٧٧ - عن علقمة قال: قلت لعبد الله بن مسعود:
من كان منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ فقال:
[ ١ / ١٤٦ ]
ما كان منا معه أحد.
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. وقد أخرجه في "صحيحه". وصححه الترمذي والدارقطني والطحاوي).
إسناده: حدثنا موسى بن إسماعيل: ثنا وُهَيْب عن داود عن عامر عن علقمة.
وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم؛ وقد أخرجه كما يأتي.
والحديث أخرجه الطيالسي في "مسنده" (رقم ٢٨١) قال: حدثنا وهيب بن خالد ويزيد بن زُرَيْع عن داود بن أبي هند به أتم منه، ولفظه: قال:
قلت لابن مسعود: إن الناس يتحدثون أنك كنت مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ فقال: ما صحبه منا أحد، ولكنا فقدناه بمكة فطلبناه في الشعاب وفي الأودية؛ فقلنا: اغتيل، استطير! ! فبتنا بشر ليلة بات فيها قوم! فلما أصبحنا رأيناه مقبلًا فقلنا: يا رسول الله بتنا الليلة بشر ليلة بات فيها قوم، فقدناك؟ ! فقال:
"إنه أتاني داعي الجن، فانطلقت أُقْرِئُهم القرآن". فانطلق بنا؛ فأرانا بيوتهم ونيرانهم، وسألوه الزاد فقال:
"كل عظم لم (١) يذكر عليه اسم الله؛ يقع في أيديكم أوفر ما كان لحمًا، وكل بعرة علف لدوابكم". فنهى رسول الله ﷺ أن يستنجى بهما وقال:
"هما زاد إخوانكم من الجن".
وأخرجه مسلم (٢/ ٣٦)، والترمذي (٢/ ٢١٩ طبع بولاق) -وقال: "حديث حسن صحيح"- والطحاوي (١/ ٥٧) -وصححه- والدارقطني (٢٨) والبيهقي
_________________
(١) بدون "لم": عند مسلم!
[ ١ / ١٤٧ ]
وأحمد (١/ ٤٣٦) من طرق عن داود بن أبي هند به نحوه.
وتابعه أبو معشر -وهو زياد بن كُلَيْبِ- عن إبراهيم عن علقمة به مختصرًا بلفظ:
لم أكن ليلة الجن مع رسول الله ﷺ، ووددت أني كنت معه.
أخرجه مسلم والطحاوي والبيهقي. ثمّ قال الدارقطني:
"هذا الصحيح عن ابن مسعود".
(تنبيه): قد يقول قائل: ما وجه المناسبة بين الباب والحديث؛ وليس فيه ما ترجم له المصنف؟ !
والجواب: أنه إنما أورده هنا؛ ليشير به إلى ضعف حديث آخر لابن مسعود ساقه قبيل حديثه هذا؛ ولفظه:
أنّ النّبي ﷺ قال له ليلة الجن:
"ما في إداوتك؟ . قال: نبيذ. قال:
"تمرة طيبة وماء طهور"؛ زاد غير المصنف:
فتوضأ به.
فبين المصنف أن هذا الحديث لا يصح؛ من أجل أن ابن مسعود لم يكن ليلة الجن مع النّبيّ ﷺ؛ كما شهد نفسه بذلك في هذا الحديث للصحيح؛ وقد أشار إلى ذلك أيضًا الدارقطني بكلامه الذي ذكرناه آنفًا.
ثمّ إن الحديث المشار إليه ضعيف من قبل إسناده أيضًا؛ ولذلك أوردناه في كتابنا الآخر، وذكرنا هناك اتفاق العلماء على تضعيفه، فراجعه (رقم ١١).
[ ١ / ١٤٨ ]
هذا؛ ومما سبق نعلم مناسبة إيراد المصنف الأثرين عن عطاء وأبي العالية؛ كما يأتي.
٧٨ - عن ابن جريج عن عطاء:
أنه كره الوضوء باللبن والنبيذ؛ وقال: إن التيمم أعجب إليَّ منه.
(قلت: إسناده ثقات؛ فهو أثر ثابت إذا كان ابن جريج سمعه منه).
إسناده: حدثنا محمد بن بشار: ثنا عبد الرحمن: ثنا بشر بن منصور عن ابن جريج.
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ فهو صحيح؛ إذا كان ابن جريج سمعه من عطاء ولم يدلسه عنه.
وعبد الرحمن هذا -وفي الإسناد الذي بعده-: هو ابن مهدي.
وهذا الأثر؛ أخرجه البيهقي من طريق المؤلف.
وتابعه عبد الرزاق (١/ ١٧٩) عن ابن جريج به دون قوله: والنبيذ وعلق عليه المتعصب الأعظمي بقوله:
"روى ابن أبي شيبة عن علي وعكرمة جواز الوضوء بالنبيذ"! !
فأقول: لقد جمع الشيخ -هداه الله- في هذا التخريج: بين تحريف النص، وكتمان العلم!
أما الأول: فإن عكرمة لم يطلق ذلك؛ بل قيده بمن لا يجد الماء؛ فإنه قال: الوضوء بنبيذ لمن لم يجد الماء!
[ ١ / ١٤٩ ]
وأما الآخر: فإنه لا يصح إسناده عن علي؛ لأنه من رواية حجاج عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي.
وهذا إسناد واهٍ بمرة:
الحارث: هو الأعور، ضعيف اتهمه بعضهم.
والحجاج -وهو ابن أرطاة-، وأبو إسحاق -وهو السبيعي- مدلسان، مع اختلاط السبيعي.
٧٩ - عن أبي خَلْدة قال:
سألت أبا العالية عن رجل أصابته جنابة، وليس عنده ماءٌ، وعنده نبيذ؛ أيغتسلُ به؟ قال: لا.
(قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري).
إسناده: حدثنا محمد بن يشار: ثنا عبد الرحمن: ثنا أبو خلدة.
وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري، وأبو خلدة: اسمه خالد بن دينار.
وهذا الأثر؛ أخرجه البيهقي من طريق المؤلف.
ورواه ابن أبي شيبة (١/ ٢٦)، والدارقطني (٢٩) من طريق مروان بن معاوية: نا أبو خلدة به، وزاد الدارقطني في آخره:
فذكرت له ليلة الجن؟ فقال: أَنْبِذَتُكُمْ هذه الخبيثةُ؟ ! إنما كان ذلك زبيب وماء.
قلت: يعني: أنه لم يكن خرج بذلك عن كونه ماءً مطلقًا. وقد قال الطحاوي:
[ ١ / ١٥٠ ]
"وقد أجمع العلماء أن نبيذ التمر إذا كان موجودًا في حال وجود االماء: أنه لا يتوضأ به؛ لأنه ليس ماءً، فلما كان خارجًا من حكم المياه في حال وجود الماء؛ كان كذلك هو في حال عدم الماء".
وهو بذلك يرد على أبي حنيفة إمامه الذي قال بجواز الوضوء بالنبيذ إن لم يجد غيره! وتمام كلامه يراجع في "شرح المعاني" له.