): حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: كَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ وَنَحْنُ بِأَذْرَبِيجَانَ: يَا عُتْبَةُ بْنَ فَرْقَدٍ، إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَدِّكَ، وَلَا مِنْ كَدِّ أَبِيكَ، وَلَا مِنْ كَدِّ أُمِّكَ، فَأَشْبِعِ الْمُسْلِمِينَ فِي رِحَالِهِمْ مِمَّا تَشْبَعُ مِنْهُ فِي رَحْلِكَ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَعُّمَ، وَزِيَّ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَلَبُوسَ الْحَرِيرَ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ لَبُوسِ الْحَرِيرِ، قَالَ: «إِلَّا هَكَذَا» وَرَفَعَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إِصْبَعَيْهِ الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةَ وَضَمَّهُمَا. قَالَ زُهَيْرٌ: قَالَ عَاصِمٌ: هَذَا فِي الْكِتَابِ. قَالَ: وَرَفَعَ زُهَيْرٌ إِصْبَعَيْهِ.
ووافقه البخاري رقم (٥٨٢٩) في السند، لكن اختصر المتن هكذا: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: كَتَبَ إِلَيْنَا عُمَرُ وَنَحْنُ بِأَذْرَبِيجَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ إِلَّا هَكَذَا، وَصَفَّ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ إِصْبَعَيْهِ، وَرَفَعَ زُهَيْرٌ الوُسْطَى وَالسَّبَّابَةَ.
وتابع زهيرًا حفص بن غياث، أخرجه مسلم (٢٠٦٩) وقال: بمثله.
فالاستثناء مرفوع في طريق عاصم الأحول، وتابعه على الرفع:
١ - قتادة بن دِعَامة، أخرجه البخاري (٥٨٢٨) ومسلم (٢٠٦٩).
[ ١١ / ٣٩٥ ]
٢ - خالدٌ الحَذَّاء، لكن جاء بلفظ التقعيد هكذا: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ فِي الْحَرِيرِ فِي إِصْبَعَيْنِ» أخرجه أحمد (٢٤٢).
وجاء طريق رابع قد يُفهَم منه الإدراج، وهو طريق سليمان التيمي، أخرجه الإمام مسلم في «صحيحه» رقم (٢٠٦٩): وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَهُوَ عُثْمَانُ- وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ، وَاللَّفْظُ لِإِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: كُنَّا مَعَ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ، فَجَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ إِلَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْآخِرَةِ، إِلَّا هَكَذَا»، وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ: بِإِصْبَعَيْهِ اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ الْإِبْهَامَ، فَرُئِيتُهُمَا أَزْرَارَ الطَّيَالِسَةِ حِينَ رَأَيْتُ الطَّيَالِسَةَ.
وتابع جريرًا على لفظ: (إلا هكذا):
١ - يحيى بن سعيد، أخرجه أحمد (٢٤٣) والبخاري (٥٨٣٠) لكن دون الاستثناء (إلا هكذا).
٢ - المعتمر كما عند مسلم وقال: بمثل حديث جرير. وأخرجه البخاري (٥٨٣٠) عقب رواية يحيى بن سعيد ولم يَسُق لفظه، لكن أشار إلى تفسير الاستثناء من قول أبي عثمان (^١).
_________________
(١) قال ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٢٨٧): قوله: (وأشار أبو عثمان بإصبعيه المسبحة والوسطى) يريد أن معتمر بن سليمان رواه عن أبيه عن أبي عثمان عن كتاب عمر، وزاد هذه الزيادة. وهذا مما يؤيد أن رواية الأكثر في الطريق التي قبلها التي خلت عن هذه الزيادة- أَوْلَى من رواية المستملي التي أوردها فيه، فإن هذا القدر زاده معتمر بن سليمان في روايته عن أبيه. ثم ظهر لي أن الذي زاده معتمر تفسير الإصبعين، فإن الإسماعيلي أخرجه من روايته ومن رواية يحيى القطان جميعًا عن سليمان التيمي، وقال في سياقه: كنا مع عتبة بن فَرقد فكَتَب إليه عمر يُحدِّثه بأشياء عن رسول الله ﷺ. قال: وفيما كتبه إليه أن النبي ﷺ قال: «أَلَا لا يَلبس الحرير في الدنيا مَنْ له في الآخرة منه شيء إلا» وأشار بإصبعيه فعرف أن زيادة معتمر تسمية الإصبعين. وقد أخرجه مسلم والإسماعيلي أيضًا من طريق جرير عن سليمان وقال فيه: بإصبعيه اللتين تليان الإبهام، فرأيناها أزرار الطيالسة حين رأينا الطيالسة.
[ ١١ / ٣٩٦ ]
٣ - يزيد بن هارون ولم يَذكر الاستثناء وجَعَله من قول أبي عثمان (فقال أبو عثمان: وأشار بأصبعيه) أخرجه أبو عَوانة في «مستخرجه» (٨٥٢٠).
ومما يؤيد ترجيح رواية سليمان التيمي في أبي عثمان على عاصم الأحول: تقديمُ يحيى بن سعيد وأبي حاتم والإمام أحمد عمومًا، لكن قد تابع عاصمًا قتادة، وكلاهما متفق عليه، وتابعهما كذلك خالد الحَذَّاء.
*-ورواه سعيد بن غفلة عن عمر، واختُلف عليه في الرفع والوقف:
١ - خيثمة بن عبد الرحمن فذَكَر الاستثناء موقوفًا، أخرجه ابن الجعد (٦٢٥).
٢ - عامر الشَّعبي واختُلف عنه بالرفع والوقف، والأكثر على الوقف، وحَكَى الدارقطني الخلاف في «العلل» (١٨٠) و«التتبع» (١٢١).
وتابع خيثمةَ على الوقف ثلاثة: عبدة بن أبي لبابة وعمران بن مسلم وإبراهيم بن عبد الأعلى.
[ ١١ / ٣٩٧ ]
ورواه زِر بن حُبيش عن عمر قوله، أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢٤٦٨٢) قال عمر: لا تَلبسوا من الحرير إلا أصبعين أو ثلاثة.
واقتَصَر على النهي دون الاستثناء:
١ - عبد الله بن عمر عن عمر، كما في البخاري (٥٨٣٥) ومسلم (٢٠٦٩) واللفظ للبخاري، من طريق عِمْرَانَ بْنِ حِطَّانَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الحَرِيرِ، فَقَالَتْ: ائْتِ ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَلْهُ. قَالَ: فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: سَلِ ابْنَ عُمَرَ. قَالَ: فَسَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو حَفْصٍ- يَعْنِي عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا يَلْبَسُ الحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ» فَقُلْتُ: صَدَقَ، وَمَا كَذَبَ أَبُو حَفْصٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
٢ - عبد الله بن الزبير، كما في البخاري (٥٨٣٤) ومسلم (٢٠٦٩).
٣ - أبو وائل، أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٩٦٦٣) وفي سنده مسلم الأعور، ضعيف.
الخلاصة: رواه عن عمر ﵁ جماعة:
١ - ابن عمر وابن الزبير وأبو وائل، بالنهي عن لبس الحرير دون الاستثناء.
٢ - أبو عثمان النهدي. والأرجح أن الاستثناء مرفوع.
٣ - سُويد بن غفلة، والأرجح عنه أن الاستثناء من قول عمر ﵁.
٤ - زِر بن حُبيش على الوقف.
[ ١١ / ٣٩٨ ]
ومال شيخنا مع الباحث سيد بن عبد العزيز، بتاريخ (١٣) ربيع الآخِر (١٤٤٥ هـ) الموافق (٢٨/ ١٠/ ٢٠٢٣ م) إلى صحة الاستثناء وأنه متفق عليه.
تنبيه: ثَبَت الترخيص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن عوام ﵄ في لبس الحرير لعلة، أخرجه البخاري (٢٩١٩) من طريق قتادة، أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِعَبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ فِي قَمِيصٍ مِنْ حَرِيرٍ؛ مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا.
ومسلم (٢٠٧٦) كذلك، وفي طريق أبي أسامة عن سعيد بن أبي عَروبة عن قتادة زاد التقييد بالسفر، وقال: «مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا أَوْ وَجَعٍ كَانَ بِهِمَا».
[ ١١ / ٣٩٩ ]