قال ابن سعد في «الطبقات» (٤/ ١٦٧) رقم (٥٢٨٨): أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ قالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُريِّ، عَنِ ابْنِ جُرَيجِ- يَعني عُبَيْدَ بْنَ جُرَيْجٍ-: قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ: رَأَيْتُكَ تُصَفِّرُ لِحْيَتَكَ. قالَ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ. قُلْتُ: وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ هَذِهِ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ. قالَ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُهَا وَيَسْتَحِبُّهَا وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا.
وتابع ابنَ نُمير أبو أسامة، أخرجه ابن ماجه (٣٦٢٦).
وتابع عبيدَ الله الإمامُ مالك، لكن جَعَلها أربعة أسئلة وأَجْمَل في الصبغ. أخرجه البخاري «صحيحه» رقم (١٦٦): حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيجٍ، أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا. قَالَ: وَمَا هِيَ يَا بْنَ جُرَيجٍ؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الأَرْكَانِ إِلَّا اليَمَانِيَّيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ، وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ.
قَالَ عَبْدُ اللهِ: أَمَّا الأَرْكَانُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمَسُّ إِلَّا اليَمَانِيَّيْنِ. وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَلْبَسُ النَّعْلَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ
[ ١١ / ٤٢٧ ]
فِيهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا. وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا. وَأَمَّا الإِهْلَالُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ.
وتابع عبدَ الله بن يوسف: عبدُ الله بن مسلمة القَعنبي ويحيى بن يحيى وإسحاق بن عيسى.
ورواه زيد بن أسلم واختُلف عليه:
فتارة عن عبيد بن جريج به، وفيه: «يصفر لحيته» أخرجه النسائي (٥٢٤٣) من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار (^١) وصوبها النسائي على الرواية الآتية.
وتارة بإسقاط عبيد بن جُريج، أخرجه النسائي (٥٠٨٥) من طريق الدراوردي (^٢) من رواية يعقوب بن إبراهيم وفيها: «يصفر لحيته» وخالفه القعنبي كما عند أبي داود (٤٠٦٤) وفيه: «يَصبغ ثيابه وعمامته» (^٣).
ورواه نافع عن ابن عمر، وعنه اثنان:
١ - ابن أبي رواد، كما عند أبي داود (٤٢١٠) والنسائي (٥٢٤٤).
٢ - عبد الله بن عمر العمري، أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢٥٠٣٩) وأحمد (٥٩٥٠).
_________________
(١) وهو صدوق يخطئ عند الحافظ والأكثر على ضعفه، وهو اختيار شيخنا مع الباحث.
(٢) مختلف فيه.
(٣) يُتفطن أن القعنبي من الرواة السابقين عن مالك، وقد ذكر الرواية مجملة في الصبغ.
[ ١١ / ٤٢٨ ]
الخلاصة: أن رواية «الصحيحين» من طريق مالك: «وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا» هكذا مجملة دون تقييد بلحية أو ثوب. وعندي أنها مبينة في رواية عبيد الله بن عمر، وتابعه على هذا البيان مع ضعف في الأسانيد الأشهر في رواية زيد بن أسلم، وهي التي صوبها النسائي، ورواية نافع مولى ابن عمر.
لكن اختار شيخنا مع الباحث إسماعيل بن حامد، بتاريخ (١١) ربيع الأول (١٤٤٥ هـ) الموافق (٢٦/ ٩/ ٢٠٢٣ م) أنها محمولة على الثياب (^١) جمعًا بين هذا الحديث وحديث أنس ﵁، لما سُئل: «لَمْ يَبْلُغِ الْخِضَابَ كَانَ فِي لِحْيَتِهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ» (^٢). وأضاف الباحث أن استعمال معاجم اللغة لكلمة الصبغ إنما هو في الثياب، أما اللحية فيُطلَق عليه الخضاب.
_________________
(١) قال النووي في «شرح مسلم» (٨/ ٩٥): قَالَ الْإِمَامُ الْمَازِرِيُّ: قِيلَ: الْمُرَادُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ صَبْغُ الشَّعْرِ. وَقِيلَ: صَبْغُ الثَّوْبِ. قَالَ: وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ صَبْغَ الثِّيَابِ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَبَغَ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ صَبَغَ شَعْرَهُ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: هَذَا أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ، وَإِلَّا فَقَدْ جَاءَتْ آثَارٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بَيَّنَ فِيهَا تَصْفِيرَ ابْنِ عُمَرَ لِحْيَتَهُ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ
(٢) أخرجه مسلم (٢٣٤١) بهذا اللفظ.
[ ١١ / ٤٢٩ ]