٢٠٨ - عن أبي بن كعب:
أن رسول الله ﷺ إنما جعل ذلك رخصة للناس في أول الإسلام؛ لقلة الثياب، ثم أمر بالغُسْل ونهى عن ذلك.
قال أبو داود: "يعني: الماء من الماء".
(قلت: حديث صحيح، وكذا قال النووي، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح". ورواه ابن خزيمة وابن حبان (١١٧٠) في "صحيحيهما").
إسناده: حدثنا أحمد بن صالح قال: ثنا ابن وهب قال: أخبرني عمرو -يعني: ابن الحارث- عن ابن شهاب قال: ثني بعض مَنْ أرضى: أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن أبي بن كعب أخبره.
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال البخاري؛ غير شيخ ابن شهاب الذي فيه؛ فإنه لم يسمّه؛ ولكنه قد رضيه الزهري، وما نظن أنه يرضيه غير ذي ثقة وحفظ. ومع ذلك؛ فقد ساقه المؤلف -فيما بعد- من طريق أبي حازم عن سهل بن سعد. ولذلك قال ابن خزيمة -كما في "التلخيص" (٢/ ١٢٢) -:
"هذا الرجل الذي لم يسمّه الزهري: هو أبو حازم -ثم ساقه من طريقه؛ كما
[ ١ / ٣٨٥ ]
يأتي في الكتاب-؛ وقد وقع في رواية لابن خزيمة من طريق معمر عن الزهري: أخبرني سهل فهذا يدفع قول من جزم بأنه لم يسمعه منه؛ لكن قال ابن خزيمة: أهاب أن تكون هذه اللفظة غلطًا من محمد بن جعفر؛ الراوي له عن معمر. قلت: أحاديث أهل البصرة عن معمر يقع فيها الوهم، لكن في "كتاب ابن شاهين" من طريق مُعَلَّى بن منصور عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري: حدثني سهل. وكذا أخرجه بقي بن مخلد في "مسنده" عن أبي كريب عن ابن المبارك. وقال ابن حبان: يحتمل أن يكون الزهري سمعه من رجل عن سهل، ثم لقي سهلًا فحدثه به، أو سمعه من سهل ثم ثبته فيه أبو حازم".
والحديث أخرجه الترمذي (١/ ١٨٣ - ١٨٤)، والدارمي (١/ ١٩٤)، وابن ماجة (١/ ٢١١ - ٢١٢)، والبيهقي (١/ ١٦٥)، وأحمد (٥/ ١١٥ - ١١٦) من طرق عن الزهري عن سهل بن سعد به. وهو -عند الترمذي والبيهقي ورواية لأحمد- عن ابن المبارك عن يونس عنه. وعند ابن ماجة وأحمد أيضًا من طريق عثمان بن عمر: أنا يونس به.
وكذلك رواه ابن جريج وشعيب عن الزهري: قال سهل.
فيظهر أن من قال فيه: ثني سهل؛ فقد شذ. والله أعلم. ثم قال الترمذي:
"حديث حسن صحيح".
ثم أخرجه أحمد من طريق رِشْدين: حدثني عمرو بن الحارث به مثل رواية الكتاب.
وأخرجه البيهقي من طريق المؤلف.
[ ١ / ٣٨٦ ]
٢٠٩ - وفي رواية عنه:
أن الفتيا التي كانوا يفتون: إن الماء من الماء؛ كانت رخصة رخصها رسول الله ﷺ في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعدُ.
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقال الإسماعيلي: "صحيح على شرط البخاري"، وصححه ابن خزيمة وابن حبان (١١٧٦) والبيهقي، وقال الحافظ: "هو إسناد صالح لأن يحتج به"، وصححه الدارقطني أيضًا وأبو حاتم الرازي؛ حيث جعله ناسخًا لحديث أبي سعيد الخدري الآتي (رقم ٢١١».
إسناده: حدثنا محمد بن مهران البزاز الرازي قال: ثنا مُبَشِّرٌ الحلبي عن محمد أبي غسان عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: ثني أُبي بن كعب.
وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات أثبات من رجال الشيخين.
والحديث أخرجه بهذا الإسناد: الدارمي (١/ ١٩٤)، وابن خزيمة في "صحيحه" -كما سبق في الذي قبله-، وابن حبان أيضًا في "صحيحه" -كما في "نصب الراية" (١/ ٨٣) -.
وأخرجه البيهقي (١/ ١٦٦) من طريق المؤلف، ومن طريق موسى بن هارون: ثنا محمد بن مهران الجمال به. وقال:
"إسناد صحيح موصول". وقال الحافظ في "الفتح" (١/ ٣١٦):
"صححه ابن خزيمة وابن حبان. وقال الإسماعيلي: هو صحيح على شرط البخاري. كذا قال؛ وكأنه لم يطلع على علته، فقد اختلفوا في كون الزهري سمعه من سهل. نعم؛ أخرجه أبو داود وابن خزيمة أيضًا من طريق أبي حازم عن سهل، ولهذا الإسناد أيضًا علة أخرى ذكرها ابن أبي حاتم. وفي الجملة؛ هو إسناد صالح
[ ١ / ٣٨٧ ]
لأن يحتج به".
قلت: وممن صححه أيضًا: الدارقطني، فقال بعد أن أخرجه (ص ٤٦) من الطريقين عن محمد بن مهران-:
"صحيح".
والعلة التي أشار إليها الحافظ؛ لعلها قول ابن أبي حاتم في "العلل" (١/ ٤١ / رقم ٨٦):
"سمعت أبي قال: ذكرت لأبي عبد الرحمن الحبلي ابن أخي الإمام -وكان يفهم الحديث- فقلت له: تعرف هذا الحديث [قلت: فذكره بإسناد المصنف]؟ فقال لي: قد دخل لصاحبك حديث في حديث؛ ما نعرف لهذا الحديث أصلًا"! !
وهذا توهيم للثقات بدون حجة؛ فلا يقبل. ولذلك لم يجعلها الحافظ علة قادحة، فصرح بأن الحديث صالح يحتج به؛ بل أرى أن أبا حاتم نفسه لم يرفع إليها رأسًا، فقد قال ابنه فيما بعد (رقم ١١٤):
"سمعت أبي وذكر الأحاديث المروية في: "الماء من الماء" فقال: هو منسوخ، نسخه حديث سهل بن سعد عن أبي بن كعب".
فلو لم يكن الحديث عنده صحيحًا؛ لما جعله ناسخًا، وهذا واضح والحمد لله.
٢١٠ - عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال:
"إذا قعد بين شعبها الأربع، وألزق الختان بالختان؛ فقد وجب الغسل".
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه وكذا ابن حبان (١١٧٥)، وأبو عوانة في "صحاحهم"، وصححه عبد الحق في "الأحكام
[ ١ / ٣٨٨ ]
الكبرى" (رقم ٤١٥».
إسناده: حدثنا مسلم بن إبراهيم الفراهيدي قال: ثنا هشام وشعبة عن قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة.
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وقد أخرجاه.
والحديث أخرجه البيهقي (١/ ١٦٣) من طريق عثمان بن سعيد: ثنا مسلم ابن إبراهيم به.
وأخرجه أبو داود الطيالسي (رقم ٢٤٤٩) قال: حدثنا شعبة وهشام عن قتادة به بلفظ:
"إذا قعد الرجل بين شعبها الأربع، ثم اجتهد؛ فقد وجب الغسل". قال: وزاد حماد بن سلمة في هذا الحديث:
"أنزل أو لم ينزل".
ومن طريقه: أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" والحازمي في "الاعتبار".
وأخرجه الشيخان وأبو عوانة في "صحاحهم" والدارمي وابن ماجة والطحاوي (١/ ٣٤)، والبيهقي من حديث هشام به.
وأخرجه مسلم وكذا البخاري تعليقًا والنسائي والطحاوي والبيهقي من حديث شعبة به.
وكذلك أخرجه أبو عوانة، وصرح قتادة بسماعه من الحسن في رواية النسائي، وكذا في رواية أخرى البخاري عن قتادة تعليقًا.
وأخرجه أحمد (٢/ ٣٤٧): ثنا عفان: ثنا همام وأبان قالا: حدثنا قتادة
[ ١ / ٣٨٩ ]
به، وزاد في آخره؟
"أنزل أو لم ينزل".
وهي صحيحة على شرط الشيخين.
وهكذا أخرجه الطحاوي والبيهقي وابن أبي خيثمة أيضًا في "تاريخه" -كما في "الفتح" (١/ ٣١٤) - عن عفان. ورواه عنه الدارقطني في "سننه" (ص ٤٢)؛ لكنه لم يذكر أبان في الإسناد مع همام؛ وذكر الحافظ أنه صححه! وليس هذا في النسخة المطبوعة في الهند من "السنن"!
وتابعه على هذه الزيادة: سعيد بن أبي عروبة عن قتادة؛ ولفظه:
"إذا التقى الختان الختان؛ وجب الغسل؛ أنزل أو لم ينزل": أخرجه البيهقي.
وتابع قتادة عليها: مطرٌ -وهو ابن طَهَمان الوَرَّاق- بلفظ: "وإن لم ينزل".
أخرجه مسلم وأبو عوانة والدارقطني والبيهقي.
٢١١ - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قال:
"الماء من الماء". وكان أبو سلمة يفعل ذلك.
(قلت: إسناده صحيح؛ كما قال الحافظ، وهو على شرط البخاري.
وأخرجه مسلم وأبو عوانة وابن خزيمة وابن حبان (١١٦٥) في "صحاحهم" لكن قال أبو حاتم الرازي: "هو منسوخ، نسخه حديث سهل بن سعد عن أُبي ابن كعب"، وهو (رقم ٢٠٨».
[ ١ / ٣٩٠ ]
إسناده: حدثنا أحمد بن صالح قال: ثنا ابن وهب قال: أخبرني عمرو عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن.
وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري؛ وفي أحمد بن صالح -وهو المصري- كلام لا يضر؛ بل قال الذهبي فيه:
"هو الحافط الثبت، أحد الأعلام، آذى النسائي نفسه بكلامه فيه".
والحديث قال الحافط في "الفتح" (١/ ٣١٦):
"إسناده صحيح". وقال في "التلخيص" (٢/ ١١٣):
"رواه أبو داود وابن خزيمة وابن حبان".
قلت: وأخرجه مسلم (١/ ١٨٦)، والطحاوي (١/ ٣٣)، وأحمد (٣/ ٢٩) من طرق عن عمرو بن الحارث به.
وله طريقان آخران:
الأول: أخرجه مسلم، وأبو عوانة (١/ ٢٨٥ - ٢٨٦) عن شَريك بن أبي نَمِرٍ عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال:
خرجت مع رسول الله ﷺ يوم الاثنين إلى قُباء، حتى إذا كنا في بني سالم؛ وقف رسول الله ﷺ على باب عِتْبانَ فصرخ به، فخرج يجر إزاره، فقال رسول الله ﷺ:
"أعجلنا الرجل! ".
فقال عتبان: يا رسول الله! أرأيت الرجل يُعْجَلُ عن امرأته ولم يُمْنِ؛ ماذا عليه؟ قال رسول الله ﷺ:
[ ١ / ٣٩١ ]
"إنما الماء من الماء".
وروى أحمد (٣/ ٣٦) الجملة الأخيرة منه.
الطريق الثاني؛ قال الطيالسي (رقم ٢١٨٥): حدثنا شعبة عن الحكم عن ذكوان أبي صالح عن أبي سعيد الخدري:
أن رسول الله ﷺ مَرَّ على رجل من الأنصار، فأرسل إليه، فخرج ورأسه يقطر فقال:
"لعلنا أعجلناك؟ ". قال: نعم يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ:
"إذا أعجلت أو قحطت؛ فلا غُسْلَ عليك، وعليك الوضوء".
وأخرجه البخاري (١/ ٢٢٧)، ومسلم وأبو عوانة وابن ماجة والطحاوي من طرق عن شعبة.
ورواه الأعمش عن ذكوان به مختصرًا، ولفظه:
"إذا عَجِلَ أحدكم أو أُقحط؛ فلا يغتسلن".
أخرجه أحمد (٣/ ٩٤)؛ وإسناده صحيح على شرطهما.
قال ابن أبي حاتم في "العلل" (١/ ٤٩ / رقم ١١٤):
"سمعت أبي -وذكر الأحاديث المروية في: "الماء من الماء"؛ حديث هشام ابن عروة- يعني: عن أبيه. زياد عن أبي أيوب عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ. وحديث شعبة عن الحكم عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في: "الماء من الماء"؟ فقال: هو منسوخ، نسخه حديث سهل بن سعد عن أبي ابن كعب".
[ ١ / ٣٩٢ ]
قلت: حديث شعبة عن الحكم؛ ليس فيه قوله: "الماء من الماء"؛ وإنما هو في الطريق الأولى عن أبي سعيد؛ وإنما في هذه معناه كما رأيت!
وحديث سهل بن سعد عن أُبي بن كعب؛ سبق في أول الباب (رقم ٢٠٨).