٨٢ - عن عائشة:
أن النّبيّ ﷺ كان يغتسل بالصاع، ويتوضأ بالمُدِّ.
(قلت: إسناده صحيح على شرطهما).
إسناده: حدثنا محمد بن كثير: ثنا همام عن قتادة عن صفية بنت شيبة عن عائشة.
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. وقد قال المصنف عقبه:
"رواه أبان عن قتادة فال: سمعت صفية".
فهو متصل.
والحديث أخرجه ابن ماجة، وأحمد (٦/ ١٢١ و٢٣٤ و٢٣٨ - ٢٣٩) من طرق عن همام به.
وأخرجه النسائي (١/ ٦٤)، والدارقطني (٣٥)، وأحمد (٦/ ٢٣٤) من طريقين
[ ١ / ١٥٥ ]
آخرين عن قتادة به.
ورواية أبان؛ وصلها أحمد (٦/ ١٢١ و٢٤٩)، والبيهقي (١/ ١٩٥) من طريق عفان: ثنا أبان: ثنا قتادة قال: حدثني صفية.
ولقتادة فيه إسناد آخر: أخرجه النسائي، وأحمد (٦/ ٢٨٠) من طريق شيبان عنه عن الحسن عن أمه عن عائشة به.
وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
وأم الحسن -وهو البصري-؛ اسمها خيرة.
وللحديث إسناد ثالث: أخرجه أحمد (٦/ ١٣٣) من طريق ابن أبي ليلى عن عطاء قال: قالت عائشة فذكره.
وهذا إسناد صحيح بما قبله: عطاء: هو ابن أبي رباح.
وابن أبي ليلى: هو محمد بن عبد للرحمن، وهو ثقة، لكنه سيئ الحفظ مع فقهه وجلالته.
٨٣ - عن جابر قال:
كان رسول الله ﷺ يغتسل بالصاع، ويتوضأ بالمد.
(قلت: حديث صحيح، وصحح إسناده الحافظ، وصححه ابن القطان أيضًا).
إسناده: حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل: ثنا هشيم: أخبرنا يزيد بن أبي زياد عن سالم بن أبي الجعد عن جابر.
وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير يزيد بن أبي زياد -وهو الهاشمي
[ ١ / ١٥٦ ]
مولاهم الكوفي-؛ قال في "التقريب":
"ضعيف، كبر فتغير، وصار يتلقن". وقال المنذري في "مختصره":
"يعد في الكوفيين، ولا يحتج به".
ومنه تعلم أن قول الحافظ في "الفتح" (١/ ٢٤٤): إن "إسناده صحيح"! غير صحيح.
نعم؛ الحديث صحيح باعتبار طرقه وشواهده؛ التي منها حديث عائشة قبله، ومنها عن سفينة مثله: عند مسلم وغيره.
وإنما الكلام على خصوص هذا الإسناد، وقد خولف في لفظه يزيد بن أبي زياد كما يأتي.
والحديث في "مسند أحمد" (٣/ ٣٠٣) بهذا السند.
وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (رقم ١٧٣٢): حدثنا أبو عوانة عن يزيد بن أبي زياد به.
فقد اتفق أبو عوانة وهُشيم على روايته عن يزيد هكذا، وهما ثقتان.
وخالفهما -في اللفظ والمعنى- علي بن عاصم عنه؛ فرواه بلفظ: عن النّبيّ ﷺ وقال:
"يُجْزىُ من الوضوء المد من الماء، ومن الجنابة الصاع". فقال رجل: ما يكفيني! فقال جابر: قد كفى من هو خير منك وأكثر شعرًا: رسولَ الله ﷺ.
أخرجه أحمد (٣/ ٣٧٠).
فجمع عاصم عنه بين قوله عليه الصلاة السلام وفعله، وهو وإن كان سيئ
[ ١ / ١٥٧ ]
الحفظ؛ فالظاهر أن يزيد بن أبي زياد هو الذي كان يضطرب في رواية الحديث.
والصواب من ذلك رواية علي بن عاصم؛ فقد رواه هكذا محمد بن فضيل عن حصين عن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ:
"يجزيء من الوضوء المد، ومن الجنابة الصاع".
فقال له رجل الحديث مثل رواية علي بن عاصم.
أخرجه الحاكم (١/ ١٦١)، والبيهقي (١/ ١٩٥)، وقال الحاكم:
"صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي. وهو كما قالا.
وفي "البخاري" و"النسائي" و"البيهقي" أيضًا بإسناد آخر؛ فيه اغتسال النبي ﷺ بالصاع.
وبالجملة؛ فالحديث صحيح مرفوعًا إلى النّبيّ ﷺ من قوله ومن فعله؛ فكان يزيد بن أبي زياد يروي أحيانًا كله وأحيانًا بعضه. فمتابعة حصين -وهو ابن عبد الرحمن- له في الكل دليل على أنه قد حفظ (١).
وللحديث عن جابر من فعله - ﵇ - طريق آخر: عند ابن ماجة، فيه الربيع بن بدر؛ وهو متروك.
٨٤ - عن أم عمارة:
أنّ النّبيّ ﷺ توضأ؛ فأُتي بإناء فيه ماء قَدْرَ ثلثي المُدِّ.
(قلت: إسناده صحيح، وصححه أبو زرعة، وحسنه النووي والعراقي).
_________________
(١) ثمّ رأيت الحافظ في "التلخيص" (١/ ١٩٠) يعزوه لأبي داود وابن ماجة وابن خزيمة. وقال: "وصححه ابن القطان".
[ ١ / ١٥٨ ]
إسناده: حدثنا محمد بن بشار: ثنا محمد بن جعفر: ثنا شعبة عن حبيب الأنصاري قال: سمعت عَبَّاد بن تميم عن جدته -وهي أم عمارة-.
وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير حبيب الأنصاري -وهو ابن زيد-؛ وهو ثقة اتفاقًا.
والحديث أخرجه البيهقي من طريق المصنف؛ ثمّ قال:
"هكذا رواه محمد بن جعفر غندر عن شعبة. وخالفه غيره في إسناده".
قلت: حديث محمد هذا؛ وصله النسائي (١/ ٥٨ - دار القلم).
ثمّ أخرج البيهقي من طريق الحاكم، وهذا في "المستدرك" (١/ ٦٦١) من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة: ثنا شعبة. عن حبيب بن زيد عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد:
أنّ النّبيّ ﷺ أتي بثلثي مد من ماء فتوضأ؛ فجعل يدلك ذراعيه.
ثم أخرج من طريق أبي خالد الأحمر: ثنا شعبة عن حبيب بن زيد الأنصاري عن عباد بن تميم عن ابن زيد الأنصاري:
أنّ النّبيّ ﷺ توضأ بنحو من ثلثي المد.
وكذلك رواه معاذ عن شعبة. قال أبو زرعة الرازي:
"الصحيح عندي حديث غندر".
وقول أبي زرعة هذا؛ رواه ابن أبي حاتم في "العلل" (١/ ٢٥ / رقم ٣٩) عنه.
ثمّ إن رواية أبي خالد الأحمر: هي عند البيهقي من طريق عبد الملك بن محمد: ثنا سليمان بن داود: ثنا أبو خالد الأحمر.
[ ١ / ١٥٩ ]
وسليمان بن داود هذا: هو أبو داود الطيالسي صاحب "المسند" الذي يرويه عنه يونس بن حبيب، وقد روى هذا الحديث عنه برقم (١٠٩٩) فقال: ثنا أبو داود قال: ثنا شعبة به.
وأبو داود هذا معروف بكثرة روايته عن شعبة، فالظاهر أنه رواه عن شعبة بالواسطة أيضًا.
ثمّ إننا لا نرى مانعًا من صحة الحديث عن أم عمارة وابن زيد معًا؛ فإن الراوي عنهما ثقة حجة، وكذا من رواه عنه، فلا وجه لترجيح إحدى الروايتين على الأخرى.
وقد صحح كلًّا منهما بعض الأئمة؛ ففي "التلخيص" (٢/ ١٩٢): أن الحديث:
"أخرجه ابن خزيمة وابن حبان من حديث عبد الله بن زيد، ورواه أبو داود والنسائي من حديث أم عمارة الأنصارية".
وكذلك عزاه للنسائي: النووي (٢/ ١٩٠)، والعراقي في "التثريب" (٢/ ٩٠)، وحسناه!
وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي!
فوهما؛ فإن حبيبًا الأنصاري لم يخرج له مسلم شيئًا.
٨٥ - عن أنس قال:
كان النّبيّ ﷺ يتوضأ بإناء يسع رطلين (وفي رواية: يتوضأ بمَكُّوك؛ ولم يذكر رطلين)، ويغتسل بالصاع.
(قلت: الرواية الثانية إسنادها صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاها
[ ١ / ١٦٠ ]
في "الصحيحين"، وكذا أبو عوانة في "صحيحه").
إسناده: حدثنا محمد بن الصَّبَّاح البزاز: ثنا شريك عن عبد الله بن عيسى عن عبد الله بن جبر عن أنس.
وهذا إسناد ضعيف، رجاله كلهم ثقات؛ إلا أنّ شريكًا -وهو ابن عبد الله القاضي- سيئ الحفظ، وقد أخطأ في قوله: رطلين! والصواب: مكوك؛ كما في الرواية الثانية ويأتي تخريجها.
وعبد الله بن عيسى: هو عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى؛ وهو ثقة من رجال الشيخين.
وعبد الله بن جبر: هو عبد الله بن عبد الله بن جبر، كما يأتي، نسبه شريك لجده.
والحديث أخرجه الترمذي (٢/ ٥٠٧)، وأحمد (٣/ ٥٠٦) من طريقين آخرين عن شريك به. وقال الترمذي:
"حديث غريب".
قلت: ولفظه عنده:
"يجزيء في الوضوء رطلان من ماء"؛ وهو رواية لأحمد.
فقد اضطرب فيه شريك: فمرة يجعله من فعله ﵊، وتارة من قوله.
لكنه قد توبع عليه باللفظين؛ كما سترى.
ثمّ قال المؤلف عقب الحديث: "رواه يحيى بن آدم عن شريك قال: عن ابن
[ ١ / ١٦١ ]
جبر بن عَتِيكٍ".
قلت: وكذلك قال أحمد عن وكيع عن شريك. ثمّ قال:
"ورواه سفيان عن عبد الله بن عيسى: حدثني جبر بن عبد الله".
قلت: يعني: على القلب. وقال الحافظ في "التهذيب":
"هذا من مقلوب الأسماء".
قلت: ولعل هذا رواية عن سفيان؛ وإلا فقد أخرجه أبو عوانة (١/ ٢٣٣) من طريق معاوية بن هشام قال: ثنا سفيان [عن عبد الله بن عيسى] عن عبد الله بن جبر قال: سمعت أنس بن مالك يقول سمعت النّبيّ ﷺ يقول: "يكفي من الوضوء المد، ويكفي من الغسل الصاع".
وما بين القوسين زيادة من عندنا، سقطت من الأصل المطبوع، وهي ضرورية؛ فإن الحديث من رواية سفيان عن عبد الله، لا من رواية سفيان عن ابن جبر.
ثمّ قال المصنف في بعض الروايات عنه:
"ورواه شعبة قال: حدثني عبد الله بن عبد الله بن جبر: سمعت أنسًا؛ إلا أنه قال: يتوضأ بمكوك، ولم يذكر: رطلين".
وقد وصل هذه الرواية: مسلم؛ وأبو عوانة في "صحيحيهما"، والنسائي والدارمي والبيهقي، والطيالسي (رقم ٢١٠٢)، وأحمد (٣/ ١١٢ و١١٦ و٢٥٩ و٢٨٢ و٢٩٠) من طرق عن شعبة به بلفظ:
كان يغتسل بخمس مكاكيك، ويتوضأ بمكوك.
ورواه مسعر قال: حدثني ابن جبر قال: سمعت أنسًا يقول:
[ ١ / ١٦٢ ]
كان النّبي ﷺ يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد.
أخرجه الشيخان وأبو عوانة في "صحاحهم".
(تنبيه): رواية شعبة إنما هي في النسخة المطبوعة في مصر من رواية اللؤلؤي "للسنن"، وهي أيضًا في "مختصر المنذري" (رقم ٨٦)؛ وليست في نسخة "السنن" التي شرح عليها صاحب "العون"؛ بل فيها زيادة أخرى وهي:
قال أبو داود: "سمعت أحمد بن حنبل يقول: الصاع خمسة أرطال". قال أبو داود: "وهو صاع ابن أبي ذئب، وهو صاع النّبيّ ﷺ".
وسيأتي نحوه في "باب في مقدار الماء الذي يجزيه في الغسل" من النسختين (رقم ٢٣٩).