٣٣ - عن أنس بن مالك:
أن رسول الله ﷺ دخل حائطًا ومعه غلام معه مِيضَأَةٌ -وهو أصغرنا-، فوضعها عند السدرة، فقضى حاجته، فخرج علينا وقد استنجى بالماء.
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. وقد أخرجه هو والبخاري وأبو عوانة في "صحاحهم").
[ ١ / ٧٣ ]
إسناده: حدثنا وهب بن بقية عن خالد -يعني: الواسطي- عن خالد -يعني: الحذَّاء- عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس بن مالك.
وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم.
وقد أخرجه في "صحيحه" كما سيأتي.
وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه" (١/ ١٩٥) عن المصنف، فقال: ثنا أبو داود السِّجْزِيُّ قال: ثنا وهب بن بقية به.
و(السِّجْزِيُّ): نسبة إلى سجستان؛ قال المنذري (١/ ١٢):
"وهو من عجيب التغيير في النسب، وقد نسب أبو داود وغيره كذلك".
والحديث أخرجه مسلم: ثنا يحيى بن يحيى: أخبرنا خالد بن عبد الله به.
ثمّ أخرجه هو والبخاري والنسائي وللدارمي وأبو عوانة أيضًا، والطيالسي (رقم ٢١٣٤)، وعنه البيهقي، وأحمد (٣/ ١٧١) من حديث شعبة عن عطاء به. والشيخان، وأحمد (٣/ ١١٢)، ومن طريقه أبو عوانة عن روح بن القاسم عنه به.
٣٤ - عن أبي هريرة عن النّبيّ ﷺ قال:
"نزلت هذه الآية في أهل قُباء: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾؛ قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية".
(قلت: حديث صحيح، وصححه النووي والحافظ ابن حجر).
إسناده: ثنا محمد بن العلاء: أخبرنا معاوية بن هشام عن يونس بن الحارث عن إبراهيم بن أبي ميمونة عن أبي صالح عن أبي هريرة.
[ ١ / ٧٤ ]
وهذا إسناد ضعيف: يونس بن الحارث ضعيف.
وشيخه إبراهيم بن أبي ميمونة مجهول؛ قال الذهبي: "ما روى عنه سوى يونس بن الحارث".
والحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة والبيهقي عن المصنف بهذا الإسناد. وقال الترمذي:
"حديث غريب من هذا الوجه". وقال الحافظ في "التلخيص" (١/ ٥٢٥) -وسبقه النووي في "المجموع" (٢/ ٩٩) -:
"إسناده ضعيف".
قلت: لكن الحديث له شواهد كثيرة يرقى بها إلى درجة الصحيح:
فمنها: ما عند أحمد (٣/ ٤٢٢) من طريق أبي أويس: ثنا شُرَحْبِيلُ عن عُوَيْمِ ابن ساعدة الأنصاري أنه حدثه:
أنّ النّبيّ ﷺ أتاهم في مسجد قباء، فقال:
"إنّ الله ﵎ قد أحسن عليكم الثناء في الطُّهور في قصة مسجدكم، فما هذا الطُّهور الذي تطهرون به؟ ".
قالوا: والله يا رسول الله! ما نعلم شيئًا؛ إلا أنه كان لنا جيران من اليهود، فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط؛ فغسلنا كما غسلوا.
وهذا إسناد حسن.
رواه ابن خزيمة في "صحيحه" (١/ ١٤ / ٢).
ثم رأيته في "المستدرك" (١/ ١٥٥)؛ وصححه، ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٧٥ ]
ومنها: ما أخرجه الحاكم (١/ ١٨٧)، وعنه البيهقي من طريق محمد بن إسحاق عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس:
﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾؛ قال: لما نزلت هذه الآية؛ بعث رسول الله ﷺ إلى عُوَيْمِ بن ساعدة فقال:
"ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم به؟ ". قالوا: يا نبي الله! ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل دبره -أو قال: مقعدته-، فقال النّبي ﷺ:
"ففي هذا". وقال الحاكم:
"هذا حديث صحيح على شرط مسلم"! ووافقه الذهبي!
وفيه نظر من وجهين:
الأول: أن مسلمًا إنما روى لابن إسحاق مقرونًا بغيره.
وثانيًا: هو مدلس؛ وقد عنعنه.
وله شاهد ثالث من حديث جابر وأبي أيوب وأنس جميعًا:
رواه ابن ماجة وغيره، وقد صححه النووي (٢/ ٩٩)، وسوف نخرجه ونتكلم على إسناده في "صحيح ابن ماجة" -إن شاء الله تعالى- رقم ().
(تنبيه أول): قد تبين لك أنه ليس في شيء من هذه الأحاديث ذكر الحجارة مع الماء، وقد اشتهر على الألسنة أنهم كانوا يجمعون بينهما؛ بل جاء الحديث في "المهذب" بلفظ:
"قالوا: نتبع الحجارة الماء"! فقال النووي:
"كذا يقوله أصحابنا وغيرهم في كتب الفقه والتفسير، وليس له أصل في
[ ١ / ٧٦ ]
كتب الحديث".
ولعله أراد ليس له أصل صحيح؛ وإلا فقد رواه البزار بلفظ "المهذب"؛ لكن إسناده ضعيف، كما قال الحافظ في "البلوغ"، و"التلخيص".
وأقول: إنه منكر؛ لمخالفته لجميع من روى هذا الحديث من الثقات.
(تنبيه ثان): وهم في حديث أبي هريرة -هذا- عالمان فحلان:
أحدهما: ابن العربي؛ حيث قال في "تفسيره" (١/ ٤١٥):
"وهذا حديث لم يصح"!
وهذا فيه إسراف ظاهر، فالحديث صحيح لا شك فيه؛ لما سبق من الشواهد وغيرها، ولو قال: (إسناده لم يصح)؛ لصدق.
والآخر: الحافظ ابن حجر؛ حيث قال في "الفتح" (٧/ ١٩٥): إن "إسناده صحيح"!
وهو غير صحيح إ! بل ضعيف بشهادة الحافظ نفسه؛ كما نقلناه عنه.