١٥ - عن ابن عباس قال:
مرَّ رسول الله - ﷺ - على قبرين فقال:
"إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير: أما هذا فكان لا يستنزه (وفي رواية: يستتر) من البول. وأما هذا فكان يمشي بالنميمة". ثمّ دعا بعَسِيبٍ رَطْبٍ، فشقه باثنين، ثمّ غرس على هذا واحدًا وعلى هذا واحدًا، وقال:
"لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا".
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه، وأبو عوانة في "صحاحهم"، وصححه الترمذي).
إسناده: ثنا زهير بن حرب، وهَنَّاد بن السَّريِّ قالا: ثنا وكيع: ثنا الأعمش قال: سمعت مجاهدًا يحدث عن طاوس عن ابن عباس.
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وقد أخرجاه.
ثمّ قال أبو داود: "قال هناد: "يستتر" مكان: "يستنزه". حدثنا عثمان بن أبي شيبة: ثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي ﷺ بمعناه قال: " كان لا يستتر من بوله". وقال أبو معاوية: "يستنزه" ".
والحديث أخرجه النسائي: أخبرنا هنّاد بن السري عن وكيع به؛ إلا أنه قال: "يستنزه" مثل رواية زهير.
[ ١ / ٤٨ ]
وأخرجه الشيخان وأبو عوانة وبقية الأربعة والبيهقي من طرق كثيرة عن وكيع به. بعضهم قال: "يستنزه"، والبعض: "يستتر"، إلا رواية البيهقي فبلفظ: "يتوقى"؛ وكذلك هي في "المستخرج على الصحيح" لأبي نعيم. قال الحافظ:
"وهي مفسرة للمراد".
وتابعه عبد الواحد بن زياد عن الأعمش به باللفط الأول: أخرجه مسلم والدارمي.
ومحمد بن خازم باللفظ الثاني: عند البخاري.
وقد خالف الأعمش: منصور؛ فرواه عن مجاهد عن ابن عباس بإسقاط طاوس من بينهما.
وكذلك رواه البخاري من طريق جرير كما رواه الصنف.
وإيرادهما على الوجهين -دون أي ترجيح- دليل على صحتهما عندهما.
ويؤيد ذلك: أن الطيالسي رواه (رقم ٢٦٤٦) عن شعبة عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس مثل رواية جرير عن منصور.
وشعبة ثقة حجة؛ فروايته تؤيد أن الأعمش رواه على الوجهين معًا؛ كما قال بعض المحققين المتأخرين.
١٦ - عن عبد الرحمن ابن حسَنَة قال:
انطلقت أنا وعمرو بن العاص إلى النّبي ﷺ؛ فخرج ومعه دَرَقَةٌ، ثمّ استتر بها ثم بال، فقلنا: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة! فسمع ذلك فقال:
[ ١ / ٤٩ ]
"ألم تعلموا ما لقي صاحب بني إسرائيل؟ ! كانوا إذا أصابهم البول؛ قطعوا ما أصابه البول منهم، فنهاهم، فَعُذِّبَ في قبره".
(قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري، وصححه الحاكم والذهبي على شرطهما؛ وهو كما قالا).
إسناده: ثنا مسدد: ثنا عبد الواحد بن زياد: ثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن ابن حسنة.
وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري.
والحديث أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤/ ١٥٨)، ومن طريقه ابن ماجة والحاكم والبيهقي وأحمد من طرق عن الأعمش به. وقال الحاكم:
"صحيح على شرط الشيخين". ووافقه الذهبي؛ وهو كما قالا.
ورواه ابن حبان أيضًا في "صحيحه" كما في "الترغيب" (١/ ٨٧ - رقم ٧)، وسكت عليه في "مختصره"، وقال الحافظ في "الفتح" (١/ ٢٦١):
"وهو حديث صحيح، صححه الدارقطني وغيره".
١٧ - قال أبو داود: "قال منصور عن أبي وائل عن أبي موسى في هذا الحديث قال: جلد أحدهم ".
قلت: هذا معلق وموقوف، وقد وصله مسلم (١/ ١٥٧): ثنا يحيى بن يحيى: أخبرنا جرير عن منصور عن أبي وائل قال:
كان أبو موسى يشدد في البول ويبول في قارورة ويقول: إن بني إسرائيل كان إذا أصاب جلد أحدهم بول قرضه بالمقاريض. فقال حذيفة: لوددت أن صاحبكم
[ ١ / ٥٠ ]
لا يشدد هذا التشديد؛ فلقد رأيتني أنا ورسول الله ﷺ نتماشى، فأتى سباطة خلف حائظ، فقام كما يقوم أحدكم فبال، فانتبذتُ منه، فأشار إليَّ، فجئت فقمت عند عقبه حتى فرغ.
ورواه البخاري (١/ ٢٦٣) من طريق شعبة عن منصور بلفظ: "ثوب أحدهم"؛ وهي مفسرة لرواية مسلم.
ورواه أحمد (٥/ ٣٨٢ و٤٠٢) من الوجهين بلفط: "أصاب أحدهم"؛ وهي على إطلاقها تشمل اللفظين كما لا يخفى.
قال الحافظ في "الفتح":
"قوله: "ثوب أحدهم"؛ وقع في رواية مسلم: "جلد أحدهم". قال القرطبي: مراده بالجلد واحد الجلود التي كانوا يلبسونها، وحمله بعضهم على ظاهره، وزعم أنه من الإصر الذي حملوه. ويؤيده رواية أبي داود؛ ففيها: "كان إذا أصاب جسد أحدهم"؛ لكن رواية البخاري صريحة في للثياب؛ فلعل بعضهم رواه بالمعنى".
قلت: يشير الحافظ برواية أبي داود إلى لفظ آخر في الحديث عن أبي موسى ذكره بعد هذا، لكني جرّدته من هنا، وأودعته في الكتاب الآخر المختص بالأحاديث الضعيفة؛ لأنه منها بهذا اللفظ، فانظر رقم (٥).