١٥١ - عن المغيرة بن شعبة:
أن رسول الله ﷺ كان يمسح على الخفين.
إسناده: حدثنا محمد بن الصَّبَّاح البزاز: ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد قال: ذكره أبي عن عروة بن الزبير عن المغيرة بن شعبة.
وهذا إسناد حسن إن شاء الله تعالى، رجاله كلهم ثقات؛ غير عبد الرحمن بن أبي الزناد، وهو مختلف فيه، ويظهر لنا من النظر في كلمات من تكلم فيه: أن ذلك من أجل حفظه، فهو من الذين يكتب حديثهم ويحتج به؛ ما لم يخالف أو يشذ؛ فهو حسن الحديث. وقد ترجمه الذهبي في "الميزان" ترجمة واسعة، ثمّ قال
[ ١ / ٢٨٥ ]
في آخرها:
"قلت: قد مشَّاه جماعة وعدَّلوه، وكان من الحفاظ المكثرين؛ ولا سيما عن أبيه وهشام بن عروة، حتى قال يحيي بن معين: هو أثبت الناس في هشام، وذكر محمد بن سعد أنه كان مفتيًا، وقد روى أرباب "السنن الأربعة". له، وهو إن شاء الله تعالى حسن الحال، وقد صحح له الترمذي". وقال الحافظ في "التقريب":
"صدوق، تغير حفظه لما قدم بغداد، وكان فقيهًا".
والحديث أخرجه البخاري في "التاريخ الأوسط" بهذا الإسناد عن هذا الشيخ -كما في "التلخيص" (٢/ ٣٩١) -، ولفظه:
رأيت رسول الله ﷺ يمسح على خفيه ظاهرهما. قال:
"وهذا أصح من حديث رجاء عن كاتب المغيرة".
قلت: يشير إلى حديث آخر للمغيرة، رواه المصنف أيضًا بلفظ:
فمسح أعلى الخفين وأسفله!
وهو معلول، ولذلك أودعناه في الكتاب الآخر (رقم ٢٣).
وأخرجه الترمذي -عن علي بن حجْرٍ-، والدارقطني (٧١) -عن سليمان بن داود الهاشمي-، وأحمد (٤/ ٢٥٤) -عن إبراهيم بن أبي العباس-؛ ثلاثتهم عن ابن أبي الزناد به، وكلهم قالوا:
على ظهر الخفين؛ إلا علي بن حجر فقال:
على ظاهرهما. وقال الترمذي:
"حديث حسن، وهو حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عروة
[ ١ / ٢٨٦ ]
عن المغيرة، ولا نعلم أحدًا يذكر عن عروة عن المغيرة: على ظاهرهما غيره"!
قلت: لكن الأحاديث الأخرى التي وردت في مسح الخفين؛ كلها أو جُلُّها تقول:
مسح على الخفين، وهي نصوص ظاهرة في معنى اللفظ الذي رواه ابن أبي الزناد، بل هو نص في ذلك؛ لأنه لا يحتمل -ولو احتمالًا بعيدًا- المسح أسفله، فهي شواهد صحيحه لهذا الحديث؛ فهو على هذا صحيح. فتأمل!
ثم الحديث؛ أخرجه الطيالسي (رقم ١٩٢): ثنا ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة بن المغيرة عن المغيرة بن شعبة:
أنّ النّبيّ ﷺ مسح على ظاهر خفيه.
فخالف الجماعة؛ حيث قال: عروة بن المغيرة. قال البيهقي (١/ ٢٩١) -بعد أن رواه من طريق الطيالسي-:
"كذا رواه أبو داود الطيالسي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد. وكذلك رواه إسماعيل بن موسى عن ابن أبي الزناد. ورواه سليمان بن داود الهاشمي ومحمد ابن الصباح وعلي بن حجر عن ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة بن الزبير عن المغيرة". قال الشيخ أحمد محمد شاكر:
"فإن كانت الروايتان محفوظتين؛ وإلا كانت إحداهما وهمًا والأخرى صوابًا، ولا ضرر في ذلك؛ لأنه تردد بين راويين ثقتين: عروة بن الزبير، وعروة بن المغيرة".
قلت: والرواية الأولى أرجح؛ لاتفاق الأكثر عليها. والله أعلم.
وللحديث طريق أخرى: عند البيهقي عن الحسن عن المغيرة.
[ ١ / ٢٨٧ ]
وهو منقطع، كما قال الحافظ (٢/ ٣٩٤).
١٥٢ - وفي رواية: على ظهر الخُفَّين (١).
(قلت: إسناده حسن صحيح، وقال الترمذي: "حديث حسن").
١٥٣ - عن علي ﵁ قال:
لو كان الدين بالرأي؛ لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه.
(قلت: إسناده صحيح، وكذا قال الحافظ).
إسناده: حدثنا محمد بن العلاء: ثنا حفص بن غِيَاث عن الأعمش عن أبي إسحاق عن عبد خير عن علي.
وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير عبد خير؛ وهو ثقة، وقد مر.
والحديث أخرجه البيهقي من طريق المصنف.
وكذلك رواه ابن حزم (٢/ ١١١).
ثمّ أخرجه البيهقي، والدارقطني (٧٣) من طرق أخرى عن حفص به.
وقال الحافظ في "التلخيص" (٢/ ٣٩٢) -بعد أن عزاه للمصنف-:
"وإسناده صحيح". وقال في "البلوغ":
"إسناده حسن"!
_________________
(١) هي رواية [كذا أصل الشيخ لم يكمل العبارة. (الناشر)].
[ ١ / ٢٨٨ ]
والصواب الأول.
١٥٤ - وفي رواية: قال:
ما كنت أرى باطن القدمين إلا أحقَّ بالغَسْل؛ حتى رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظهر خفيه.
(قلت: إسناده صحيح).
إسناده: حدثنا محمد بن رافع: ثنا يحيى بن آدم قال: ثنا يزيد بن عبد العزيز عن الأعمش بإسناده قال.
وهذا إسناد صحيح كالسابق.
والحديث أخرجه البيهقي من طريق المصنف بهذا السند والمتن.
١٥٥ - وفي لفظ: قال:
لو كان الدين بالرأي؛ لكان باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما، وقد مسح النّبي ﷺ على ظهر خفيه.
(قلت: إسناده صحيح).
إسناده: هو إسناد الرواية الأولى (رقم ١٥٣)؛ وهو ثابت في "مختصر المنذري" (رقم ١٥٤)، وليس هو في نسخة "عون المعبود".
١٥٦ - وفي رواية: قال:
كنت أرى أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما، حتى رأيت رسول الله ﷺ يمسح ظاهرهما.
[ ١ / ٢٨٩ ]
قال وكيع: يعني: الخفين.
(قلت: إسناده صحيح).
إسناده: علقه المصنف بقوله: "ورواه وكيع عن الأعمش بإسناده".
وهو في "المسند" (١/ ٩٥ / رقم ٧٣٧) موصولًا: ثنا وكيع به.
ووصله ابنه عبد الله فقال (رقم ١٠١٣): ثنا إسحاق بن إسماعيل وأبو خيثمة قالا: حدثنا وكيع به؛ وليس عندهما قول وكيع في آخره: يعني: الخفين.
وقد تابعه إبراهيم بن طهمان عن أبي إسحاق به؛ ولفظه:
حتى رأيت رسول الله ﷺ توضأ ومسح على ظهر قدميه على خفيه والباقي مثله سواءً.
أخرجه البيهقي.
وتابعه يونس؛ ولفظه:
رأيت عليًّا توضأ ومسح على النعلين، ثمّ قال: لولا أني رأيت رسول الله ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت؛ لرأيت أن باطن القدمين هو أحق بالمسح من ظاهرهما.
أخرجه أحمد (رقم ١٢٦٣)، والدارمي (١/ ١٨١): حدثنا -وقال الدارمي: أخبرنا- أبو نعيم: حدثنا يونس عن أبي إسحاق به.
وهذا إسناد صحيح.
ولم ينفرد أبو إسحاق بذكر المسح على النعلين: عن علي مرفوعًا، بل تابعه السُّدِّيُّ:
[ ١ / ٢٩٠ ]
أخرجه أحمد (رقم ٩٤٣ و٩٧٠): حدثنا ابن الأشجعي: حدثنا أبي عن سفيان عن السدي عن عبد خير عن علي:
أنه دعا بكوز من ماء، ثمّ قال: أين هؤلاء الذين يزعمون أنهم يكرهون الشرب قائمًا؟ قال: فأخذه فشرب وهو قائم، ثم توضأ وضوءا خفيفًا، ومسح على نعليه، ثمّ قال: هكذا وضوء رسول الله ﷺ للطاهر؛ ما لم يُحْدِثْ.
وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات.
وابن الأشجعي يعرف بكنيته: أبو عبيدة بن عبيد الله بن عبيد الرحمن.
ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" عن سفيان -كما في "نصب الراية" (١/ ١٨٩) -.
ورواه شريك عن السدي نحوه؛ وفيه: ثمّ قال:
لولا أني رأيت رسول الله ﷺ مسح على ظهر قدميه؛ رأيت أن بطونهما أحق الحديث: أخرجه أحمد أيضًا (رقم ٩٤٣).
(فائدة): واعلم أن بعض العلماء فهموا من قوله في هذه الرواية: للطاهر ما لم يحدث؛ أي: حدثًا أصغر، وبناءً على ذلك قالوا: (إنما يجوز المسح على النعلين لمن كان على وضوء، ثم أراد تجديده)! !
وليس يظهر لنا هذا المعنى؛ بل المراد ما لم يحدث حدثًا أكبر؛ أي: ما لم يُجْنِب؛ فهو بمعنى حديث صفوان بن عسال بلفظ:
"إلا من جنابة، ولكن من غائط أو بول أو نوم".
وقد سبق ذكره عند الحديث (رقم ١٤٥). والدليل على ما ذهبنا إليه أمور:
الأول: أن راوي الحديث نفسه -أعني: عليًّا ﵁- قد مسح على
[ ١ / ٢٩١ ]
نعليه بعد أن بال؛ ثمّ صلّى إمامًا، وهو أدرى بمعنى كلامه، وأعلم بحديثه ﵇.
فروى الطحاوي (١/ ٥٨) من طريقين عن شعبة عن سلمة بن كُهَيْل عن أبي ظَبْيَانَ:
أنه رأى عليًّا بال قائمًا، ثمّ دعا بماء فتوضأ، ومسح على نعليه، ثم دخل المسجد، فخلع نعليه ثمّ صلّى.
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
وأبو ظبيان هذا: هو حصين بن جندب.
وأخرجه البيهقي (١/ ٢٨٧) من طريق سفيان عن سلمة بن كهيل به نحوه؛ وفيه: أنه صلّى الظهر.
ثمّ أخرجه البيهقي من طريق الأعمش عن أبي ظبيان قال:
رأيت علي بن أبي طالب بالرَّحْبَة بال قائمًا، حتى أرغى، فأتي بكوز من ماء، فغسل يديه، واستنشق وتمضمض، وغسل وجهه، وذراعيه، ومسح برأسه، ثمّ أخذ كفًّا من ماء فوضعه على رأسه، حتى رأيت الماء ينحدر على لحيته، ثمّ مسح على نعليه، ثمّ أقيمت الصلاة، فخلع نعليه؛ ثمّ تقدّم فأم الناس.
قال ابن نمير: قال الأعمش: فحدثت إبراهيم، قال: إذا رأيت أبا ظبيان فأخبرني، فرأيت أبا ظبيان قائمًا في الكناسة، فقلت: هذا أبو طبيان، فأتاه فسأله عن الحديث.
وإسناده صحيح أيضًا.
وقال عبد الحق الإشبيلي في "الأحكام الكبرى" (ق ١٨/ ١):
[ ١ / ٢٩٢ ]
"وقال عبد الرزاق في "مصنفه": أخبرنا معمر عن يزيد بن أبي زياد عن أبي زياد عن أبي ظبيان الحُنَيْنِيِّ قال: رأيت عليًّا بال قائمًا حتى أرغى، ثمّ توضأ ومسح على نعليه، ثمّ دخل المسجد، فخلع نعليه، ثمّ جعلهما في كمه ثم صلّى. وقال معمر: وأخبرني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس عن النبيّ ﷺ بمثل صنيع علي هذا".
قلت: وسكت عبد الحق عليه؛ مشيرًا لصحة الإسناد، كما نص عليه في مقدمة الكتاب.
الثاني: أنه ثبت السح على النعلين مرفوعًا في غير ما حديث؛ كما صح المسح على الخفين، فهما في الحكم سواءٌ؛ والتفريق بينهما بدون دليل لا يجوز.
الثالث: أننا لا نعلم وضوءًا تصح به النافلة دون الفريضة؛ فتأمل!
١٥٧ - ورواه عيسى بن يونس عن الأعمش كما رواه وكيع.
(قلت: لم أقف عليه موصولًا).
إسناده: لم أقف عليه موصولًا.
١٥٨ - ورواه أبو السوداء عن ابن عبد خير عن أبيه قال:
رأيت عليًّا توضأ؛ فغسل ظاهر قدميه، وقال:
لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يفعله وساق الحديث.
(قلت: وبقية الحديث: لظننت أن بطونهما أحق بالغسل. وسنده صحيح).
إسناده: ذكره كما ترى معلقًا، وهو في بعض روايات الكتاب موصول، ففي
[ ١ / ٢٩٣ ]
"العون":
"واعلم أن هذا الحديث هكذا معلقًا في رواية اللؤلؤي. وأما في رواية أبي بكر ابن داسة؛ فموصول. وهذه عبارته: حدثنا حامد بن يحيى: نا سفيان عن أبي السوداء عن ابن عبد خير عن أبيه قال: رأيت عليًّا توضأ الحديث".
قلت: ووصله عبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" (رقم ٩١٨ و١٠١٤) قال: ثنا إسحاق بن إسماعيل: ثنا سفيان به؛ وتتمة الحديث منه.
وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات، وأبو السوداء: اسمه عمرو بن عمران النَّهدي الكوفي.
وابن عبد خير: اسمه المسيب.