١٢٥ - عن أبي هريرة:
أنّ النّبيّ ﷺ توضأ مرتين مرتين.
(قلت: إسناده حسن صحيح، وكذا قال الترمذي، وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي).
إسناده: حدثنا محمد بن العلاء: ثنا زيد بن الحُبَاب: ثنا عبد الرحمن بن ثوبان: ثنا عبد الله بن الفضل الهاشمي عن الأعرج عن أبي هريرة.
وهذا إسناد حسن رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير عبد الرحمن بن ثوبان؛ وهو جده؛ واسم أبيه ثابت؛ وهو حسن الحديث، وقد تكلم فيه من قبل حفظه، وأعدل الأقوال فيه قول المصنف:
"كان فيه سلامة، وليس به بأس، وكان مجاب الدعوة".
قلت: وقد صحح له الحافط العراقي حديثًا، سيأتي في الكتاب (رقم )،
[ ١ / ٢٣١ ]
وحسنه الحافط وغيره؛ كما سنبينه هناك إن شاء الله تعالى.
والحديث أخرجه الترمذي (١/ ٦٢) قال: حدثنا أبو كُرَيب [وهو محمد بن العلاء] ومحمد بن رافع قالا: حدثنا زيد بن حباب.
وأخرجه أحمد (٢/ ٢٨٨ و٦٤٤): ثنا زيد بن الحباب به.
وأخرجه الدارقطني (٣٤)، والبيهقي (١/ ٣٩) عن زيد. وقال الترمذي:
"حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن ثوبان عن عبد الله بن الفضل، وهو إسناد حسن صحيح".
وصححه ابن حبان، كما في "الفتح" (١/ ٢٠٨).
ثم رأيت الحاكم أخرج الحديث في "المستدرك" (١/ ١٥٠) من هذا الوجه، وقال:
"صحيح على شرط مسلم"! ووافقه الذهبي!
فوهما.
وله شاهد من حديث عبد الله بن زيد الأنصاري بهذا اللفظ:
أخرجه البخاري، والدارقطني (٣٥)، وأحمد (٤/ ٤١)، وهو حديث آخر لعبد الله غير حديثه المتقدّم (رقم ١١٠)؛ وإسناده غير إسناده.
١٢٦ - عن عطاء بن يسار قال: قال لنا ابن عباس:
أتحبُّون أن أُريَكم كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟
فدعا بإناء فيه ماء، فاغترف غرفة بيده اليمنى، فتمضمض واستنشق،
[ ١ / ٢٣٢ ]
ثمّ أخذ أخرى، فجمع بها يديه، ثمّ غسل وجهه، ثمّ أخذ أخرى، فغسل بها يده اليمنى، ثمّ أخذ أخرى فغسل بها يده اليسرى، ثمّ قبض قبضة من الماء، ثمّ نفض يده، ثمّ مسح رأسه وأذنيه، ثمّ قبض قبضة أخرى من الماء، فرشّ على رجله اليمنى وفيها النعل؛ ثمّ مسحها بيديه: يد فوق القدم ويد تحت النعل، ثمّ صنع باليسرى مثل ذلك.
(قلت: إسناده حسن. وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"، يوافقه الذهبي. لكن ذكر مسح النعلين من فوقهما ومن تحتهما شاذ في هذه الرواية. وقد أخرجه ابن حبان في "صحيحه" بدون المسح على النعلين، وصححه ابن خزيمة، وابن منده، وروى الترمذي منه -مسح الرأس والأذنين- وصححه أيضًا، ورواه البخاري في "صحيحه" دون مسح الأذنين).
إسناده: ثنا عثمان بن أبي شيبة: ثنا محمد بن بشر: ثنا هشام بن سعد: ثنا زيد عن عطاء.
وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير هشام بن سعد؛ فمن رجال مسلم وحده؛ لكن قال الذهبي في "الميزان":
"قال الحاكم: أخرج له مسلم في الشواهد"!
وهو ثقة؛ لا سيما في روايته عن زيد بن أسلم. فقد قال الآجري عن المؤلف: "هشام بن سعد أثبت الناس في زيد بن أسلم"!
لكن قد تكلموا فيه من قبل حفظه؛ ولذلك فهو حجة إذا لم يخالف، وهو كما قال العجلي:
"حسن الحديث". وقال الحافظ في "التقريب": إنه
[ ١ / ٢٣٣ ]
"صدوق له أوهام".
والحديث أخرجه الحاكم (١/ ١٤٧) من طريق خلاد بن يحيى السُّلَمِيّ: ثنا هشام بن سعد به، لكنه لم يذكر مسح النعل من فوق؛ بل قال:
ومسح أسفل النعلين. وقال:
"صحيح على شرط مسلم"! ووافقه الذهبي!
كذا! مع أنه نقل عنه كما سلف أن مسلمًا إنما أخرج لابن سعد في الشواهد؛ فإذا صح هذا؛ فلا يصح قولهما.
وإن صح هذا؛ فلا يصح ذاك.
ثم إنني أرى أن ذكر المسح على النعلين -من فوقهما ومن تحتهما- لا معنى له مع رش الرجلين الذي هو كناية عن غسلهما، بل ذلك من أوهام هشام بن سعد؛ فقد تابعه على هذا الحديث جمع من الثقات، فلم يذكر أحد منهم المسح على النعلين.
لا أقول هذا إنكارًا لثبوت المسح على النعلين؛ كلًّا؛ فذلك ثابت عن النّبي ﷺ؛ لكن في غير هذا الحديث، كما سيأتي في الكتاب (برقم ١٤٧، وغيره).
وقال الحافظ في "الفتح":
"وأما ما وقع عند أبي داود والحاكم: فرش على رجله اليمنى إلخ؛ فالمراد بالمسح تسييل الماء حتى يستوعب العضو، وقد صح أنه ﷺ كان يتوضأ في النعل؛ كما سيأتي من حديث ابن عمر. وأما قوله: تحت النعل؛ فإن لم يحمل على التجوز عن القدم؛ وإلا فهي رواية شاذة، وراويها هشام بن سعد لا يحتج بما تفرد به؛ فكيف إذا خالف"!
[ ١ / ٢٣٤ ]
كذا قال! وفي كلامه في ابن سعد مبالغة لا تخفى! ثم هي لا تتفق مع ما نقلناه آنفًا عن كتابه "التقريب"؛ فتأمل!
والوضوء في النعل سبق من حديث ابن عباس عن علي ﵁ في الكتاب (رقم ١٠٧)؛ وإليك أسماء الذين تابعوا هشامًا؛ دون الزيادة المشار إليها:
فمنهم: سليمان بن بلال؛ بلفظ: عن ابن عباس:
أنه توضأ فغسل وجهه، ثمّ أخذ غرفة من ماء، فمضمض واستنشق، ثمّ أخذ غرفة من ماء فجعل هكذا؛ أضافها إلى يده الأخرى، فغسل بهما وجهه، ثمّ أخذ غرفة من ماء، فغسل بها يده اليمنى، ثمّ غرف غرفة من ماء، فغسل بها يده اليسرى، ثمّ مسح برأسه، ثمّ أخذ غرفة من ماء، فرش على رجله اليمنى حتى غسلها، ثمّ أخذ غرفة أخرى، فغسل بها رجله -يعني: اليسرى-، ثمّ قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ.
أخرجه البخاري (١/ ١٩٤)، وأحمد (١/ ٢٦٨)، ومن طريقه البيهقي (١/ ٥٣).
ومنهم: محمد بن عجلان؛ بلفظ:
توضأ رسول الله ﷺ، فغرف غرفة، فمضمض واستنشق الحديث نحو رواية هشام؛ إلا أنه قال:
ثمّ مسح برأسه وأذنيه: باطنهما بالسباحتين، وظاهرهما بإبهاميه، ثمّ غرف غرفة؛ فغسل رجله اليمنى، ثمّ غرف غرفة؛ فغسل رجله اليسرى.
أخرجه النسائي (١/ ٢٩)، والبيهقي (١/ ٥٥ و٦٧)، وابن حبان في "صحيحه". قال الحافظ في "التلخيص" (١/ ٤٣٠):
"وصححه ابن خزيمة وابن منده".
[ ١ / ٢٣٥ ]
قلت: وروى منه الترمذي (١/ ٥٢) -وصححه-، وابن ماجة (١/ ١٦٧) مسح الرأس والأذنين.
ومنهم: عبد العزيز بن محمد الدراوردي؛ ولفظه:
رأيت رسول الله ﷺ توضأ؛ فغسل يديه، ثمّ تمضمض واستنشق من غرفة واحدة، وغسل وجهه، وغسل يديه مرة مرة، ومسح رأسه وأذنيه مرة -قال عبد العزيز: وأخبرني من سمع ابن عجلان يقول في ذلك-، وغسل رجليه.
أخرجه النسائي، وإسناده صحيح.
وأخرجه الدارمي (١/ ١٧٧)، وابن ماجة (٤٠٣)، والحاكم (١/ ١٥٠)، والبيهقي (١/ ٥٠) مختصرًا دون قوله: وغسل وجهه إلخ. وقال الحاكم:
"صحيح على شرط مسلم". ووافقه الذهبي؛ وهو كما قالا.
وصححه النووي في "المجموع" (١ / ).
ومنهم: ورقاء -وهو ابن عمر اليَشْكُرِيُّ-؛ بلفظ:
ألا أريكم وضوء رسول الله ﷺ؟ قال: فغسل يديه مرة مرة، ومضمض مرة، واستنشق مرة، وغسل وجهه مرة، وذراعيه مرة مرة، ومسح رأسه مرة، وغسل رجليه مرة مرة، ثم قال: هذا وضوء رسول الله ﷺ.
أخرجه البيهقي (١/ ٦٧)، وقال:
"هذا إسناد صحيح".
(تنبيه): ظاهر حديث الباب: أنه ﵊ مسح أذنيه بماء الرأس، فهو شاهد قوي لحديث أبي أمامة المتقدّم (رقم ١٢٣):
[ ١ / ٢٣٦ ]
"الأذنان من الرأس".
ثمّ إنّ الحديث لا مناسبة له بالباب، بل محله في الباب الذي يليه؛ فلو أورده المصنف فيه؛ لأصاب!