الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسولنا محمد ﷺ خاتم النبيين، وعلى له وصحبه أجمعين.
أما بعد؛ فنقدم إلى القراء الكرام نتاجًا جديدًا مما خطّته يراعة شيخنا الإمام الحدث محمد ناصر الدين الألباني ﵀؛ ليفيد منه طلبة العلم بعامة، وطلاب الحديث والتخريج والعلل بخاصة؛ وهو كتاب "صحيح سنن أبي داود" -الكتاب الأم- الذي كان شيخنا الوالد ﵀ يعزو إليه في كتبه المختلفة عند تخريجاته المختصرة.
وخير ما نعرّف به الكتاب أن نورد ما قاله عنه الشيخ نفسه في نهاية مقدمة الطبعة الجديدة للمجلد الأول لكتابه "مختصر صحيح البخاري"؛ حيث قال:
" سيمرُّ بالقارئ الكريم عزوي كثيرًا لكتابي "صحيح أبي داود"، وربما أحيانًا لقسيمه "ضعيف أبي داود" -بالأرقام طبعًا- لأحاديثهما؛ فليعلم أنني إنما أعني بكل منهما: (الأم) والأصل الذي أخرّج فيهما الأحاديث، وأتكلم على الأسانيد ورجالها؛ تعديلًا وتجريحًا، وتصحيحًا وتضعيفًا؛ وأتتبع فيهما الطرق في مختلف المصادر، حتى المخطوطات أحيانًا؛ على النحو الذي أنهج عليه في "السلسلتين"، وهما المقصودان أيضًا في كل كتبي حين العزو إليهما؛ فاقتضى التنبيه".
[ ١ / ٣ ]
وقال ﵀ في مقدمة "صحيح سنن أبي داود" -كتابه الآخر باختصار السند-، طبعة مكتبة المعارف:
" وذلك لأن أحاديث "أبي داود" ؛ مخرجة تخريجًا علميًّا دقيقًا في مشروعي القديم، الذي كنت بدأت فيه من نحو أربعين سنة، وهو "صحيح أبي داود" و"ضعيف أبي داود"، ولا أزال أعمل فيهما على نوبات متفرقة متباطئة، يسر الله لي إتمامها ".
وقد بدأ الشيخ مشروعه هذا -كما ذَكَرَ- منذ سنين طويلة، وجعله في دفاتر متعددة، وقد وجدنا على الوجه الداخلي لغلاف دفتره الأول ما يشير إلى تاريخ بداية عمله فيه بعبارة مختصرة:
"سنة حجتي الأولى (١٣٦٨) أواخر صفر (١٣٦٩ هـ) ". وكان يسجل تاريخ انتهائه من بعض دفاتره، أو متابعته للعمل في بعضها الآخر، ولم يكمل تخريج الكتاب كله -" قدر الله وما شاء فعل"-؛ ولذلك لم يكن ﵀ يعزم على نشره -على أهميته- إلا بعد الانتهاء منه كاملًا؛ فقد وصل في هذا "الصحيح" إلى الحديث (٢٧٣٤) من كتاب "الجنائز"، (٢٥ - باب الجلوس عند المصيبة)، ومن "الضعيف" إلى الحديث (٥٦١) من كتاب "الجنائز" أيضًا، (٢٩ - باب في النوح).
وهذا الكتاب مما يشهد لشيخنا ﵀ شهادة تامة ببصره النافذ -الناقد- في علم الحديث ورجاله، ونظرته الفاحصة للأسانيد وعللها، وتبحُّره في معرفة الشواهد -مما لا يستطيعه إلا من كَمَلَت -أو أوشكت- معرفته بعلم الحديث رواية ودراية، مع تضلّع بفهم كلمات الأئمة الجهابذه النقاد في الأسانيد والرجال ومرويّاتهم
[ ١ / ٤ ]
فهاكَه -أخي القارئ! - غضًّا طريًّا؛ تتنعَّم بالنظر فيه، وتتمتّع باسْتِكْناهِ ظواهره وخوافيه.
واعلم -أخي القارئ! - أن هذا الكتاب من بواكير أعمال الشيخ الحديثية بعد أن اشتدّ عوده -ولا يزال منذ بدأ شديدًا- ولم يبرح الشيخ ﵀ ينقّح فيه ويصحّح، ويزيد وينقص، ويحوّل من "الصحيح" إلى "الضعيف" -وبالعكس-، كما هي عادته - ﵀ - فيما يجدّ له من مصادر ومراجع؛ ليمشي على الخط الذي رسمه لنفسه في الحياة العلمية -وهو مما تلقاه عن أسلافه الأئمة الفحول-؛ ليقول -لسانًا وحالًا-: (العلم لا يقبل الجمود)!
وهذه سكيكة مطروقة، وسبيل معلومة، وجادة مسلوكة؛ تدل على منهجية شيخنا ﵀ في البحث العلمي النزيه؛ ليحتل بها المكانة المرموقة التي عرفه بها للقاصي والداني، ولله الحمد والمنة.
وعليه؛ كان لا بد لنا في أثناء عملنا لإخراج الكتاب من أمور ضرورية لإتمام العمل في أفضل صورة ممكنة، وهي تنطبق على هذا "الصحيح" وعلى "الضعيف" أيضًا، وتتلخص فيما يلي:
١ - كان الشيخ ﵀ قد نسّق كتابه هذا بشكل مختصر؛ يورد فيه نصّ الحديث في المتن -الأعلى- مختصرًا سنده، ثم يضع حكمه الإجمالي بين هلالين: (قلت: . . . . . . . .)، ثم يورد سنده أسفل -في الحاشية-، ثم يتكلم عليه بما تقتضيه الصناعة الحديثية؛ فكان أن جعلنا المتن والحاشيه معًا على نمط "الصحيحة" و"الضعيفة"، وميّزنا -في سبيل تحقيق هذا- نص الحديث في "السنن"، وأقوال أبي داود بالحرف الأسود؛ لأننا
[ ١ / ٥ ]
وجدنا هذا النمط بعد التجربة أنفع للقارئ، وأبعد عن تشتيت ذهنه، وأيسر من النواحي الطباعية الفنية.
٢ - ضبط عناوين الأبواب الفقهية وترقيمها تسلسليًّا لكل كتاب فقهي (١)؛ اعتمادًا منا على نسخة الأستاذ عزت عبيد الدعاس؛ لدقّتها -أولًا-، وثانيًا؛ فإنه تبين لنا لاحقًا أن شيخنا المصنف ﵀ كان قد اعتمد على النسخة (التازية) في قريب من ثلاثة أرباع عمله في الكتاب، ثم عدل إلى طبعة (الدعاس)؛ وذلك لأسباب شرحها فيما يأتي، تحت الحديث (٢٢٧٠).
ثم أدرجنا الأبواب التي كان الشيخ ﵀ قد حذفها لعدم وجود حديث تحتها على شرطه في هذا الكتاب، وقد كان هذا هو منهجه قديمًا؛ إلا أنه عدل عنه أخيرًا، وفي ذلك فوائد عدة لا تخفى؛ كما فعل في كتابه "صحيح الترغيب والترهيب" و"ضعيفه"، انظر مثلًا (١٠ - باب الخاتم يكون فيه ذكر الله ..)، و(١٩ - الاستتار في الخلاء) من "كتاب الطهارة"؛ فهما محذوفان في أصل الشيخ "الصحيح" هذا مع أحاديثهما؛ لأنهما ليسا على شرطه فيه، بل هما من شرطه في "الضعيف".
٣ - اعتمدنا الترقيم الأصلي للشيخ ﵀ بما فيه من تكرار في الموضع، أو نقص، وضبطنا العزو من الكتاب -وإليه- نفسه، وكذلك بين الكتابين "الصحيح" و"الضعيف".
ومن الضروري هنا أن نشير إلى أن الشيخ نفسه قد عدّل ترقيمه الخاص؛ تبعًا لما حذف أو أضاف من الأحاديث؛ مما أحدث فارقًا بين الترقيم الجديد
_________________
(١) بدءًا من (باب ١٤٨ / كتاب الصلاة / المجلد الرابع)، ولم يمكن تدارك ما قبله بعد أن تم إعداد المجلدات الثلاثة السابقة.
[ ١ / ٦ ]
والقديم يقل أو يزيد، لكنه ظل يعزو غالبًا إلى ترقيمه القديم؛ فليكن القارئ من هذا على ذُكْرٍ حين يعزو الشيخ من كتبه الأخرى إلى هنا، وليتَّبعْ ما يتيسّر له من الوسائل الأَخرى للوصول إلى بغيته إن لم يهتدِ إليه.
٤ - يعزو الشيخ أحيانًا إلى أحاديث في هذا الكتاب لم يَصِلْ بعدُ إلى تخريجها وتحقيقها، فيترك مكان أرقامها فارغًا ()، لإثباتها حين الوصول إليها، فهذه تركناها كما هي مع الإشارة أحيانًا إلى ما يساعد القارئ للاهتداء إلى الأحاديث المقصودة بين معقوفتين []؛ كذكر الباب مثلًا أو ما شابه، انظر مثلًا (ص ٦٢).
٥ - نصوص الأحاديث تركناها كما هي عند الشيخ ﵀؛ إلا ما لا بُدَّ منه -من طبيعة البشر- من سبق قلم أو نحوه.
٦ - الأحاديث التي أشار الشيخ ﵀ إلى نقلها من "الصحيح" إلى "الضعيف" أو العكس، قمنا بنقلها، وأشرنا إلى ذلك في الحاشية، ووضعنا لها رقمًا مكررًا ملحقًا بـ (/ م). مثال الحديث (١١ / م).
وأخيرًا؛ نرجو الله ﵎ أن يتقبّل منا عملنا، ويغفر لنا زلاتِنا، ونسأله -سبحانه- أن يجزي خيرًا كل من أسْهَم معنا في إخراج هذا الكتاب القيم إلى حيّز الوجود؛ بجهد أو فكرة أو دلالة ذيلت باسم (الناشر)، ويجزي والدنا الشيخ رحمه الله تعالى عنا وعن المسلمين جميعًا خير الجزاء، ويرحمه رحمة واسعة، إنه سميع مجيب.
٢٦ شوال ١٤٢٢ هـ - الموافق ١/ ١٠ / ٢٠٠٢ م
الناشر
[ ١ / ٧ ]