١٤٥ - عن خزيمة بن ثابت عن النّبي ﷺ قال:
"المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام، وللمقيم يوم وليلة".
(قلت: حديث صحيح، وكذا قال النووي، وقال الترمذي: "حديث حسن، وذكر عن يحيى بن معين أنه صححه". ورواه أبو عوانة وابن حبان في "صحيحيهما").
إسناده: حدثنا حفص بن عمر: ثنا شعبة عن الحكم وحماد عن إبراهيم عن أبي عبد الله الجَدَلِيِّ عن خزيمة بن ثابت.
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال "الصحيح"؛ غير أبا عبد الله الجدلي؛ وهو ثقة؛ غير أن فيه انقطاعًا، قال المصنف:
"إبراهيم -وهو النخعي- لم يسمع من أبي عبد الله الجدلي"! وحفص: هو ابن عمر بن الحارث الحوضي البصري.
وحماد: هو ابن أبا سليمان الكوفي؛ وفيه كلام من قبل حفظه؛ لكن حديثه هذا مقرون.
وقد جاء الحديث موصولًا، كما سنبينه؛ فهو حديث صحيح.
والحديث في "مسند الطيالسي" (رقم ١٢١٩): ثنا شعبة به.
[ ١ / ٢٦٨ ]
وأخرجه الطحاوي (١/ ٤٩)، وأحمد (٥/ ٢١٤)، والطبراني في "معجمه الكبير"، وفي "الصغير" (ص ٢٣٨) من طرق عن شعبة به؛ وقرن في "الصغير" -مع الحكم وحماد-: مغيرة ومنصورًا.
وقد تابعه سفيان -وهو الثوري- عن حماد ومنصور عن إبراهيم به.
أخرجه أحمد.
وهشام الدَّسْتُوائي عن حماد وحده: أخرجه أحمد والطحاوي.
وأخرج البيهقي (١/ ٢٧٧) من طريق زائدة بن قدامة قال: سمعت منصورًا يقول: كنا في حجرة إبراهيم النَّخَعِيِّ، ومعنا إبراهيم التيمي، فذكرنا المسح على الخفين، فقال إبراهيم التيمي: تنا عمرو بن ميمون عن أبي عبد الله الجدلي عن خزيمة بن ثابت قال:
جعل لنا رسول الله ﷺ ثلاثًا؛ ولو استزدته لزادنا -يعني: المسح على الخفين للمسافر-.
قلت: وإسناد هذه الرواية صحيح؛ وهي تشير إلى ما سبق عن المؤلف أن النخعي لم يسمعه من أبي عبد الله الجدلي.
والحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة والطحاوي والبيهقي والطيالسي (رقم ١٢١٨) وأحمد من طرق عن إبراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون عن أبي عبد الله الجدلي به.
وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٢٦٢).
وقال الترمذي:
"وذُكِر عن يحيي بن معين أنه صحح حديث خزيمة في المسح".
[ ١ / ٢٦٩ ]
ثم قال:
"هذا حديث حسن صحيح".
ورواه ابن حبان أيضًا -كما في "التلخيص" (٢/ ٣٩٦) -. وقال النووي: إنه "حديث صحيح".
قلت: وقد أُعل هذا الحديث بما لا يقدح؛ ولو أردنا بسط للكلام في ذلك لطال؛ فليراجع لذلك "نصب الراية" (١/ ١٧٥ - ١٧٧).
وللحديث شواهد كثيرة: من حديث علي بن أبي طالب -في "صحيح مسلم"، و"أبي عوانة"-، وصفوان بن عَسَّال وأبي بكرة والمغيرة بن شعبة -وهي عند الطحاوي والبيهقي وبعض أصحاب "السنن"-.
وفيها -ما عدا الأول- من الزيادات ما ليس في حديث الباب؛ فأرى من الفائدة ذكرها؛ مع التنبيه على ما لا يصح منها.
ففي حديث صفوان: "إلا من جنابة؛ ولكن من غائط وبول ونوم".
وفي حديث أبي بكرة: "إذا تطهر ولبس خفيه".
وفي حديث المغيرة: "ما لم يخلع". قال البيهقي:
"تفرد به عمرو بن رُدَيْحٍ؛ وليس بالقوي".
قلت: وفي معناها ما في بعض طرقه بغير هذا اللفظ عند أحمد بلفظ:
"ثمّ لم أمش حافيًا"؛ وهي ضعيفة أيضًا؛ لما سبق بيانه عند الحديث (رقم ١٣٩).
وقد صح عن علي ﵁:
[ ١ / ٢٧٠ ]
أنه مسح على نعليه، ثمّ خلعهما، ثم صلّى.
كما سيأتي في الكلام على الحديث (رقم ١٥٦).
وهذا يؤيد قول من قال: إنْ نَزَعَ الخفين بعد المسح عليهما لا يضره، ولا يلزمه إعادة وضوء، ولا غسل رجليه، بل هو طاهر كما كان، ويصلي كذلك.
وبه قال الحسن وابن أبي ليلى وجماعة؛ كما في "الفتح" (١/ ٢٤٨). وإليه ذهب ابن حزم (٢/ ١٠٥). وقال:
"وهذه قول طائفة من السلف "؛ ثمّ روى ذلك عن هشام بن حسان، وعن إبراهيم النخعي.
وهذه فائدة تعرضنا لذكرها بالمناسبة، ولقِلَّة ما تراها في كتاب من كتب الفقه المشهورة.
(فائدة أخرى): ظاهر حديث الباب -ومثله الأ حاديث الأخرى-: أنَّ مدة المسح تبتدئ من حين يمسح بعد الحدث. وبه قال الأوزاعي وأبو ثور. قال النووي في "المجموع" (١/ ٤٨٧):
"وهو رواية عن أحمد وداود وهو المختار الراجح دليلًا. واختاره ابن المنذر؛ وحكى نحوه عن عمر بن الخطاب ﵁".
١٤٦ - وفي رواية: ولو استزدناه لزادنا.
(قلت: إسناد صحيح، وصححه ابن حبان وأبو عوانة).
إسناده: علقه المصنف فقال: رواه منصور بن المعتمر عن إبراهيم التيمي بإسناده: ولو استزدناه لزادنا.
[ ١ / ٢٧١ ]
وقد وصله الإمام أحمد (٥/ ٢١٣): ثنا أبو عبد الصمد العَمِّي: ثنا منصور: ثنا إبراهيم بن يزيد التيمي عن عمرو بن ميمون عن أبي عبد الله الجدلي عن خزيمة بن ثابت الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال:
"امسحوا على الخفاف ثلاثة أيام". ولو استزدنا لزادنا.
وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير الجدلي؛ وهو ثقة كما سبق في الرواية الأولى.
ثم قال أحمد: ثنا سفيان عن منصور به بلفظ:
سألنا رسول الله ﷺ عن المسح على الخفين؟ فرخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يومًا وليلة.
قال أحمد: سمعته من سفيان مرتين يذكر:
للمقيم، ولو أطنب السائل في مسألته لزادهم.
وكذلك رواه الطحاوي، وأبو عوانة عن سفيان به؛ لكن أبا عوانة لم يسق لفظه بتمامه.
وقد تابعه سعيد بن مسروق -والد سفيان- الثوري عن إبراهيم التيمي.
أخرجه ابن ماجة (١/ ١٩٦)، وأحمد (٥/ ٢١٤ و٢١٥) عن سفيان عن أبيه عن إبراهيم التيمي به. ولفظه:
ولو مضى السائل على مسألته؛ لجعلها خمسًا.
فقد اتفق على هذه الزيادة -عن التيمي- ثقتان: منصور وسعيد بن مسروق؛ فهي زيادة صحيحه ثابتة؛ وإن كان لا يؤخذ منها حكم زائد على أصل الحديث.
[ ١ / ٢٧٢ ]
وقد سبق أن نقلنا عن النووي أنه صحح الحديث.
وأما بهذه الزيادة؛ فزعم (١/ ٤٨٥) أنه ضعيف بالاتفاق! وضعفه من وجهين:
أحدهما: أنه مضطرب.
والثاني: أنه منقطع؛ قال شعبة:
"لم يسمع إبراهيم من أبي عبد الله الجدلي". وقال البخاري:
"ولا يعرف للجدلي سماع من خزيمة"!
قلت: أما الاضطراب؛ فهو من النوع الذي لا يقدح، كما تجد تفصيله في "نصب الراية"؛ وليس هو في هذه الزيادة فقط؛ بل هو واقع في أصل الحديث أيضًا. ولو كان قادحًا؛ لا صححه من سبق ذكرهم، وفيهم النووي!
وأما الانقطاع؛ فإنما هو بالنسبة إلى سند المصنف في الرواية الأولى؛ لأنها من طريق إبراهيم النخعي عن أبي عبد الله الجدلي.
وأما الزيادة؛ فإنها من طريق إبراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون عن الجدلي؛ وقد صرح التيمي بسماعه عن عمرو، كما سبق في الكلام على الرواية الأولى.
وأما قول البخاري المذكور؛ فإنما هو على قول من يشترط في الاتصال اللقاء والسماع؛ ولو مرة! والجمهور على خلافه؛ وهو أنه يكفي إمكان اللقاء، وهو ثابت هنا، فلا انقطاع.
ولو صح لما جاز للنووي أن يصحح أصل الحديث؛ لأنه من هذا الطريق أيضًا.
وبالجملة؛ فالنووي قد تناقض في هذا الحديث تناقضًا ظاهرًا، وأوقع غيره في الغلط عليه؛ فقد قال الحافظ في "التلخيص" (٢/ ٣٩٦) -بعد أن ذكر أنّ هذه
[ ١ / ٢٧٣ ]
الزيادة رواها كأصلها ابن حبان-، قال:
"وادّعى النووي في "شرح المهذب" الاتفاق على ضعف هذا الحديث، وتصحيح ابن حبان له يَرُدُّ عليه، مع نقل الترمذي عن ابن معين أنه صحيح أيضًا؛ كما تقدّم"!
قلت: الترمذي إنما ذكر ذلك بعد أن ساق الحديث بدون الزيادة؛ فهو غير وارد على النووي؛ لأنه صرح بصحة الحديث بدون الزيادة كما سبق؛ بل إنه نقل قول الترمذي فيه:
"حديث حسن صحيح".
والحق والعدل: أن من صحح أصل الحديث يلزمه أن يصحح هذه الزيادة؛ لأنه من طريقه؛ وهو الذي نراه ونجزم به.
ومن ضعف الزيادة يلزمه أن يضعف الحديث من أصله، لا كما فعل النووي ﵀. والله تعالى هو الموفق.