٥٦ - عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال:
سُئل رسول الله ﷺ عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع؟ فقال - ﷺ -:
"إذا كان الماء قُلَّتَيْنِ لم يحمل الخَبَثَ".
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وكذا قال الحاكم، ووافقه الذهبي. وقال ابن منده: إنه على شرط مسلم، وصححه أيضًا الطحاوي وابن خزيمة وابن حبان والنووي والحافظ).
إسناده: حدثنا محمد بن العلاء وعثمان بن أبي شيبة والحسن بن علي وغيرهم قالوا: ثنا أبو أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير عن
[ ١ / ١٠٤ ]
عبد الله بن عبد الله بن عمر. قال أبو داود: وهذا لفظ ابن العلاء. وقال عثمان والحسن بن علي: عن محمد بن عباد بن جعفر. قال أبو داود: وهو الصواب!
كذا قال المصنف ﵀! وخالفه غيره فقال: الصواب: عن محمد بن جعفر بن الزبير.
وسيأتي تحقيق الكلام في ذلك، وأن الراجح لدينا صواب الروايتين.
وعلى كل حال؛ فالإسناد صحيح، رجاله -على الوجهين- ثقات رجال الشيخين.
والحديث أخرجه النسائي والدارمي والطحاوي والدارقطني والحاكم، والبيهقي (٢/ ٢٦٠) من طرق عن أبي أسامة حماد بن أسامة به مثل رواية ابن العلاء.
ثمّ أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي من طرق أخرى كثيرة عن أبي أسامة به؛ إلا أنهم قالوا: عن محمد بن عباد بن جعفر.
وصوّب هذه الرواية المؤلف كما سلف.
وخالفه أبو حاتم الرازي فرجح الأولى، فقال ابنه عبد الرحمن في "العلل" (١/ ٤٤ / رقم ٩٦) -بعد أن ساق الحديث على الوجه الثاني-:
"فقال أبي: محمد بن عباد بن جعفر ثقة، ومحمد بن جعفر بن الزبير ثقة، والحديث لمحمد بن جعفر بن الزبير أشبه". وقال ابن منده -كما في "نصب الراية" (١/ ١٠٦) -:
"إن هذا هو الصواب؛ لأنّ عيسى بن يونس رواه عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر".
وصحح الروايتين: الدارقطني والحاكم والبيهقي؛ بدليل ما أخرجوه من طريق
[ ١ / ١٠٥ ]
شعيب بن أيوب: ثنا أبو أسامة: ثنا الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله بن عمر قال الحاكم -ووافقه الآخران على معناه-:
"قد ظهر بهذه الرواية صحة الحديث، وظهر أن أبا أسامة ساق الحديث عن الوليد بن كثير عنهما جميعًا؛ فإن شعيب بن أيوب الصّرِيفيني ثقة مأمون، وكذلك الطريق له".
وبذلك يزول الاضطراب الذي به أعل بعضهم الحديث فلا تلتفت إليه.
والحديث صححه الحاكم على شرطهما، ووافقه الذهبي. وقال ابن منده: إنه "صحيح على شرط مسلم".
وصححه أيضًا الطحاوي -كما قال ابن القيم في "تهذيب السنن" (١/ ٥٦) -، وابن خزيمة وابن حبان -كما في "البلوغ"-، وصححه النووي في "المجموع" (١/ ١١٣)، والحافظ في "الفتح" (١/ ٢٧٧).
ولأبي أسامة -هذا- حديث آخر يعارض عمومه مفهم هذا الحديث؛ فانظر (رقم ٥٩).
والحديث أخرجه الدارقطني (٨) من طريق محمد بن وهب السلمي: نا ابن عياش عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة عن النبي ﷺ:
"أنه سُئل عن القَلِيبِ يلقى فيه الجيف، ويشرب منه للكلاب والدواب؟ فقال:
"ما بلغ الماء قلتين فما فوق ذلك؛ لم ينجسه شيء". وقال:
[ ١ / ١٠٦ ]
"كذا رواه محمد بن وهب عن إسماعيل بن عياش بهذا الإسناد. والمحفوظ: عن ابن عياش عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله ابن عبد الله بن عمر عن أبيه".
قلت: وابن عياش ضعيف في روايته عن الحجازيين، وهذه منها، وقد زاد في متن الحديث ما ليس فيه:
"فما فوق ذلك".
٥٧ - عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه:
أنّ رسول الله ﷺ سئل عن الماء يكون في الفلاة فذكر معناه.
(قلت: إسناده حسن صحيح).
إسناده: حدثنا موسى بن إسمماعيل: ثنا حماد. (ح) وثنا أبو كامل: ثنا يزيد بن زُرَيْعٍ عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر -قال أبو كامل: - ابن الزبير.
وهذا إسناد حسن صحيح، رجاله كلهم ثقات معروفون، وعبيد الله بن عبد الله: هو أخو عبد الله بن عبد الله المذكور في السند السابق، وكلاهما ثقة.
والحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة والدارمي والطحاوي والدارقطني والحاكم والبيهقي، وأحمد (٢/ ١٢ و٢٦ - ٢٧، ٣٨) من طرق عن ابن إسحاق به؛ وصرح ابن إسحاق بسماعه من محمد بن جعفر في رواية للدارقطني.
وقد تابعه عاصم بن المنذر عن عبيد الله؛ وهو:
[ ١ / ١٠٧ ]
٥٨ - عن عاصم بن المنذر عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر قال: حدثني أبي: أن رسول الله ﷺ قال:
"إذا كان الماء قلتين فإنه لا ينجس".
(قلت: إسناده صحيح، وكذا قال البيهقي، وقال ابن معين إنه: "جيد الإسناد"، وصححه النووي).
إسناده: حدثنا موسى بن إسماعيل: ثنا حماد: أخبرنا عاصم بن المنذر.
وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير عاصم بن المنذر؛ وهو ثقة بلا خلاف.
والحديث أخرجه ابن ماجة والطحاوي والدارقطني والحاكم والبيهقي، والطيالسي (رقم ١٩٥٤)، وأحمد (٢/ ٢٣ و١٠٧) من طرق عن حماد به.
وقال الدارقطني:
"في هذه الرواية قوة لرواية محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر". وكذا قال البيهقي.
ونقل النووي (١/ ١١٢) عنه وعن غيره أن إسنادها صحيح، وصححها هو أيضًا (١/ ١١٥).
وزاد بعض الرواة عن حماد -بعد قوله: "قلتين"-:
"أو ثلاثًا"! قال الحاكم:
"وقد رواه عفان بن مسلم وغيره من الحفاظ عن حماد بن سلمة؛ ولم يذكروا فيه: "أو ثلاثًا" ".
[ ١ / ١٠٨ ]
قلت: وهو الصواب؛ لعدم ورودها في شيء من الروايات المتقدمة؛ فهي -على ما فيها من الاختلاف- شاذة؛ فلا يجوز أن يُعل الحديث بها، ويزعم أنه مضطرب من أجلها، كما لا يخفى!
نعم؛ أعل الحديثَ المصنفُ بقوله عقبه:
"قال أبو داود: حماد بن زيد وقفه عن عاصم"! قال الدارقطني:
"وكذلك رواه إسماعيل ابن علية عن عاصم بن المنذر عن رجل لم يسمه عن ابن عمر موقوفًا "! ثمّ ساق إسناده بذلك. قال الحافظ في "التلخيص" (١/ ١١٥):
"وسئل ابن معين عن هذه الطريق؟ فقال: إسنادها جيد. قيل له: فإن ابن علية لم يرفعه فقال: وإن لم يحفظ ابن علية؛ فالحديث جيد الإسناد".
قلت: وذلك لأنّ الرفع زيادة، وهي من ثقة، فيجب قبولها، لا سيما وأنه قد جاء مرفوعًا من وجه آخر، كما في الإسناد قبله.
ومما ينبغي التنبه له: أن الحديث يرويه عن ابن عمر ولداه عبد الله وعبيد الله. ورواه عنهما محمد بن جعفر بن الزبير.
وتابعه عن الأول منهما: محمد بن محمد بن عباد بن جعفر.
وتابعه عن الآخر: عاصم بن المنذر. وهذا خلاصة ما تقدّم في التخاريج السابقة.
(فائدة): مفهوم الحديث على أن الماء ينجس إذا كان أقل من القلتين، وهو معارض لعموم الحديث الآتي في الباب الذي بعد هذا؛ فلذلك -ولأمور أخرى ذكرها ابن القيم ﵀ في "التهذيب"-: الأرجح عندنا العمل بهذا العموم وترك هذا المفهوم. والله أعلم.
[ ١ / ١٠٩ ]