٥٩ - عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خَديج عن أبي سعيد الخدري:
أنه قيل لرسول الله ﷺ: أنتوضأ من بئر بُضاعة؟ وهي بئر يُطرح فيها الحِيَض ولحم الكلاب والنَّتْن؟ فقال رسول الله ﷺ:
"الماء طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ".
قال أبو داود: "وقال بعضهم: عبد الرحمن بن رافع".
(قلت: حديث صحيح، وكذا قال النووي، وقال الترمذي: "حسن"، وصححه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين).
إسناده: أخرجه من طرق ثلاث عن أبي أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد ابن كعب عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج.
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال للشيخين؛ غير عبيد الله بن عبد الله هذا، وقد قيل في اسمه خمسة أقوال؛ هذا أحدها، وبقيتها تراجع في "نصب الراية" (١/ ١١٣)؛ وهو كما قال ابن القطان:
"لا يعرف له حال ولا عين". وقال الحافط في "التقريب": إنه "مستور".
لكن الحديث صحيح ثابت؛ بما له من الطرق والشواهد كما يأتي.
والحديث أخرجه النسائي أيضًا، والترمذي والدارقطني والبيهقي، وأحمد
[ ١ / ١١٠ ]
(٣/ ٣١) من طرق عن أبي أسامة به. وقال أحمد:
"وقال أبو أسامة مرة: عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج".
قلت: وهي رواية النسائي. وقال الترمذي:
"هذا حديث حسن. وقد جوّد أبو أسامة هذا الحديث؛ فلم يرو أحد حديث أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة. وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد".
وكأنه من أجل هذه الطرق التي أشار إليها الترمذي حسّنه هو، وصححه أحمد ابن حنبل ويحيى بن معين؛ كما في "التلخيص" (١/ ٩٠)، واحتج به ابن حزم (١/ ١٥٥). وقال النووي في "المجموع" (١/ ٨٢ و١١٣): إنه "حديث صحيح".
ومن طرق الحديث: ما أخرجه النسائي والطحاوي والبيهقي، وأحمد (٣/ ١٥)، وأبو يعلى في "مسنده" (ق ٨٣/ ١) عن عبد العزيز بن مسلم عن مُطَرِّف ابن طَرِيف عن خالد بن أبي نوف عن سَلِيط -وليس عند الطحاوي وأحمد: عن سَلِيط- عن ابن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال:
مررت بالنبي ﷺ وهو يتوضأ من بئر بضاعة. فقلت: أتتوضأ الحديث.
وخالد بن أبي نوف؛ قيل: إنه ابن كثير الهَمْدَاني؛ فإن كان كذلك فهو لا بأس به؛ وإلا فهو مقبول.
وشيخه سَلِيط -بفتح أوله- مقبول أيضًا.
وقد رواه عنه ابن إسحاق أيضًا، لكن خالف في الإسناد، كما ستراه في الكتاب بعد هذا.
[ ١ / ١١١ ]
ومنها: ما عند الطحاوي والبيهقي، والطيالسي (رقم ٢١٥٥) عن طَرِيف بن سفيان عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال:
كنا مع رسول الله ﷺ، فأتينا على غدير فيه جيفة، فتوضأ بعض القوم، وأمسك بعض القوم، حتى يجيء النّبيّ ﷺ، فجاء النّبيّ ﷺ في أخريات الناس؛ فقال:
"توضَّأوا واشربوا؛ فإن الماء لا ينجسه شيء". قال البيهقي:
"طريف: هو أبو سفيان، وليس بالقوي؛ إلا أني أخرجته شاهدًا لما تقدّم".
قلت: وهو عند الطحاوي من طريق شريك عنه به عن جابر أو أبي سعيد على الشك.
وهو عند ابن ماجة (١/ ١٨٦ - ١٨٧) عن جابر بدون شك.
ولأبي سعيد عنده حديث آخر في الباب: رواه البيهقي وضعفه.
ومن شواهده: ما أخرجه الطحاوي، والبيهقي من طريق حاتم بن إسماعيل: ثنا محمد بن أبي يحيى عن أمه قالت:
دخلت على سهل بن سعد الساعدي في نسوة فقال: لو أني أسقيكم من بضاعة لكرهتم ذلك، وقد -والله- سقيت رسول الله ﷺ بيدي منها. وقال البيهقي: "وهذا إسناد حسن موصول"! وتعقبه ابن التركماتي بقوله:
"أم محمد بن أبي يحيى لم نعرف حالها ولا اسمها بعد الكشف التام".
قلت: وقد أوردها الذهبي في (فصل النسوة المجهولات)؛ فيمن لم تسم، وذكر أن لها رواية عن أم بلال. وقد سبق أن نقلنا عنه قوله:
[ ١ / ١١٢ ]
"وما علمت في النساء من اتهمت ولا من تركوها".
ورواه الدارقطني (١٢) من هذا الوجه مختصرًا:
شرب رسول الله ﷺ من بئر بضاعة.
وله طريق أحسن من هذه، فقال ابن حزم (١/ ١٥٥): حدثنا حُمَامٌ قال: ثنا عباس بن أصبغ: ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن: ثنا محمد بن وضاح: ثنا أبو علي عبد الصمد بن أبي سكينة -وهو ثقة-: ثنا عبد العزيز بن أبي حازم أبو تمام عن أبيه عن سهل بن سعد الساعدي قال:
قالوا: يا رسول الله! إنك تتوضأ من بئر بضاعة، وفيها ما ينجي الناس والمحايضُ والجِيَفُ؟ فقال رسول الله ﷺ:
"الماء لا ينجسه شيء".
احتج به ابن حزم. وأورده الحافظ في "التلخيص" (١/ ٩٠) فقال عقب الطريق الأولى:
"قال ابن القطان: وله طريق أحسن من هذه؛ قال قاسم بن أصبغ في "مصنفه": ثنا محمد بن وضاح به. وقال محمد بن عبد الملك بن أيمن في "مستخرجه على سنن أبي داود": حدثنا محمد بن وضاح به. قال ابن وضاح: لقيت ابن أبي سكينة بحلب فذكره. وقال قاسم بن أصبغ: هذا من أحسن شيء في بئر بضاعة. وقال ابن حزم: عبد الصمد ثقة مشهور. قال القاسم: ويروى عن سهل بن سعد في بئر بضاعة من طرق هذا خيرها. قلت: ابن أبي سكينة الذي زعم ابن حزم أنه مشهور؛ قال ابن عبد البر وغير واحد: إنه مجهول، ولم تجد له راويًا إلا محمد بن وضاح"!
وتعقبه بعض الأفاضل من المعاصرين بأنه قد عرفه قاسم بن أصبغ وابن حزم،
[ ١ / ١١٣ ]
ومن عرف حجة على من لم يعرف، وبأن الدارقطني أخرجه في "سننه" (١١) من طريق أخرى عن فضيل بن سليمان النميري عن أبي حازم به مختصرًا بلفظ: "الماء لا ينجسه شيء". قال:
"فدلت هذه الأسانيد على أن للحديث عن سهل أصلًا صحيحًا".
قلت: وحديث سهل هذا؛ عزاه الحافط (١/ ١٠٠) للدارقطني أيضًا، وسكت عليه، مع أن الراوي عن الفضيل: هو علي بن أحمد الجرجاني؛ تركه الحاكم، كما قال الذهبي، وأقره الحافط.
ثمّ ذكر له شاهدًا آخر من حديث عائشة بلفظ:
"إن االماء لا ينجسه شيء".
رواه الطبراني في "الأوسط"، وأبو يعلى والبزار، وأبو علي بن السكن في "صحيحه" من حديث شريك. وقال الهيثمي (١/ ٢١٤):
"ورجاله ثقات"!
قلت: وقد صح عن عائشة موقوفًا، كما سنذكره في الباب الآتي.
(تنبيه): جاء في بعض طرق الحديث زيادة في آخره:
"إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه"!
وهي زيادة ضعيفة لا تصح باتفاق المحدثين، كما قال النووي؛ وإن كان الإجماع على العمل بها.
ووهم ابن الرَّقعْة حيث عزا هذا الاستثناء إلى المصنف؛ فقال:
"ورواية أبي داود: "خلق الله الماء طهورًا لا ينجسه شيء؛ إلا ما غير طعمه
[ ١ / ١١٤ ]
أو ريحه" "! قال الحافظ (١/ ١٠٤):
"ووهم في ذلك؛ فليس هذا في "سنن أبي داود" أصلًا! ".
٦٠ - عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري ثمّ العدوي عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يقال له:
إنه يُستقى لك من بئر بُضاعة، وهي بئر يلقى فيها لحوم الكلاب والمحايض وعَذِر الناس؟ فقال رسول الله ﷺ:
"إن الماء طهور لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ".
(قلت: حديث صحيح).
قال أبو داود: "سمعت قتيبة بن سعيد قال: سألت قَيمَ بئر بُضاعة عن عمقها؟ قال: أكثر ما يكون فيها الماء إلى العانة. قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة".
قال أبو داود: "وقدّرت أنا بئر بُضَاعة بردائي؛ مددته عليها ثمّ ذرعته؛ فإذا عرضها ستة أذرع. وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إليه: هل غُيّر بناؤها عمّا كانت عليه؟ قال: لا. ورأيت فيها ماءً متغير اللون" (١).
إسناده: أخرجه من طريقين عن محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن سَلِيط بن أيوب عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري.
_________________
(١) قلت: ولما منَّ الله تعالى عليَّ في العام الماضي (١٣٦٨) بالحج إلى المسجد الحرام، ثمّ بزيارة مسجد نبيه ﵊؛ ذهبت يوم الأربعاء ٢٥ محرم ١٣٦٩ إلى بئر بضاعة للاطلاع، فوجدته لا يزال في البستان شمال المسجد النبوي؛ وقد وضع عليه مضخة آلية لغزارة =
[ ١ / ١١٥ ]
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات إلى سليط، وأما هذا؛ فلم يوثقه إلا ابن حبان؛ ولم يرو عنه غير اين إسحاق؛ إلا خالد بن أبي نوف وقد اختلفا عليه في هذا الحديث:
فابن إسحاق قال: عنه عن عبيد الله بن عبد الرحمن عن أبي سعيد.
وخالد قال: عنه عن ابن أبي سعيد عن أبي سعيد.
وقد سبقت هذه الرواية في الذي قبله مع بيان حال عبيد الله هذا، مع الإشارة إلى الاختلاف في اسمه.
وفي هاتين الروايتين عند المصنف نوعان من ذلك:
ففي الأولى: أنه عبيد الله بن عبد الله بن رافع.
وفي هذه: عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع، وإليها أشار المؤلف بقوله عقب الرواية السابقة: "قال أبو داود: وقال بعضهم: عبد الرحمن بن رافع"؛ يعني: في اسم أبي عبيد الله ثم ساق هذه الرواية بيانًا لذلك.
والحديث أخرجه البيهقي من طريق المؤلف.
وأخرجه الطحاوي والدارقطني، وأحمد (٣/ ٨٦) من طرق عن ابن إسحاق به، وصرح ابن إسحاق بسماعه من سليط: عند الدارقطني.
ودلسه مرة؛ فرواه حماد بن سلمة عن ابن إسحاق عن عبيد الله بن عبد الرحمن به.
_________________
(١) = الماء فيه؛ فإن ارتفاعه من القعر إلى سطح الماء يبلغ نحو (١٣) ذراعًا، ومن سطحه إلى فوهته نحو (١٧) ذراعًا، وقد تمكنا من معرفة ذلك بواسطة حبل جاء به إلينا القيم على البستان، فربطنا بطرفه حجرًا ثم أدليناه حتى القعر؛ فكانت النتيجة ما ذكر. وأما قطر فُوَّهَته فستة أذرع؛ كما ذكر المؤلف ﵀. فالظاهر أن الماء زاد كثيرًا على ما كان عليه في عهده. والله أعلم.
[ ١ / ١١٦ ]
أخرجه الطحاوي، والطيالسي (رقم ٢١٩٩).
ومرة أخرى قال: حدثني عبد الله بن أبي سلمة أن عبيد الله بن عبد الله بن رافع حدثه به.
أخرجه الدارقطني (١٢)، وعلقه البيهقي.
وقد تابعه على ذلك الوليد بن كثير؛ إلا أنه خالفه في اسم تابعيه فقال: ثني عبد الله بن أبي سلمة أن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع حدثه به.
أخرجه أحمد (٣/ ٨٦).
وعبد الله بن أبي سلمة هذا: هو الماجشون؛ وهو ثقة.
ولكن مدار الحديث على عبيد الله هذا؛ وهو مجهول، كما سبق؛ وهذا الاختلاف في اسمه يشعر بذلك.
لكن الحديث صحيح لطرقه وشواهده، وقد ذكرنا شيئًا منها فيما سلف؛ فراجعها إن شئت.
(تنبيه): الوليد بن كثير هذا؛ له شيخ آخر في هذا الحديث، قال في الاسم المختلف فيه: عبيد الله بن عبد الله بن رافع، راجع إسناد الحديث السابق؛ فقد اتفقت رواية شيخيه على أنه عبيد الله، واختلفا في اسم أبيه كما ترى، والله تعالى أعلم.