١٩٣ - عن جابر قال:
خرجنا مع رسول الله ﷺ؛ يعني: في غزوة ذات الرِّقَاع، فأصاب رجلٌ امرأةَ رَجل من المشركين؛ فحلف أن: لا أنتهي حتى أهريق دمًا في أصحاب محمد، فخرج يتَّبع أثر النبي ﷺ، فنزل النبي ﷺ منزلًا؛ فقال:
"من رجل يكلأُنا؟ "، فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار فقال:
"كونا بِفَمِ الشِّعْبِ".
قال: فلما خرج الرجلان إلى فم الشِّعْب؛ اضطجع المهاجريُّ وقام الأنصاري يصلي، وأتى الرجل؛ فلما رأى شخصه عرف أنه رَبِيئَةٌ للقوم، فرماه بسهم فوضعه فيه، فنزعه؛ حتى رماه بثلاثة أسهم، ثم ركع وسجد، ثم انتبه صاحبه، فلما عرف أنهم قد نَذرُوا به هرب، فلما رأى المهاجريُّ ما بالأنصاري من الدماء قال: سبحان الله! ألا أنبهتني أول ما رمى؟ ! قال: كنت في سورة أقرأها؛ فلم أحب أن أقطعها.
(قلت: إسناده حسن، وكذا قال النووي، وصححه ابن خريمة وابن حبان (١٠٩٣) والحاكم، ووافقه الذهبي).
إسناده: حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع فال: ثنا ابن المبارك عن محمد بن إسحاق قال: حدثني صدقة بن يسار عن عَقِيل بن جابر عن جابر.
[ ١ / ٣٥٧ ]
وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير عقيل بن جابر، فقال الذهبي في "الميزان":
"فيه جهالة؛ ما روى عنه سوى صدقة بن يسار"!
كذا قال! وقد قال الحافظ في "التهذيب":
"وقد روى جابر البياضيُّ عن ثلاثة من ولد جابر عن جابر؛ فيحصل لنا راوٍ آخر -وإن كان ضعيفًا عن عقيل مع صدقة؛ لأن جابرًا له ثلاثة أولاد رووا الحديث: هذا وعبد الرحمن ومحمد".
وعقيل وثقه ابن حبان وغيره ممن صحح حديثه؛ كما يأتي.
والحديث قال النووي في "المجموع" (٢/ ٥٥):
"رواه أبو داود بإسناد حسن، واحتج به أبو داود".
قلت: ومن طريقه: أخرجه البيهقي (١/ ١٤٠).
وأخرجه الإمام أحمد (٣/ ٣٤٣ - ٣٤٤) قال: ثنا إبراهيم بن إسحاق: ثنا ابن المبارك به أتم منه.
ثم أخرجه أحمد (٣/ ٣٥٩): ثنا يعقوب: ثنا أبي عن محمد بن إسحاق: حدثني صدقة بن يسار به.
وأخرجه الدارقطني (ص ٨٢ - ٨٣)، والحاكم (١١/ ٥٦ - ١٥٧)، وعنه البيهقي (٩/ ١٥٠) من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق به. وقال الحاكم:
"هذا حديث صحيح الإسناد؛ فقد احتج مسلم بأحاديث محمد بن إسحاق. فأما عقيل بن جابر بن عبد الله الأنصاري؛ فإنه أحسن حالًا من أخويه محمد
[ ١ / ٣٥٨ ]
وعبد الرحمن"! ووافقة الذهبي!
لكن ابن إسحاق لم يحتجَّ به مسلم، بل استشهد به في خمسة أحاديث، كما قال الذهبي نفسه في "الميزان".
والحديث ذكره البخاري في "صحيحه" تعليقًا (١/ ٢٢٥) مختصرًا؛ فقال الحافظ:
"وصله ابن إسحاق في "المغازي" قال: حدثني صدقة بن يسار عن عقيل بن جابر عن أبيه مطولًا. وأخرجه أحمد وأبو داود والدارقطني وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم؛ كلهم من طريق ابن إسحاق. وشيخه صدقة ثقة. وعقيل -بفتح العين- لا أعرف راويًا عنه غير صدقة"!
قلت: قد عرف له الحافظ في "التهذيب" راويًا آخر كما سبق، ثم قال:
"وأخرجه البيهقي في "الدلائل" من وجه آخر؛ وسمى الأنصاري المذكور: عَبَّاد بن بشر، والمهاجري: عمار بن ياسر، والسورة: الكهف".
قلت: ولعل هذا الوجه هو من طريق أولاد جابر الثلاثة الذين ذكرهم الحافظ في كلامه السابق! وعليه؛ فالحديث يقوى به. والله أعلم.
ثم قلت: فيه عنده (٣/ ٣٧٨): الواقدي؛ وهو متروك! فالعمدة على ما تقدم. والله أعلم.