٣ - عن أنس بن مالك قال:
كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء قال:
"اللهم! إني أعوذ بك (وفي رواية: أعوذ بالله) من الخُبُثِ والخبائث".
قال أبو داود: "وقال وُهَيْب (١): فليتعوذ بالله".
_________________
(١) هو وهيب بن خالد الباهلي البصري، وروايته هذه لم أقف عليها موصولة، وهو ثقة حجة؛ لكن قال الآجُرِّي عن المصنف: "تغير وهيب بن خالد، وكان ثقة". وقال يحيى بن سعيد: "إسماعيل أثبت من وهيب". وإسماعيل: هو ابن علية، أحد رواة الحديث، وهو رواه من فعله ﵊، =
[ ١ / ٢٣ ]
(قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري، وقد أخرجاه دون رواية وهيب، فهي شاذة كالتي قبلها).
إسناده: ثنا مسدد بن مسرهد: ثنا حماد بن زيد وعبد الوارث عن عبد العزيز ابن صهيب عنه.
قال حماد: "اللهم! إني أعوذ بك".
_________________
(١) = وكذلك رواه كل من حدث به عن عبد العزيز، فهي أولى من رواية وهيب هذه. نعم؛ تابعه عليها عبد العزيز بن المختار عن عبد العزيز بن صهيب بلفظ الأمر؛ قال: "إذا دخلتم الخلاء فقولوا: بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث". قال الحافظ في "الفتح" (١/ ١٩٦): "رواه العمري، وإسناده على شرط مسلم، وفيه زيادة التسمية، ولم أرها في غير هذه الرواية"! قلت: وهي رواية شاذة؛ لمخالفتها لجميع روايات الثقات المتقدمة، وعبد العزيز بن المختار وإن كان ثقة؛ فقد قال ابن حبان: "إنه كان يخطئ". حتى بالغ ابن معين فقال: "ليس بشيء"! والحق أنه حجة إذا لم يخالف. وبالجملة؛ فالحديث صحيح بالرواية الأولى، دون سائر الروايات فإنها شاذة. وأما قول الحافظ عن التسمية: "إنه لم يرها في غير هذه الرواية"! فهو ذهول؛ فقد رواها ابن السني من طريق قتادة عن أنس؛ لكنها معلولة أيضًا كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في الحديث الآتي. ورواها أبو معشر نجيح عن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس مرفوعًا به مثل حديث الباب، وزاد التسمية. رواه ابن أبي شيبة. ونجيح ضعيف، وفيها حديث آخر، فانظر "المشكاة" (٣٥٨).
[ ١ / ٢٤ ]
وقال عبد الوارث: "أعوذ بالله".
قال أبو داود: "رواه شعبة عن عبد العزيز: "اللهم! إني أعوذ بك". وقال مرة: "أعوذ بالله"".
وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري، وقد أخرجاه في "الصحيحين" من طرق عن عبد العزيز.
وأخرجه مسلم، وأبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٢١٦)، والترمذي، والدارمي من طرق عن حماد بن زيد بلفظه.
وتابعه عليه هشيم عن عبد العزيز: أخرجه مسلم، وأحمد (٣/ ٩٩)، وابن أبي شيبة (١/ ١).
وسعيد بن زيد: عند البخاري في "الأدب المفرد" (ص ١٠٠)، وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وحماد بن سلمة: عند ابن السني في "اليوم والليلة" (رقم ١٦)، وهو صحيح أيضًا.
وشعبة في إحدى الروايتين عنه؛ أخرجه البخاري في "الدعوات"، وأبو عوانة وابن السني.
وأما رواية عبد الوارث (١)؛ فتابعه عليها إسماعيل ابن عُلَيَّة: عند مسلم وابن ماجة، وأحمد (٣/ ١٠١)، ورواه النسائي لكن بلفظ حماد بن زيد.
وأما رواية شعبة باللفظين؛ فأخرجه الترمذي (١/ ١٠)، وأخرجه أحمد (٣/ ٢٨٢) باللفظ الآخر، والبخاري وغيره باللفظ الأول كما سبق.
_________________
(١) أخرجه البيهقي (١/ ٩٥) من طريق مسدد عنه.
[ ١ / ٢٥ ]
وهو الصواب إن شاء الله تعالى؛ لاتفاق أكثر الرواة عليها كما رأيت، ولأن شعبة قد وافقه في إحدى الروايتين عنه، وهي التي اعتمد عليها البخاري؛ فلم يرو الأخرى؛ فالأخذ بها أولى وأحرى. وأيضًا فقد قال الإمام أحمد:
"حماد بن زيد أثبت من عبد الوارث وابن علية والثقفي وابن عيينة".
٤ - عن زيد بن أرقم عن رسول الله ﷺ قال:
"إن هذه الحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ، فإذا أتى أحدُكم الخلاءَ فليقلْ: أعوذ بالله من الخُبُثِ والخبائث".
(قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري. وكذلك قال الحاكم ووافقه الذهبي).
إسناده: ثنا عمرو بن مرزوق: نا شعبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن زيد ابن أرقم.
وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري، فقد أخرج لعمرو بن مرزوق في "صحيحه" وبقية الرجال ثقات مشهورون من رجال الشيخين.
وقد أخرجه الطيالسي في "مسنده" (رقم ٦٧٩): ثنا شعبة عن قتادة سمع النضر بن أنس به.
وهذا صحيح على شرطهما، وفيه فائدة؛ وهي تصريح قتادة بسماعه من النضر.
ومن هذا الوجه: رواه ابن ماجة والبيهقي، وأحمد (٤/ ٣٦٩ و٣٧٣).
ولقتادة فيه شيخ آخر، رواه سعيد بن أبي عروبة عنه عن القاسم بن عوف
[ ١ / ٢٦ ]
الشيباني عن زيد بن أرقم به:
أخرجه ابن ماجة والبيهقي، وأحمد (٤/ ٣٧٣)، وابن أبي شيبة (١/ ١).
وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
وأخرجه الحاكم (١/ ١٨٧) من الوجهين، ثمّ قال:
"كلا الإسنادين من شرط "الصحيح" " ووافقه الذهبي.
والحديث أشار إليه الترمذي في "سننه" (١/ ١١) وأعله بقوله:
"في إسناده اضطراب: روى هشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
فقال سعيد: عن القاسم بن عوف الشيباني عن زيد بن أرقم. وقال هشام: عن قتادة عن زيد بن أرقم. ورواه شعبة ومعمر عن قتادة عن النضر بن أنس. فقال شعبة: عن زيد بن أرقم. وقال معمر: عن النضر بن أنس عن أبيه عن النّبيّ ﷺ".
قال الترمذي:
"سألت محمدًا -يعني: البخاري- عن هذا؟ فقال: يحتمل أن يكون قتادة روى عنهما جميعًا".
قلت: وهذا الذي أجاب به البخاري ﵀ احتمالًا: هو الذي نجزم به ونطمئن إليه؛ وذلك أن قتادة ثقة حافظ ثبت، فليس بكثير عليه أن يكون له في حديث واحد إسنادان فأكثر؛ كما يقع ذلك كثيرًا لأمثاله من الحفاظ، كالزهري وغيره، كما يشهد بذلك من له ممارسة واضطلاع بهذا الشأن.
ولذلك فإننا لا نرى إعلال الترمذي بما ذكر صوابًا!
على أننا نقول: إن مجرد الاختلاف في إسناد حديث لا يستلزم إعلاله أو الحكم عليه بالاضطراب؛ ذلك لأن شرط المضطرب من الحديث أن تستوي
[ ١ / ٢٧ ]
الروايات، بحيث لا يمكن ترجيح بعضها على بعض بشيء من وجوه الترجيح؛ كحفظ راويها أو ضبطه أو كثرة صحبته، أو غير ذلك من الوجوه! فأما إذا ترجح لدينا إحدى الروايات على غيرها؛ فالحكم حينئذ لها، والحديث صحيح، ولا يطلق عليه وصف المضطرب، أو على الأقل: ليس له حكمه، كما أفاده ابن الصلاح في "المقدمة".
وإذا كان لا بد من الترجيح بين الروايات السابقة؛ فرواية من قال: عن قتادة عن القاسم بن عوف عن زيد بن أرقم؛ هي أرجح لدينا؛ وذلك لأن سعيد بن أبي عروبة وهشامًا الدستوائي أثبت الناس في الرواية عن قتادة، كما قال ابن أبي خيثمة وغيره.
ثمّ إن رواية سعيد مقدمة على رواية هشام؛ لما فيها من الزيادة في الإسناد، وهي من ثقة، فيجب قبولها. على أن أبا داود الطيالسي قال في سعيد:
"كان أحفظ أصحاب قتادة".
وقد صرح الإمام البيهقي في رواية معمر -التي ذكرها الترمذي- أنها وهم؛ كما في "سننه". وقتادة بصري وفيما حدث معمر -وهو ابن راشد- بالبصرة شيء من الضعف، كما ذكر الحافظ في "التقريب"، فروايته لا تقاوم رواية أوثق الناس في قتادة عند الاختلاف، فلم يبق ما يقوم للمعارضة إلا رواية شعبه، وهو ثقة حافظ متقن؛ ولذلك فالرأي عندي ثبوت روايته مع رواية سعيد؛ كما جريت عليه في صدر الكلام.
لكني؛ أقول: إن كان لا بد من الترجيح؛ فرواية سعيد مقدمة عليه؛ ومعه متابع له في الجملة كما سبق بيانه؛ والله تعالى أعلم.
ثمّ إن الحديث رواه بعض الضعفاء عن قتادة على وجه آخر بلفظ:
"هذه الحشوش محتضرة، فإذا دخل أحدكم الخلاء فليقل: بسم الله".
[ ١ / ٢٨ ]
أخرجه ابن السني (رقم ١٩) من طريق قَطَن بن نُسَيْر: ثنا عدي بن أبي عمارة الدارع قال: سمعت قتادة عن أنس مرفوعًا به. قال في "الميزان" -في ترجمة عدي هذا-:
"قال العقيلي: في حديثه اضطراب، وعنه قطن بن نسير". زاد الحافظ في "اللسان":
"وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال: روى عنه القاسم بن عيسى الطائي والبصريون. قلت: ومن أغلاطه أنه روى عن قتادة عن أنس في القول عند دخول الخلاء. وإنما رواه قتادة عن النضر بن أنس عن زيد بن أرقم. وقيل: عن النضر بن أنس عن أبيه. والأول أصح".
(تنبيه): قال الحافظ في "التلخيص" (١/ ٤٦١) -أن الحديث-:
"أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما"! وذكر في مكان آخر منه (٥٣٠) أنه في "السنن الأربعة"! وسكت عليه.
وفي هذا الإطلاق تساهل أو ذهول، وذلك أن الحديث ليس عند النسائي في "سننه الصغرى" المعروف بـ "المجتبى"، وإنما هو في "سننه الكبرى"؛ كما قيّده صاحب "عون المعبود"، كما أنه ليس عند الترمذي ثاني الأربعة، وإنما أشار إليه إشارة كما سبق أن ذكرنا. والله تعالى هو الموفق.